islamaumaroc

خاتمة الرسالات أعظم معجزة تاريخية

  دعوة الحق

العددان 138 و139

إن رسالة محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ولا تزال أعجوبة التاريخ، وخارقا من أعظم الخوارق التي عرفها الكون منذ نشأته، وذلك أنها ظهرت في زمن غلب فيه الجهل والأنانية واستبدل الإنسان، في زمن أقل فيه نور الحق والعدل، وظهرت هذه الرسالة، في أرض قاحلة، في امة جاهلة متفرقة متنافرة، فلم يمض كثير من الزمن حتى ارتفعت تلك الأمة من الحضيض إلى أعلى قمة، ثم امتدت في الأرض تنشر العدل والإخاء، وتعيد للإنسانية ما فقدته من أمن ورخاء، ولم تر في التاريخ رسالة غير هذه قلبت أوضاع الأرض ونظمها فكرا وسياسيا واجتماعيا وخلقيا وعسكريا في مدة ربع قرن.
وفي وقت كانت الدنيا في ظلم وظلام، وخصام وآثام، في أنانية متغطرسة، وقسوة معاندة، وعنصرية متزايدة، وتأله وتاليه، والإنسانية تتألم وتتململ تحت وطأة العسف والجبروت، في أنين وحنين بين اليأس والرجاء، يأس منبعث من تأزم الوضع، وأمل ضعيف بأن كل شيء إلى نهاية، وأن طيات الليل والنهار قد تأتي بالساعة المرجوة، ساعة الفرج وانكسار القيود والأغلال، وانطلاق جديد للحريات الفردية والاجتماعية.
هكذا كان الوضع على وجه العموم في سائر أنحاء المعمورة. فلم يكن في الأرض آنذاك إلا قوتان متصارعتان، كل منهما تريد أن تعلو الأخرى وتخضعها لسلطانها ليتم لها الاستبداد على الكل دون شريك أو منازع. ففي الجهة الشرقية كان الفرس أكاسرة ومرازبة ودهاقين يرون أنفسهم فوق الجميع، وإنهم الأمة التي يحق لها التحكم في أرض الله، والتملك لعباده، والتعاظم على خلقه أحبوا أم كرهوا فنصبوا أنفسهم كالآلهة يجب على الناس تقديسهم، ومن يستنكف فله الذل والهوان، فاستعبدوا الناس طويلا، وظنوا أنهم أفلتوا من صروف الزمن وغيره، وأنهم خالدون مخلدون فيها قادرون على ما أرادوا منها.
وعلى هذا الوضع وبنفس النفسية كان الروم يسيرون، وبنفس الفكر يفكون، فاستولوا على القسم الغربي من الأرض، غربي آسيا ومعظم أوربا وشمال إفريقيا، فقهروا البلاد والعباد وعلوا في الأرض علوا كبيرا وبلغوا في التعلي إلى أن الصغار يسجدون للكبار وتجاوزوا بذلك حدود الاحترام والتعظيم، ومن شواهد ذلك ما ورد عن الصحابي المشهور معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه رأى الروم في الشام يسجدون لعظمائهم، وظن أن ذلك أليق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما عاد من الشام وجاء أمام الرسول صلى الله عليه وسلم سجد له، فبدل أن يثني عليه تقديرا لمحبته وإخلاصه، بدل ذلك غضب عليه، وقال : ما هذا يا معاذ؟ فقال : يا رسول الله رأيت الروم يسجدون لعظمائهم وأنت أعز عندنا منهم. فقال له : يا معاذ ! إن هذا –السجود- لا يليق إلا لله، ولو كنت آمرا مخلوقا أن يسجد لمخلوق لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما له عليها من حق.
