islamaumaroc

مكاتبات الرسول عليه السلام وأثرها في نشر الإسلام

  دعوة الحق

العددان 138 و139

لكن كيف تمكن العرب وفي طليعتهم النبي العربي محمد عليه الصلاة والسلام من القيام بهذا العمل الضخم ؟ الجواب سهل ميسور، لقد تمكنوا من ذلك بفضل الدعوة الصادقة، التي تحوطها العناية الربانية الخالدة، والتأييد السرمدي. وقد مرت الدعوة النبوية بمرحلتين رئيسيتين :
أولا – المرحلة السرية : وكانت البداية، وفيها اقتصرت الدعوة على الأهل والأقرباء والأصدقاء.
ثـانيا- المرحلة الجهرية العلنية : وقد اتخذت الدعوة العلنية أشكالا مختلفة تجلت في :
1- عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على الناس في الأسواق والمواسم والاعياد، ودعوته لهم، وترتيله الآيات القرآنية المنزلة، على مسامعهم. وكانت هذه المرحلة في بداية البعثة- والمسلمون أقلية ضعيفة- تكتسي طابع العنف والشدة من جانب واحد هو الجانب القرشي، ومع ذلك استمرت الدعوة رغم تجبر قريش ومغالاتهم في الإذاية.
2- الجهاد وخاصة بعد الهجرة إلى يثرب وتكاثر إتباع النبي الكريم، ووجدانه في الأوس والخزرج خير ناصر ومعين. وكان من أسباب تشريع الجهاد ما يلي :
أ- الدفاع عن النفس ضد من يتعدى على المسلمين المومنين.
ب) الدفاع عن الدعوة المحمدية ضد من يقف في سبيلها بأية كيفية من الكيفيات :
1)- سواء بفتنة من دخل في الإسلام وآمن برسالة محمد عليه السلام.
2)- أو بصد من أراد الدخول في الإسلام والحيلولة بينه وبين اعتناق الدين الجديد.
3)- أو بالوقوف في وجه الدعاة المسلمين، ومنعهم من القيام بمهمتهم المقدسة في تبليغ الدعوة ونشر الإسلام.
تلك هي الحكمة أو الدافع الذي حدا بالمسلمين الاوائل أن يسترخصوا أنفسهم في سبيل الله، وأن يقاتلوا لإعلاء كلمة التوحيد، لا ما يدعيه البعض من أن الإسلام انتشر بالسيف، أو أن دافع الجهاد كان اقتصاديا محضا ولا اثر للدافع الديني فيه، ويظهر أن الدكتور فيليب حتى السوري الأصل هو ممن يعتنق هذه الفكرة الخاطئة التي تحاول التقليل أو الطعن في روحانية المجاهدين الأولين (2).
وتعجبني في مجال الرد على من يزعم أن الإسلام انتشر بالسيف مقالة طوماس كارليل : « وقد قيل كثيرا في شأن نشر محمد دينه بالسيف، فإذا جعل الناس ذلك دليلا على كذبه فشد ما اخطأوا وجاروا! فهم يقولون : ما كان الدين لينتشر لولا السيف، ولكن ما هو الذي أوجد السيف؟ هو قوة ذلك الدين وأنه حق». ثم يقول : « فلندع الحقائق تنشر سلطانها بالخطابة أو بالصحافة أو بالنار، لندعها تكافح وتجاهد بأيديها وأرجلها وأظافيرها، فإنها لن تهزم إلا ما كان يستحق أن يهزم، وليس في طاقتها قط أن تفتي ما هو خير منها، بل ما هو أحط وأدنى » (3).
3- والشكل الثالث من أشكال الدعوة العلنية المكاتبات- وهي بيت القصيد- فقد كاتب الرسول الأعظم كل الملوك ورؤساء الدول والإمارات المعاصرة له، وهذه حقيقة ثابتة لا ينبغي الجدال حولها، على أن بعض المشككين حاولوا إنكار تلك الحقيقة، ولولا رغبتي في الرد على هؤلاء، وفي وضع الأمور في نصابها، لما طرقت هذا الموضوع على صفحات هذه المجلة الغراء التي تدعوا إلى الحق دائما. فليتنا نستجيب جميعا لـ «دعوة الحـق».
لقد اعترف بهذه الحقيقة- مكاتبات الرسول إلى ملوك العالم- كثير من فطاحل المؤرخين : الشرقيون أولا أي العرب، ثم الغربيون المنصفون ثانيا. أما غير المنصفين فما زالوا يتسكعون ويتكاون، وكان خلع الضرس- على طريقة عهد الفرزدق لا على الطريقة الحديثة- أهون عليهم من الجهر أو الاعتراف بمثل هذه الحقيقة الناصعة !
