islamaumaroc

التكافل الاجتماعي في الإسلام

  دعوة الحق

العددان 138 و139

الإسلام كرسالة سماوية أقيم على دعائم تابثة، وركائز قوية، من الدعوة إلى الإخاء والعمل على نشر الوئام بين الناس، وقد سلك منهجا فريدا في رسم الطريق للنهوض بالأفراد والجماعات. وكان سلوكه إزاء ذلك عن حكمة في دعم أواصر الأخوة والصلات الإنسانية، فكانت دعوة الإسلام ثورة كبرى لتحرير الإنسانية من كل فساد وظلم، وتحطيم القيود التي تفرق بين الناس بالجاه والتفاخر بالتكاثر بالأموال. وكانت هذه الثورة السماوية بمثابة النداء الصارح لتكافل اجتماعي شامل في كل نواحي الحياة ودعوة إلى أخوة متعاونة تسوي بين الناس في الحقوق والواجبات على أساس من الحب والإيثار. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «لا يومن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». ويقول : «الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى».
والإسلام رسالة مقدسة يحث على العمل، ويحارب البطالة، ويعرض ألوانا من المعاملات التي يشترك فيها الأغنياء والفقراء في ميدان العمل، وتتاح فيها للفقراء فرصة استغلال مواهبهم، فإذا عجز الإنسان عن العمل، فهناك ألوان من المساعدات الاجتماعية التي تؤمنه على حياته، كالزكاة والصدقة والإحسان، وكالملاجئ العامة التي تفتح للعجزة والمساكين واليتامى. وقرر القرآن الكريم حق الفقراء في أموال الأغنياء : «والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم». كما حث الرسول الأعظم صلوات الله عليه وجوه الخير والبر والإحسان والتضامن الاجتماعي : «الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» . «المومن للمومن كالبنيان يشد بعضه بعضا» «مثل المومنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى».
فتعاليم الإسلام تهدف إلى تحقيق الصالح العام وإعداد الفرد إلى تكافل اجتماعي في جميع نواحي الدعوة، فالفرد في المجتمع الإسلامي جزء في كل : الفرد مسؤول عن الجماعة، والجماعة مسؤولة عن الفرد، وهذا التقابل بين الفرد والجماعة هو أول وسائل التكافل الاجتماعي في الإسلام وأساس مقاومة الآفات الاجتماعية. والتكافل الاجتماعي في الإسلام يجعل كفالة الحق في ضمير الفرد، وضمير الجماعة، ولذا فإن الإسلام يضع التضامن الإنساني في منزلة رفيعة، تبدا صورة هذا التضامن منذ أن يخلق الإنسان بين أبوين فيلتزمان برعايته وتكوينه، وينشأ هو على برهما وحبهما ثم يحسن إليهما في كبره، وكذلك الأقارب لهم حق البر بعضهم على بعض، ومثل ذلك الجار مع الجار والصديق مع الصديق.
وقد كان الإسلام أول دين اهتم بالأسرة البشرية، والتفت إلى العرى الاجتماعية، ودعا إلى رعاية المحتاج وعلاج المريض وإغاثة الملهوف، واعتبر هذه التكاليف التي يقوم بها المتمدينون من المومنين رياضة يقومون بها لتهذيب نفوسهم وتوجيه شعورهم ليكون ذلك بمثابة
الإعداد الصحيح الذي يساعد على أن يكون الفرد لبنة كريمة في بيئة صالحة يكون شأنها البناء والنهوض والإقدام، لا الهدم والركود والتخلف.
والإسلام لا يحب الأنانية ولا يرضى لدويه أن يجعلوها ديدنهم وسجيتهم، وفي سبيل ذلك يعود المرء أن يكون إنسانيا في عمله، أو نية يضمرها، ويعلن إليه دائما أن أفضل بر يقدمه أو معروف يبذله هو هذا الذي يعود على الجماعة وتؤول فائدته إلى الأمة.
وقد تمثلت هاته المعاني السامية في شعور المسلمين بالمحبة والسلام إلى درجة الإيثار، إذ غرس النبي صلى الله عليه وسلم معنى التعاون والتضامن في نفوس أصحابه حتى تجاذب الأنصار من سكان المدينة – الذين كانوا يقيمون في أموالهم وأهليهم وأولادهم – إخوانهم المهاجرين الفقراء الذين جردوا من أموالهم وأخرجوا من أوطانهم، فكان كل واحد من الأنصار يحاول أن يسبق غيره من مديد المعونة لأخيه المهاجر حتى وصل بهم ذلك التسابق في الخير إلى شيء من التشاحن.
وقد حدث قحط في عهد سيدنا أبي بكر، وكان أن قدمت لسيدنا عثمان ألف راحلة برا وطعما، فجاءه التجار ليشتروا ما عنده ثم يبيعونه على الناس، فقال: كم تربحونني ؟  قالوا : العشرة اثني عشر، قال : لقد زادوني ، فقالوا : العشرة خمسة عشر، قال : لقد زادوني، قالوا : من زادك ونحن تجار المدينة؟ قال : لقد زادني الله لكل درهم عشرة، وتلا قوله تعالى : «من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها». وأشهدهم رضي الله عنه على أنها كلها صدقة على فقراء المدينة. وقد حدث في عهد سيدنا عمر قحط أيضا لأهل الحجاز فأرسل إلى ولاته بالأنصار ليعينوه في تلك الضائقة فتسابقت الأقطار الإسلامية في الاستجابة إليه. وقد أهدبت لعبادة بن الصامت هدية ومعه في الدار اثنا عشر من أهل بيته فقال ، اذهبوا بهذه الهدية إلى آل فلان فهما أحوج إليها منا، فذهب بها الوليد بن عبادة، فكان كلما جاء أهل بيت قالوا : اذهب بها إلى آل فلان فهم أحوج منا إليها حتى رجعت الهدية إلى عبادة.