هذا ما كان من حال فارس والروم ومن تأدب بأدبهم. أما العرب فقد كانوا في جاهلية عمياء وعنصرية جنسية قبلية جافية، غارفين في خضم من الأوهام، وعبادة الأصنام، من أشجار وأحجار وبيوت بنوها، وتماثيل نحثوها، وخيالات تخيلوها، وخرافات وجنة تخوفوها، وسحر وكهانة توارثوها، واعتقدوها، فألفوها وكأنهم جبلوا عليها، مما جعلهم في مكان سحيق بعيدين عن منافسة الأم ذات الرياسة والسياسة البعيدة المتحضرة.
فبينما الدنيا سادرة في غيها متمادية في ضلالها، ضلال الدين والعقيدة، ضلال الخلق والآداب ضلال الجهل بالقيم والمقاييس الصحيحة التي تحتاج إليها الحياة البشرية في سيرها البعيد، وحياتها الطويلة اللامتناهية. بينما هي كذلك تتخبط في ليل من المشاكل وعقد الحياة التي حار فيها أولو الألباب، وأذهلت عقول البشر إذ طلع نور الرسالة المحمدية ذلك النور المشرق الوضاء، طلع لينقذ الإنسانية مما هي فيه من محن وآلام، وليضع المقاييس والموازين، ويحدد الحدود للإنسانية لتسير إلى ما يسعدها بخطى ثابتة مطمئنة. فالرسالة المحمدية رسالة السلام والإسلام جاءت بالمثل العليا لكافة البشر، لو يمنحونها من العناية والدرس والفهم ما تستحقه، وما هي جديرة به، فقد كانت ولا تزال بحق، المحجة الوضاءة، والحجة القاطعة، والقبس المتوقد الذي لا يخبو عند مهب العواصف، ولا يتأثر بالحوادث ومرور الزمن. تلك رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، رسالة الحق والصدق، والهداية، رسالة جاءت لمعالجة النفس البشرية، وإزالة أمراضها، وتطهيرها من أدرانها، وتوجيهها توجيها صحيحا يكفل لها السعادة الدائمة المتواصلة التي لا تنقطع بالموت، وتنحصر ولا تقتصر على حياتنا الدنيوية القصيرة الضيقة، بل تمتد إلى أرجاء فسيحة، وسعادة طويلة واسعة لا حد لها ولا نهاية، ترتفع بنا فوق ما يتصور من السمو الحسي والمعنوي، ترتفع بنا إلى أقدس مقام، إلى جنان الخلد حيث الأنوار الساطعة حيث الحياة الراضية الخالصة الزاخرة بكل بهجة وسرور، في جور الملائكة الأطهار، وفي جتاب خالق الأكوان ومالكها الواحد القهار. إلى مثل هذا وإلى ما فوقه تدعو رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإلى ما تضيق عنه العبارة، ويعجز القلم عن تسطيره. هذه الرسالة التي أحاطت علما بالبشرية وعرفت ظواهرها وبواطنها، وأمدتها بكل ما يحقق لها الرشد والهداية من التشريع والنظم السامية التي تضمن لها سعادتها في الأولى والأخرى، وتحل مشاكلها النفسية، والعقائدية، والاجتماعية، والخلقية، تتبعت ذلك تتبعا دقيقا مراعية فيه مصلحة الفرد والجماعة دون تعارض بينهما، بل جعلت كلا منهما يكمل الآخر ويسنده، ويتوقف صلاحه عليه. فوزعت الحقوق توزيعا محكما كما هو معروف مفصل في كتب التشريع الإسلامي، ومن