ولعل أكثر المتعصبين المتحاملين على خير البرية ممن قرأت لهم مؤلف كتاب Mahoma y el Koran الذي لفت عنوانه نظري فاشتريته من إحدى مكتبات العاصمة الإسبانية. وربما –والحق يقال- ساورني بعض الندم على شرائه، لا ضنا بالمال، فقد كان ثمنه بالنسبة
لحجمه زهيدا جدا، ولكن ضنا بكرامة الرسول الأعظم وشرف الإسلام والقرآن أن يداسا من طرف Rafael Cansinos –Asens الذي يصفه الناشر S.A Editorial Bell الأرجنتيني ( Buenos Aires) « بالكاتب والمستشرق الإسباني الذي طبقت شهرته آفاق العالم». إن صفحات هذا الكتاب البالغ عددها 447 صفحة، لا تكاد تخلو واحدة منها من غمز أو لمز أو فرية أو قذف أو تجن. ولعل في هذا بلاغا للناس، وفرصة لتحذير القراء من الوقوع في أحاييله وأكاذيبه وترهاته هو ومن لف لفه، أو من نسج هو على منوالهم، وعزف على أوتارهم ألحانه الناشرة.
وقد يكون هذا الكاتب وأمثاله الأجانب معذورين، لأنهم مأجورين أو مفرضون في كتاباتهم وتآليفهم. أما غير الأجانب ممن ينتسب إلى الدم العرب – وسنتعرف على أحدهم بعد قليل- فليس له أي عذر، بعد أن اتضح الصبح لذي عينين، وبرزت حقيقة بعثات النبي صلى الله عليه وسلم وسفاراته إلى الخارج على لسان غر لسان واحد من أئمة الكتاب والمؤلفين، عربا وغير عرب، مسلمين وغير مسلمين على السواء.
وهذه بعض الأمثلة فقط، نستقيها ممن كشفوا عن هذه الحقيقة النقاب، ونوهوا بها، ولم يسعهم نكرانها أو جحودها :
يقول المسعودي في كتابه مروج الذهب جزء 2 ص 183 عند كلامه على أحداث سنة ست من الهجرة ما يلي : « .. ووجه بالرسل إلى كسرى وقيصر»
ومعلوم أن الرسل إنما يحملون رسائل مكتوبة محررة، زيادة في الإيضاح والتعبير الصريح، وتنويها بمقام المرسل ودعوته، وتعزيزا لجانب المبعوث لدى المرسل إليه .. وفي نفس الصفحة وتاليتها يقول المسعودي أيضا :
« .. وفيها- أي سنة 7 هـ كان قدوم حاطب ابن أبي بلتعة، من مصر من عند المقوقس ملكها، ومعه مارية القبطية أم إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من هدايا المقوقس إليه».
والمؤرخ الهندي المسلم سيد أمير علي يتحدث في كتابه : « مختصر تاريخ العرب» الذي ألفه بالإنجليزية وترجم إلى العربية ونشر ببيروت، عن بعثات النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخارج فيقول : «أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك الفرس وإمبراطور الروم يدعوهما إلى الإسلام، فأحسن إمبراطور الروم استقبالهم، وطردهم ملك الفرس من حضرته. كما أرسل رسولا آخر إلى أحد أمراء النصارى الخاضعين لإمبراطورية الروم بالقرب من دمشق، فقتله الأخير شر قتلة». (ص 21)
أما العلامة الشيخ محمد الخضري فيقول في كتابه القيم : محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية ج 1 ص 144 ما يلي : « ولما كانت رسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم عامة بنص القرآن، لم يقتصر في دعوته على الجزيرة العربية. بل أرسل كتبه ودعائه إلى الملوك ورؤساء الأمم إلى الدين حتى لا يكونوا ممن يصد عن الإسلام أو يقف في سبيل دعوته». وفي نفس الصفحة وتالياتها الثلاث أتى بنصوص بعض الرسائل، وبأسماء بعض المبعوثين من طرف الرسول عليه الصلاة والسلام.
