islamaumaroc

القائدان جؤذر ومحمود

  دعوة الحق

العددان 138 و139

اشتهر أثناء الحملات الكبرى على السودان بمعناه العام، أيام دولة المنصور الذهبي، قائدان أخذ اسمهما مكانة مرموقة من شعر الشعراء الذين سجلوا في قصائدهم صدى تلك الحملات ..! كما أخذ حيزا ملحوظا من أقوال المؤرخين الذين كتبوا في هذا الموضوع .. !
ويتساءل الباحث عن هذين القائدين- ويريد أن يعرف سيرتهما، وترجمتهما، ومصيرهما، بعد تلك المجهودات المضنية التي بذلاها داخل القارة السوداء، في عصر لم يكن يعرف من رسائل التنقل إلا الدواب، والأرجل في البر .. وإلا السفن الشراعية والقوارب والفلك في النهر والبحر .!
فابن القاضي، وهو مؤرخ دولة المنصور ذكر في كتابه درة الحجال .. جؤذرا .. ومحمودا ..! فقال عن الأول ج 1 ص 125 :
« جؤذر القائد .. أحد قواد المخدوم، وهو الذي افتتح السودان سنة 99 هـ ..»
وقال عن الثاني ج 1 ص 313 :
« محمود بن علي زرقون أحد مماليك المخدوم أبي العباس المنصور .. أحد قواد الرماة له بسالة وشجاعة وحسن سياسة وفضل. وهو أحد الموجهين لفتح السودان ..! وهو على الأسطول هناك .. مما سافر في بحر النيل لفتح من لم يدخل تحت الطاعة منهم .. وبعثة المخدوم بعد الفتح لما بلغه أن البلاد عظيمة جدا متسعة مفتقرة إلى رؤساء متعددين .. فبعثه مع محمد بن أبي بكر أحد عبيده أيده الله .. حي من أهل العصر..»
ويذكرهما أبو فارس القشتالي في مناهل الصفا عدة مرات لكنه يلخص ذلك في سطور فيقول ص 162:
« ثم الفتيان الخاصان ..! المقدمان على سائر الموالي بأبواب الخلافة العلية أبو الثناء محمود صاحب خزائن الدار وقائد جيش الموالي المعلوجي من عساكر النار المعروف بجيش الانكشارية وصاحب فتح ممالك السودان الفتح الثاني ..! ثم جؤذر قريعه في الحظوة والمكانة وقائد جيش الأندلس، وصاحب فتح الأقطار السودانية الفتح الأول والمخصوص بمزيد الاستعمال في الولاية وتقليد الخراج والجباية .. »
ونلاحظ أن ابن القاضي والقشتالي لم يذكرا صلة ولا قرابة بين القائدين ...!
ويذكر لنا القشتالي أيضا شخصية أخرى من قواد المنصور وأخيه المعتصم ..! ولا صلة له بفتح الأندلس ..! واسمه (محمد بن زرقون) وقد فتك به المنصور مع النفر الأربعة من القواد الذين اتهمهم بالخلاف عليه ..! وقتلهم ..! بعد رجوعه من معركة وادي المخازن كما يظهر ذلك من كلام القشتالي في المصدر المذكور ص 22 وليس هذا الذي ذكره القشتالي هو الذي ترجم له ابن القاضي ج 1 ص 313 ...!!
ولا حاجة بنا هنا إلى ذكر الأخبار المتعلقة بإسناد قيادة الحملة الأولى إلى جؤذر ..! ثم عزله عن القيادة وإبقائه هناك ..! وإسناد القيادة إلى محمود .. فإن ذلك شهير في كتب المؤرخين ..!
لكننا في حاجة إلى أن نعرف مصير القائدين ..!                           
وأن نعرف ما وقع من التباس في بعض أقوال المؤرخين ... ويهمنا هنا أن نعرف أن المؤرخ عبد الرحمن السعدي مؤلف كتاب تاريخ السودان الذي أنهاه سنة 1065 هـ قد شاهد حملات السودان ..! وعرف قوادها ... وكتب ذلك في مؤلفه المذكور .. وذكر حقائق وأخبارا مدققة أفادتنا جيدا عن مصير القائدين الكبيرين ..!