أهم تلك التفاصيل المبينة ما يجب على الإنسان من حق الله وعبادته وحده دون أن يشرك به شيئا، وهو ما عبر عنه الركن الأول من أركان الإسلام الخمسة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وبهذه الكلمة يتحرر الإنسان من جميع العبودية ليعيش حرا شريفا كما خلقه الله، فلا يخضع لأحد ولا لشيء سوى الله الحق، فيعيش كامل الحرية يشعر بالمساواة التامة التي جعلها الإسلام حقا لكل أبناء البشرية ورسم لها قاعدة ثابتة بقوله تعالى : « يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم». وبهذه القاعدة قضى على جميع العنصريات والقوميات والوطنيات، وجميع التفاضلات والتعليات التي أقامها الإنسان بين شعوبه وأممه، والتي لا تؤدي إلا إلى شر مستطير، وإشعال نار الفتن والعداوة بين الناس في كل زمان ومكان، مفرقة بين الشعوب، واقفة عثرة في طريق الأخلاق النافعة، والتعاون بين الأمم بما يزيد في تقدمها ونموها، ويساعد على أمنها ورفاهيتها، ومن شواهد ذلك الشر ما نشاهده الآن بين السود والبيض في أمريكا ومشاكل جنوب إفريقيا وروديسيا، إلى غير ذلك مما يعقد الحياة ويزيد في آلامها، ويزرع الشقاء والكراهية بين أهلها، ويمزق الصلات البشرية، ويجذب حبل الإخاء والمودة الخلقية بينهم. ولو رزقوا شيئا من التوفيق وتفطنوا إلى العمل بتلك القاعدة الجليلة- إن أكرمكم عند الله اتقاكم. لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى- لو تدبروا هذه القاعدة وطبقوها كقانون عادل للمساواة بين أجناس الناس، لوجدوا فيها الدواء الشافي، والحل النزيه الذي يحقن الدماء ويوفر الأموال، ويقطع جرثومة الفساد الذي نراه الآن منتشرا في كثير من بقاع الأرض. وهذا قل من كثر، بل قطرة من بحر، بالنسبة إلى ما تفيض به الرسالة المحمدية من نور على البشرية الغافلة، فأي خير أو سعادة يمكن أن ينالها الإنسان لم تدل عليها ؟ وأي شردنيوي أو أخروي يمكن أن يلحق الإنسان ولم نحذر منه؟ أما وضعت للناس كل ما يحتاجون إليه من النظم الصحية التي ليس لها مثيل لا في السابق ولا في اللاحق؟ بلى وضعت شبكة حكيمة محكمة من العقائد والنظم الدينية التي لا تذبذب فيها ولا إعوجاج، بل هي صراط مستقيم، ونهج قويم، يصل العبد بخالقه، ويربط حياته الدنيا بحياته الأخرى، ويضمن له السعادة الكاملة، ويزوده بالعلوم والأفكار والهدايا التي تبدد غياهب الشكوك والشبهات النفسية الطارئة ولا تدع الوساوس الضالة منفذا تتسرب منه إلى الخيال أو قلم، وأحاطت ذلك برياضيات وعبادات قولية وفعلية، فكرية وعقائدية، فهي صراط منير واضح لا يعتبرها الظلام كما وصفها معلمها الداعي إليها بقوله (ص):«تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك». وكذلك كان ويكون فكل من زاغ عنها هلك.