وإلى الذين قد لا يجدون فيما يقوله مؤرخو العرب والمسلمين غناء لهم أو مقنعا، أسوق هذه الفقرات علها تشفي ضرهم وتفيد في الموضوع. ورد في دائرة معارف انكليزية نشرت في القرن الماضي سنة 1868 ما يلي : « .. وفي هذا الوقت، بدأ رسله يحملون عقيدته وتعاليمه إلى الخارج، إلى خسرو الثاني ( 590- 628 م) Chosrors II إلى هرقل ( 610- 642) م Heraclius إلى ملك الحبشة، إلى نائب الملك (4) Viceroy بمصر، ثم إلى رؤساء مختلف الأقاليم العربية. بعضهم قبل الدين الجديد، ولكن Chosru Parvis (5) ملك فارس، وعمرو الغساني (6) نبذا اقتراحاته في ازدراء (7) ».
فهؤلاء المبعوثون كانوا يبلغون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعاليمه الدينية ومبادئه الإسلامية شفويا وكتابيا. وهل المعقول من هذه الشخصيات السامية المرسل إليها أن تكتفي بالرسائل الشفوية ؟ إن من أبسط البديهيات في السفارات الحديثة ما يعرف بأوراق الاعتماد، وبدون هذه الأوراق لا تقبل سفارة سفير. فهل بعد هذا نستنكر أن يحمل رسل محمد صلى الله عليه وسلم أوراقا مكتوبة ورسائل فيها ذكر الله ورسوله وأهم المبادئ الإسلامية التي تجري الدعوة بشأنها ؟
وإذا غاظ هذا الكلام أولئك الشعوبيين الذين لا ترضيهم أية فضيلة عربية، فلعل ما سأنقله لهم بعد قليل، سيزيدهم غيظا على غيظ، كتب المؤرخ الإنكليزي القدر هـ. ج. ويلز في كتابه « مختصر تاريخ العالم» فصلين يهماننا في هذا المقام، أحدهما عن محمد والإسلام، والآخر عن أيام العرب الكبرى أو العظمى ويقصد بها عهودهم الزاهرة. قال في الفصل الأول (ص162) : « في سنة 629 عاد محمد إلى مكة سيدا لها. وبعد سنة (8) بعث إلى الخارج رسله إلى هرقل، وتاي- تونك (9) Tai-tsung وقباذ (10) Kavadh وكل حكام الأرض».
أجل، إن كتب محمد عليه السلام ورسله وصلوا حتى عاصمة الصين آلئذ كانتون. وقبل أن نفصل القول في هذه النقطة نذكر ما قاله ويلز في مكان آخر من كتابه ( ص158- 159) عن رسل محمد إلى امبراطور بيزنطة وكسرى فارس قال :
« بينما كان هرقل يستعيد الأمن والنظام في سوريا إذ جاءته رسالة، وأحضرت إلى مركز القيادة الإمبراطوري في بصرى Bosta جنوبي دمشق. كانت مكتوبة بالعربية وهي لغة صحراوية سامية غامضة، وقرأت للإمبراطور- إذ كانت وصلته بالمرة- بوساطة ترجمان. لقد كانت من احدهم الذي دعا نفسه «محمدا نبي الله». طلبت (الرسالة) من الإمبراطور أن يؤمن بالله الحق الواحد وأن يعبده. وما قاله الإمبراطور لم يقع تدوينه (11).
« ورسالة مماثلة وصلت إلى قباذ بعاصمته Ctesiphon  (12). لقد استشاط غضبا ومزق الرسالة وطلب من المبعوث أن ينصرف ... وقال محمد حين درى بتمزيق الرسالة : كذلك اللهم مزق ملك قباذ ».
وفيما يتعلق ببعثة رسول الله الدبلوماسية إلى إمبراطور الصين، نجد ويلز يقول في ص 160 :
« ... إلى هذا العاهل أيضا في سنة 628 وصل رسل محمد (عليه الصلاة والسلام). أتوا كانتون في سفينة تجاريو. لقد قطعوا المسافة كلها عن طريق البحر من بلاد العرب وعبر طول الشواطئ الهندية. وخلافا لما فعله هرقل وقباذ فإن تاي- تسولك أصغى إلى أولئك الرسل متلطفا، وعبر لهم عن عطفه واهتمامه بأفكارهم اللاهوتية، وأسعفهم في بناء مسجد في كانتون، مسجد لا يزال قائما- كما يقال- إلى يومنا هذا. إنه أقدم مسجد في العالم (13)»
فهل بعد هذا البيان بيان؟ تلك الحقيقة واضحة وحجة دامغة أدلى بها هذا العالم الأوربي، وأتينا بها هنا لننبت للذين ما زال في آذانهم وقر، وفي قلوبهم مرنس، أن الدنيا بخير، وأن الإسلام لا يضره من جحده، وأن رسول البشرية جمعاء، فوق مستوى الدساسين الشكاكين، وأن رسالته الخالدة ستظل فذى في عيون حاسديه، وشجى في حلوقهم إلى الأبد.
وفيما يلي أرسم جدولا يبين أهم السفارات النبوية إلى داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها وذلك زيادة في التبيين والإيضاح :