كان هذا من جماعة المسلمين ، مظهرا واضحا من مظاهر التعاون الإسلامي والتضامن الإنساني، ولهذا مظاهر التعاون الإسلامي ، والتضامن الإنساني، ولهذا تغلبوا على ما صادقهم من أزمات وضائقات، وحل الرخاء محل الجدب بفضل ذلك التعاون وذلك الإيثار.
نعلم أن أبرز الحقوق التي يحث عليها الإسلام أن تكون في حاجة أخيك إذا احتاج إليك، وأن تفرج عنه الكرب إذا وقع فيه، ولن تيسر عليه إذا كان في عسر، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة». ويقول صلوات الله عليه : «ايما أهل بقعة أصبح فيهم امرؤ جائعا فقد برئث منهم ذمة الله ورسوله». ومن هذا الحديث استنبط الفقهاء حكمهم من أن كل أهل قرية أو مدينة يجب عليهم ألا يهملوا أمر الفقراء وأن يستوفوا لهم ما يحتاجون إليه من شؤون العيش من مطعم وملبس ومسكن، وإذا قصروا في هذا وجب على ولي الأمر بحكم الشرع أن يجبرهم على ذلك فيجمع منهم المال اللازم من كل يحسب طاقته . يقول الإمام ابن حزم في ذلك في كتابه المحلى : «وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة».وروي بالسند الصحيح : «من لا يرحم لا يرحمه الله » . ثم يقول : « ومن كان على فضله ورأى المسلم أخاه جائعا عريانا ضائعا فلم يغثه فما رحمه» ويروي أيضا بالسند الصحيح عن عبد الرحمان بن أبي بكر الصديق : « إن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس». ويروى كذلك : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» ثم يقول ابن حزم : «ومن تركه يعرى ويجوع وهو قادر على إطعامه وكسوته فقد أسلمه». والنصوص من القرآن والأحاديث كثيرة جدا. وبنقل عن سيدنا علي ابن أبي طالب بسنده : «إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فيمنع الأغنياء وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه». وعن ابن عمر : «في حقك مال سوى الزكاة». وعن عائشة والحسن ابن علي وابن عمر أنهم قالوا كلهم لمن سألهم : «إن كنت تسأل في دم موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع، فقد وجب حقك». وصح عن أبي عبيدة وعدد كبير من الصحابة أن اجتمعوا فأمرهم أبو عبيدة فجمعوا أزوادهم في
مزودين وجعل بقوتهم إياها على السواء فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة رضي الله عنهم لا مخالف لهم منهم.
فالدين الإسلامي قد وضع قواعد أصيلة لتكافل اجتماعي سليم لا غل فيه ولا حسد، تناول ذلك في كل نواحي الحياة دون توقف عند التكافل في المال فقط كما هو الشأن في النظم والمذاهب الحديثة التي تصطبغ بصبغة المادية ، وكثيرا ما تتجرد عن هذه المعاني الإنسانية الخصيبة الندية، ولكن الإسلام تناول التكافل الاجتماعي في كل النواحي والصلات : تكافل في الصلات الروحية والأمور الخلقية، وتكافل في الصلات المالية ومسائل المعاملات، وكانت الأولى طريقا للثانية، ولذا كان التكافل فيه مبعثة الوازع والضمير وابتغاء فضل الله في دار البقاء، وكانت دعوته في هذا واضحة كل الوضوح : «وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك».
وبهذا نطمئن إلى أن هذا الدين لم تكن تكاليفه عبادة متبعة ولا أوامر ملتزمة، بمقدار ما كانت تربيته اجتماعية رشيدة، وتهذيبا إنسانيا صحيحا، وتنمية لروح الخير عند الناس لتصبح الأخوة الكاملة، والرأفة الشاملة والرحمة العامة هي القوانين السائدة وبذلك يشعر المسلم إذا أصابه الجوع أو العرى أو المرض أن على كتفه يدا تربت عليه وتقدم له أنواع المعونات من غير أن تشعره أنها صدقة مال، أو زكاة جاه، وإنما هو واجب الإسلام وأحكام الشريعة قضى الله أن نؤديها من غير ملل ولا ضجر.
فهل بعد هذا نظام أكمل للضمان والتأمين والتكافل الاجتماعي من هذا النظام؟ أن الغرب في القرن العشرين لم يأت بجديد، وما يتحدث به أصحابه عن التكافل الاجتماعي فهم إنما يتحدثون عنه من جوانبه التي تتصل بالمطالب المعيشية التي تتصل بالفآت المحرومة من الغذاء والمسكن وما إليها . . . بيد أن الإسلام لم يكتف بتقرير هذه الحقيقة وحدها – منذ أربعة عشر قرنا – ولكنه قرر قبلها لكل مواطن حقوقا لا تتم كرامة الإنسان وسعادته إلا بها وهي فقط  الدين، والنفس ، والنسل، والمال، والعقل، ولأجلها فعل التشريع الحكيم لصونها، والقوانين لاحترامها. فأصول حضارة الغرب مأخوذة من مبادئ الإسلام وشريعته الخالدة وأعمال خلفائه ومآثرهم في العدل ومعاملة الرعية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here