هذا من الناحية الدينية. أما من الناحية الاجتماعية فقد جاء التشريع المحمدي بما يكفل بناء مجتمع مثالي يكون مقياسا ينسج الناس على منواله، ولا يجدون عيارا أدق من عياره، جاء بما يحكم بناء المجتمع ويرسي أسسه من أول لبنة إلى أعلى قمة، وضع منهاجا لتربية الفرد منذ نشأته إلى موته، وأمده بسائر النظم والتعاليم التوجيهية التي إذا عمل بها وسار عليها جعلته فردا صالحا مصلحا وضمنت له السعادة الأبدية بلا ريب، ثم غرس نواة الأسرة وسقاها وغذاها بالنظم التي تحفظها وتجعلها أسسا صالحا يتفرع عنه كل خير وصلاح. فرغب في الزواج وأحاطه بسلسلة من النظم التي تنبثق عنها سعادة الزوجين ثم الأسرة وبالتالي سعادة المجتمع الواسع، وحدد لكل واحد من الزوجين الحقوق والواجبات، ورسم لهما طريق الحياة الطيبة كاملا غير منقوص، ثم تناول الأولاد والأقرباء وألزم الكل بحدود وواجبات معينة لا يجوز التخلي عنها، وقيدهم بصلات وآداب عالية تحكم الرابطة بينهم وتجعلهم وحدة متماسكة ببعضها البعض من جهة، وبالوحدات الأخرى من جهة أخرى مع التماسك والترابط الذي يمتد بامتداد المجتمعات الشعبية المتآخية إلى أن يشمل الأمة الإسلامية بأكملها ويكون منها كثلة متراصة تذوب فيها الجنسيات والألوان واللغات وسائر الفروق حتى لا يبقى إلا وحدة إنسانية يجمعها نظام واحد هو الإسلام تخضع كلها لرب واحد يملكها ويسيرها إلى الغاية التي رسمها. « إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» فهي بحكم النظام السماوي واحدة مهما ترامت أطرافها وبعدت مسافاتها أو تعددت أقطارها، واختلفت لغاتها وأجناسها وألوانها، لأن الإسلام الذي هو دين أخوة وإيمان يتخطى كل تلك الآفاق الضيقة- آفاق الوطنيات، والجنسيات والقوميات واللغات والألوان- يتخطى ذلك إلى أفق أرحب، وهدف أسمى، وإلى أفق الوحدة الشاملة التي يشير إليها بقوله تعالى : « يا أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون». ويشير إليها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله : «كلكم لآدم وأدم من تراب». إذا فالإسلام يهدف في تعاليمه ونظمه الواسعة الدقيقة إلى بناء مجتمع صالح الأفراد، متماسك الحلقات يشمل الأرض وعموم البشر دون تمييز.
هذا فيما يختص ببناء المجتمع، أما فيما يتعلق بالاقتصاد وأمور الأموال، ووسائل اكتسابها، وطرق إنفاقها، فقد نظم المعاملات، وسن شرائع البيع والشراء، والقرض والرهن، والحرث والزرع والمضاربة والشركة والامتلاك، وسن الزكاة، وحرم الربا بأنواعه والاحتكار، وقسم الترواث تقسيما يجعل المال موزعا على الناس توزيع منفعة متداولا بين الناس على حسب مصالحهم لا لأن يجتمع عند طائفة ويحرم منه الباقي، وهذا نظام لو طبق تطبيقا صحيحا لزال تطاحن الشيوعية والرأسمالية، بل لا يكون لهما وجود أصلا.
ومن ثم ترى أن الإسلام لم يترك عقدة من عقد الحياة البشرية إلا أحسن حلها، ولا علة من العلل إلا حسم مادتها. أما الأخلاق فإليه كان منتهاها.
وأما السياسة فقد جاء بها نقية، ونزهها من الكذب والغش والحيل، وبناها على حسن الأخلاق، والعفو، والمواساة، والتجاوز وغض النظر عن العيوب والزلات، ويكفيك ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة من تأليف القلوب، وتقسيم الأموال بدلا من الانتقام والبطش.
ومع ذلك فقد وضع الحدود وقرر الزجر والعقوبات في الأحداث والجنايات مراعيا في ذلك جانب المصلحة، وتقليل الضرر ما أمكن. كما نظم أمور الحرب تنظيما كاملا يخفف أخطارها، ويقلل من متاعبها، فحرم قتل النساء والصبيان، والشيوخ والعباد، ومنع التخريب والفساد بقدر الإمكان. ومن جهة أخرى جند للجهاد جميع الطاقات، والتسلح بكل سلاح يحقق النصر والنجاح. قال تعالى : «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم ». وكيف جعل لفظ القوة فكرة لتشمل جميع الأنواع، إلى غير ذلك مما أرشدت إليه الرسالة المحمدية من نظم وهدايات لو اتبعها الناس، وصادفت منهم تفهما لعاشوا في أمن وسلام مغتبطين مطمئنين. فهل للبشرية من زمان ترتفع فيه إلى مستوى أعلى، من التعقل والنضج..؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here