السفراء حاملو الرسائل النبوية

ا الملوك والرؤساء

المرسل إليهم

مكان تسليم خاص الرسائل

أين توجد نصوص الرسائل

ردود فعل مختلفة

دحية بن خليفة الكلبي

هرقل (إمبراطور بيزنطة)

بصرى

السيرة الحلبية، صحيح البخاري. صحيح مسلم. تاريخ الطبري. تاريخ الكامل لابن الأثير. الأغاني. صبح الأعشى. المواهب الندلية للقسطلاني. جمهرة رسائل العرب لأستاذنا أحمد زكي صفوت

استقبال حسن هرقل لم يسلم

عبد الله بن حذافة السهمي

ابرويز بن هرمز (خسرو الثاني) (كسرى فارس)

المدائن

السيرة الحلبية. صبح الأعشى. تاريخ الطبري. الكامل لابن الأثير. إعجاز القرآن للباقلاني - . المواهب اللدنية . جمهرة رسائل العرب.

استقبال سيئ وتمزيق الخطاب النبوي

عمرو بن أمية الضمري

الأصحم بنابجر (نجاشي الحبشة)

أكرم

السيرة الحلبية . تاريخ الطبري. صبح الأغشى. أسد الغابة. إعجاز القرآن. المواهب اللدنية. جمهرة رسائل العرب.

استقبال حسن اسلم النجاشي وأجاب النبي كتابة

 

تاي – تسونك ( إمبراطور الصين )

كانتون

 

حسن استقبال وسماح بتأسيس مسجد في كانتون


السفراء حاملو الرسائل النبوية

ا الملوك والرؤساء

المرسل إليهم

مكان تسليم خاص الرسائل

أين توجد نصوص الرسائل

ردود فعل مختلفة

حاطب بن أبي بلتعة

المقوقس ( جريح بن ميتا) ( حاكم مصر)

الإسكندرية

السيرة الحلبية. صبح الأعشى. خطط المقريزي. حسن المحاضرة. المواهب اللدنية. جمهرة رسائل العرب.

حسن استقبال وبعث كتاب وهدايا للنبي (ص) ، من ضمنها جاريتان.

شجاع بن وهب الأسدي

الحارث السابع ( شرحبيل بن عمرو الغساني) ( ملك دولة غسان)

دمشق

السيرة الحلبية. تاريخ الطبري. المواهب اللدنية. جمهرة رسائل العرب.