فقد تتبع حركات محمود بن زرقون منذ تولى القيادة خلفا لجؤذر إلى أن تم له تمهيد البلاد وارسال جماعة من أهل تمبكتو إلى مراكش فيهم الشيخ أحمد بابا المعروف بالسوداني .. إلى أن سخط المنصور .. وأرسل قائده المعروف باسم منصور بن عبد الرحمن إلى السودان بقصد القبض على محمد بن زرقون وقتله وإهانته ..!! على حد تعبير المؤرخ السعدي ...! بسبب ما أبلغه عنه تعديات وشطط في معاملة الناس ..!
ويزيدنا المؤرخ السعدي : أن أبا فارس نجل المنصور- وكان ابن زرقون خديما له- طير الأخبار إلى ابن زرقون ليأخذ أهبته كي لا يقع في قبضة منصور بن عبد الرحمن ..! فخاض ابن زرقون غمار معركة مع جيش « الكفار» كما يقول السعدي .. في شبه عملية انتحارية ..! تمت في سواد الليل ... سقط فيها صريعا ..! وحز رأسه .. وأرسل إلى لاسكيانوح .. وذلك سنة 1003 هـ .. وهكذا يفيدنا المؤرخ السوداني عن مصير هذا القائد في كتابه ص 175- 176. المطبوع سنة 1898م بمدينة أنجي.
وكما أفادنا المؤرخ السعدي عن مصير محمود ابن زرقون بأنه أفادنا أيضا عن مصير جوذر .. الذي يسميه جوذار ...! فيذكر لنا أن المنصور استدعى جوذرا من السودان سنة 1007 بعد سنوات من العمل المتواصل الشاق هناك .. ص 181 ويظهر أن المنصور كان يقدر قائده ويعرف مقدرته وإخلاصه فلم نر أنه نكبه ... أو أهانه..! وإنما رأينا السعدي يذكر ص 203 أن المنصور لما قبض على ولده الثائر عليه المأمون الملقب بالشيخ أمر الباشا جوذار أن يذهب به إلى مكناس ويسجنه فيها ..!
كما يذكر لنا أن جوذار حضر وفاة المنصور الذهبي ...! سنة 1012 هـ وكتمها إلى أن وصل إلى مراكش ونفذ وصية المنصور .. ببيعة أبي فارس نجله ...!
ويبدأ الصراع بين أبناء المنصور ... ويشاء القدر أن يذهب جوذر ضحية من ضحايا هذا الصراع فقد فتك به الأمير الصغير عبد الله بن المأمون ... الذي كان خليفة لأبيه بمراكش .. مع جماعة من قواد جده المنصور الذهبي ..!! ص 204 وذلك سنة 1014 هـ بالتقريب ..!!
ولا نودع هذين القائدين دون أن نشير إلى نقطة أثارت انتباهنا منذ زمن طويل ..! وهي :
أن بعض المؤرخين يجعلون جوذرا أخا لمحمود ..! وهكذا جاء نص الاستقصا ج 5 ص 123 حين ذكر عزل جوذر ... وتولية محمود فقال :
« ولما بلغ المنصور خبر الصلح قام وقعد وقوم عسكرا خفيفا وبعث به مع مملوكه الآخر محمود باشا وهو آخر جوذر ..! وقلده أمر العساكر كلها ..! »
ثم ذكر في نفس الصفحة أن محمودا أمر أخاه جوذرا أن يقيم في مدينة (كاغو) بعد العمليات التي وقعت إثر وصول محمود إلى منطقة الصراع في السودان ..!
والمؤرخ الفرنسي المعاصر- طراس- يذكر لنا في كتابه عن تاريخ المغرب نفس الفكرة ..! ويفيدنا بمعلومات مفيدة عن أصل جوذر وأخيه محمود باشا .. ونشأتها في « لاس كويفاس » على مقربة من مدينة غرناطة ..! في أسرة كاثوليكية ..!
ثم التحقا بمراكش لطموحهما ورغبتهما في الحياة العسكرية ..! وحظنا عند المنصور حيث أسكنهما هناك- كما يقول طراس- قصرين من مخلفات الموحدين والمرينيين ..!!
وبطبيعة الحال تبقى هنا عدة علامات للاستفهام عن هذين القائدين .. والكيفية التي تم بها وصولهما إلى مراكش ..! والمعتقد الذي كان لهما وهما يقودان جيشا مسلحا ..! وغير ذلك من الإستفهامات التي لا نجد لها جوابا شافيا في المصادر التي بين أيدينا ..!!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here