سوء استقبال وقتل السفير

العلاء بن الحضرمي

المنذر بن ساوى العبدي التميمي ( ملك البحرين في شرقي جزيرة العرب)

القطيف

صبح الأعشى. كتاب الخراج لأبي يوسف. أسد الغابة. الإصابة. فتوح البلدان للبلاذري. المواهب اللدنية. جمهرة رسائل العرب.

أسلم و أجاب النبي (ص) بكتاب فراسله النبي أيضا.

سليط بن عمرو العامري

هوذة بن علي (ملك اليمامة)

اليمامة

السيرة الحلبية. صبح الأعشى. المواهب اللدنية. جمهرة رسائل العرب.

اشترط لإسلامه أن يشركه النبي في الأمر فرفض (ص)

عمرو بن العاص ( 14)

جيفر بن الجلند الأزدي وأخوه عبد (منكا عمان)

صحار.

السيرة الحلبية.صبح الأعشى. المواهب اللدنية. جمهرة رسائل العرب

مناقشات مع السفير أعقبها اسلام الأخوين


هذا قل من كثر، حيث توجد رسائل أخرى عديدة، كان لها الأثر الطيب في نشر الإسلام، وخاصة في داخل شبه الجزيرة العربية، الأمر الذي يتعذر معه الاستقصاء فلنكثف بالتمثيل، ومن أراد البحث عن المزيد فليرجع إلى المظان، فهناك يجد ما يشفي الغليل.
أسطر هذا وأنا مستحضر في ذهني مدى ما بلغته الجرأة ببعضهم حتى أقدم على الشك ولتشكيك في مكاتبات عليه الصلاة والسلام لملوك الفرس والروم والحبشة، ولم يدر- أو أنه درى وتجاهل- أن النبي صلى الله عليه وسلم كاتب كل حكام الدنيا المعاصرين له : من ذكرنا منهم في هذه العجالة ومن لم نذكرهم. ثم إن هذا البعض لم يدر أو درى وتجاهل أن سيرة محمد بن عبد الله ليست غامضة كسيرة غيره من الرسل، بل هي محفوظة في الصدور وفي الكتب، وستظل محفوظة مدروسة أبد الأبدين.
حاول بعض الكتاب الغربيين أن يشككوا فقط في بعض مراسلات النبي محمد صلى الله عليه وسلم في جميعها، من ذلك مثلا ما يفهم من عبارة ويلز السابقة القائلة عن رسالة هرقل : « إذا كانت وصلته بالمرة». ومثل ما يشير إليه الأستاذ باريخا بقوله : « .. في هذا الظرف (يقصد هدنة صلح الحديبية) تذكر الرواية إرسال محمد بعض رسائله إلى مختلف الملوك العظام داعيا إياهم لاعتناق الإسلام. وربما كان جوهر الحقيقة في هذا الموضوع هو بعض الرسائل السياسية المتبادلة بين محمد وبين حكام الثغر السوري. والأكثر تحقيقا وواقعية- فيما يظهر- هي تلك العلاقات الكائنة بين المقوقس الحاكم البيزنطي للإسكندرية، وبين محمد الذي بعث إليه ذلك ضمن هدايا أخرى جاريتين الجب محمد من أحدهما ابنه إبراهيم الذي توفي عمر غض» (15).
بيد أن الادهى والأمر هو رأي الأستاذ مشرفي المنبث، عربي المنتهى، جامعي المستوى، البتة في كتاب له مطبوع متداول بين الطلبة والمدرسين، لقد حاول هذا الأستاذ إنكار سفارات الرسول إلى الخارج وإنكار كتبه للملوك والحكام في مختلف البلدان. أستغفر الله ! إنه لم يحاول الإنكار فقط، بل أنكر بالفعل، والذي حاوله هو إقامة الحجة على ذلك الإنكار، مدعيا إن مكاتبات الرسول مع حكام الأقطار والإمبراطوريات هي خاضعة لمبادئ التجريح التاريخي. مرحى ! مرحى لهذا الاكتشاف العظيم !
وأهم تلك المبادئ في رأيه الشك والتردد في قبول كل ما فيه أثر لدعاية دينية أو قومية ما لم يقم دليل صريح على ثبوته. برافو يا أستاذ ! إن هذه الحجج التي قدمنا وعشرات غيرها مما لم نقدمه لم يؤلف لديك أي دليل صريح يثبت وقوع المكاتبات لم ما هي الدعاية و Propaganda التي يقصد إليها هذا السيد ؟ هل هذا الدين الإسلامي الذي مر عليه حتى الآن أربعة عشر قرنا من الزمان، واعتنقه مند نشأته إلى اليوم مئات أو آلاف الملايين من الأرواح البشرية قام على مجرد دعاية تحتمل الصدق والكذب إن لم تكن بلت كذب محض؟!
يقول طوماس كارليل في الرد على مثل هذا الشخص : « أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها الملايين الفائقة الحصر والإحصاء كذبة وخدعة ؟ أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدا. ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الزواج، ويصادقان منهم مثل ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا بله ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث وأضلولة .. فلو أسفاه ! ما أسوأ مثل هذا المزعم ! وما أضعف أهله وأحقهم بالرثاء والرحمة !
«وبعد، فعلى من أراد أن يبلغ منزلة ما في علوم الكائنات ألا يصدق شيئا البتة من أقوال أولئك السفهاء، فإنها نتائج جيل كفر، وعصر جحود وإلحاد، وهي دليل على خبث القلوب، وفساد الضمائر، وموت الأرواح في حياة الأبدان. ولعل العالم لم ير قط رأيا أكثر من هــــــــذا والأم» (16).
ثم يدعم الأستاذ الجامعي رأيه بل شكه وجحوده بان النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة- وهي تاريخ بعث هذه الكتب- لم يكن من القوة الحربية بحيث يخضع قبائل العرب القريبة، فكيف يعقل أن يهتم بإخضاع كبار الملوك يومئذ وهو لا حول حربيا له ولا طول.
هنا أسأل الأستاذ هل ينبغي لأصحاب الرسالات العظمى في التاريخ البشري ألا يقوموا بأي عمل- ولو كان سلميا مثل بعث الرسل والكتب- حتى يكونوا أقوياء، لهم حول حربي وطول ؟ يا لخيبة الحق ! لقد ضاع إذن، وضاع أصحابه وطلابه بمقتضى هذا المنطق الأعوج ؟
ألا يدري سيادة الأستاذ وهو الحاذق المؤرخ للأدب العربي وللأحداث الأدبية العربية في كل العصور بما فيها العصر الحديث، أن بعض الناس- رغم ضعفهم- خاطبوا أقوى الأقوياء في عصرهم ودعوهم للإسلام؟ ألا يذكر جناب الأستاذ أيام الحرب العالمية الثانية 39- 1945 سطوة هتلر واستيلاءه على كل دول أوربا وشعوبها إلا من رحم ربي، ومع ذلك تجرأ أحد زعماء مصر، أضعف زعماء مصر حينئذ ونقصد به الشاب الخطيب المصقع الأستاذ احمد حسين زعيم حرب « مصر الفتاة» تجرأ فكتب إلى هتلر ودعاه إلى اعتناق الإسلام ؟ هلا انتظر أحمد حسين حتى يقوى حزبه وتكون له الأغلبية المطلقة في البرلمان المصري، أو حتى تسود مصر العالم، حينئذ يبعث رسالته إلى هتلر يدعوه فيها للإسلام ؟
أن القوي يا أستاذ لا يحتاج إلى بعث رسائل أو سفارات يدعو فيها بالتي هي أحسن، إلى التي هي أحسن، بل يتخذ سلاحه القوة الجارفة، والجيش العرموم، والهجوم الخاطف، ليمكن لسطوته في الأرض، وليخضع العالم لقوته وجبروته سياسيا وعسكريا واقتصاديا.
إنك يا أستاذ إذا قدر لك أن تقرأ هذا المقال، أو قدر لك أن ترجع إلى أحداث الماضي السحيق، عرفت أن الرسول عليه السلام حينما اتخذ هذه الخطوة السليمة وبعث برسله وكتبه داعيا إلى عبادة الواحد الأحد، كان احكم الحكماء، وأعظم الرسل تدبيرا وبصيرة. إنه فعل ذلك حينما عقد صلح الحديبية، أي حينما هادن قريشا وهادنته، وأمنت جانبه، وأمن هو جانبها ولو إلى حد محدود. أجل، حينما يهدأ صليل السيوف، ينبغي أن يدوي صرير الأقلام. ما أعظمها من حكمة صدرت عن محمد ابن عبد الله ربيب الصحراء، وتلميذ رب العالمين !
وقد فعل ذلك أيضا بعد أن ثم له فتح مكة، مسقط رأسه، وعاصمة خصومه وأعدائه الألداء، وإذا سقطت العاصمة، سقط معها كل خصومه أو عداء. وإذا ثم إخضاع شبه الجزيرة العربية حكما أو فعلا، فإن البشير النذير الذي أرسل إلى الناس كافة لا يمكن أن يرتاح للنتيجة الجزئية، وينام عن تأدية الرسالة، بل لابد أن ينظر بعيد، وأن يتصل بحكام العالم، ويعرض عليهم رسالة ربه، ويؤدي إليهم أمانته، وما على الرسول إلا البلاغ.
وليسمح لي الأستاذ بعد كل هذا أن أهمس في أذنه بعض الحقائق :
1- أن الدعوة المحمدية لم تكن من قبيل الدعاية المغرضة التي يقصد بها ترويج مذهب أو مبدأ ولو كان فاسدا، وإنما كانت الدعوة المحمدية بجانبها السلمي والحربي- أداء للأمانة، وقياما بواجب  إلهي مقدس.
2- إن بعث محمد صلى الله عليه وسلم للسفارات والرسائل للملوك بعد مهادنة قريش وبعد فتح مكة كان عملا سياسيا رائعا، ودبلوماسية رشيدة حكيمة، وكان في الوقت ذاته تبليغا للرسالة السماوية فلقد أرسل محمد للناس كافة.
3- أن أسهل شيء الهدم وأصعب شيء البناء، وإن الشك والتشكيك الذي احترفه بعض أدباء الغرب منقادين لأهواء بعض المستشرقين، يعتبر من اخطر معاول الهدم، وإننا إذا سمحنا لأنفسنا بالشك في كل شيء وبغير حق، ولم يبقى لنا شيء على الإطلاق. قد يقبل الشك إذا كان وسيلة لغاية هي الوصول إلى الحقيقة، إما أن يتخذ الشك غاية في حد ذاته، فضرره حينئذ اكبر من نفعه، ولا اعتقد أن له نفعا في هذه الحالة.
4- أن الذي يشكك في كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الملوك والرؤساء، يشكك في أحاديثه وأقواله وأفعاله التي تبتت بأكثر من دليل قطعي وبالتالي يمكنه أن يشكك في أية حقيقة بديهية كوجود المسيح مثلا.
5- وهمسة أخيرة في أذن الأستاذ تتلخص في أن محاولة إنكار مكاتبات الرسول عليه الصلاة والسلام للملوك والرؤساء هي محاولة في نفس الوقت لإنكار وجود النثر الفني العربي في العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام. وهنا نصرخ في أذن الأستاذ وآذان أمثاله لنقول لهم أن محاولتهم فاشلة، وإدعاءهم محض افتراء. فعربية العربي فطرة وسليقة، وبديهة والارتجال، وقدرة عجيبة على الفصاحة والبيان. وأن فيما وصلنا- على قلته- من خطب وكتب العصر الإسلامي، ومن الآثار الأدبية للعصر الجاهلي، دليلا أي دليل على وجود النثر الفتي العربي بخصائصه ومميزاته التي يمتاز بها عن غيره.
أما بعد، فإن للمحترم الأستاذ أنيس المقدسي أستاذ الأدب العربي بالجامعة الأمريكية في بيروت –عفا الله عنه- كتابا أسماه : « تطور الأساليب النثرية في الأدب العربي» نرجو- إذا ما عزم على إعادة طبعه- أن يعيد النظر في صفحتيه الثالثة والثلاثين والرابعة والثلاثين بالحذف أو التعديل، وإلا فإنه سيظل يسيء إلى الحقيقة، وإلى ملايين المسلمين في مختلف الأقطار والاعصار.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here