islamaumaroc

السلطان نور الدين زنكي السلجوقي -7-

  دعوة الحق

العددان 138 و139

- سنة إحدى وأربعين -
فيها احترق القصر الذي كان قد بناه المسترشد، وكان في نهاية الحسن، وكان الخليفة المقتفى قد انتقل إليه بجواريه وخطاياه ليقيم به ثلاثة أيام، فما هو إلا أن ناموا واحترق عليهم القصر، بسبب جارية أخذت في يدها شمعة، فعلق لهبها ببعض الأخشاب، فاحترق القصر، وسلم الله الخليفة وأهله، فأصبح وتصدق بأشياء كثيرة، وأطلق المحابيس.
وفيها جلس ابن العبادي الواعظ، فتكلم والسلطان مسعود حاضر، وكان قد وضع على الناس مكسا في البيع فاحشا، فقال يا سلطان العالم، أنت تطلق في بعض الأحيان للمغنى إذا طربت، قريبا مما وضعت على المسلمين من هذا المكس، فهبني مغنيا وقد طربت، فهبني هذا المكس شكرا لنعمة الله عليك، وأسقطه عن الناس، فأشار السلطان بيده : إني قد فعلت، فضج الناس بالدعاء له، ونؤدي في البلد بإسقاطه. ففرح الناس، ولله الحمد والمنة.
وفيها قتل الأتابك عماد الدين زنكي بن آق سنقر، وكان حسن الصورة، أسمر، مليح العينين، طويل القامة، وليس بالطويل اليائن.
وكانت سيرته من أحسن سير الملوك، وكان من أكثرها حزما وضبطا للأمور، وكانت رعيته في أمن شامل يعجز القوي عن التعدي على الضعيف.
قال ابن الأثير : حدثني والدي قال : قدم الشهيد أتابك زنكي إلينا بجزيرة ابن عمر في بعض السنين، وكان زمن الشتاء، فنزل بالقلعة، ونزل العسكر بالخيام، وكان في جملة امرأته عز الدين أبو بكر الدبيسي، وهو من أكبر أمرائه، ومن ذوي الرأي عنده، فدخل الدبيسي البلد، ونزل بدار إنسان يهودي، وأخرجه منها، فاستغاث اليهودي إلى زنكي وهو راكب، فسأل عن حاله، فأخبر به، وكان الدبيسي واقفا إلى جانب زنكي وليس فوقه أحد. فلما سمع الأتابك ذلك الخبر نظر إلى الدبيسي نظر مغضب، ولم يكلمه كلمة واحدة، فتأخر القهقري، ودخل البلد، فأخرج خيامه وأمر بنصبها، ولم تكن الأرض تحتمل وضع الخيام عليها، لكثرة الوحل، فجعل الفراشون التين على الأرض حتى نصبوا الخيام، وخرج إليه من ساعته.
قال : وكان ينهي أصحابه عن اقتناء الأملاك. ويقول : مهما كانت البلاد لنا، فأي حاجة لكم في الأملاك، فإن الإقطاعيات تغني عنها. وإن خرجت البلاد عن أيدينا، فإن الأملاك تذهب معها، ومتى صارت أملاك لأصحاب السلطان ظلموا الرعية، وتعدوا عليهم، وغضبوا أملاكهم.
وفيها لما قتل زنكي سار أسد الدين شيركوه من ساعته، وقصد خيمة نور الدين، وقال له : أنا أعلم أن الوزير جمال الدين أخذ عسكر الموصل، وعزم على تقديم أخيك سيف الدين غازي وقصده الموصل، وقد رأيت أن أصبرك إلى حلب، وتجعلها كرسي مملكتك، وتجتمع في خدمتك عساكر الشام، ثم أخذه وسار في خدمته إلى حلب، وسلمه قلعتها.
وفيها سار مجبر الدين صاحب دمشق في عسكر إلى بعلبك، وحاصرها وبها نائب زنكي نجم الدين أيوب والد السلطان صلاح الدين فسلمها صلحا له، وأخذ منه مالا، وملكه قرابا من أعمال دمشق، وانتقل نجم الدين إلى دمشق، وأقام بها. ولما بلغ ذلك نور الدين خاف أن يفسد عليه أسد الدين، ويميل إلى صاحب دمشق، لحصول أخيه نجم الدين عنده، ومال نور الدين إلى مجبر الدين أبي بكر ابن الداية حتى ولاه جميع أموره. وجميع مملكته، فشق ذلك على أسد الدين.
وفيها حاضر عبد المؤمن مراكش، وكان بها إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين، فاستمر أحد عشر شهرا، ثم أخذها عنوة، فذكر أنه مات من أهلها- أيام الحصار بالجوع- ما ينيف عن عشرين ومائة ألف. ولما دخلها عبد المؤمن ضرب عنق اسحاق المذكور في عدة من القواد، وقتل في ذلك اليوم ما ينيف على سبعين ألف رجل. كذا نقله الذهبي في تاريخ الإسلام عن اليسع بن حزم في هذه السنة.
وذكر الكتبي في تاريخه في السنة التي بعدها أن عبد المومن استولى على مراكش بالسيف، وقتل من بها من المقاتلة، ولم يتعرض للرعية، وأحضر اليهود والنصارى، وقال لهم : أنتم تزعمون أن بعد الخمسمائة عام يظهر من يعضد شريعتكم، وقد انقضت المدة، وأنا أخيركم بين ثلاث : إما أن تسلموا، وأن تلحقوا بدار الحرب، وإما أن أضرب رقابكم. فأسلمت منهم طائفة، ولحقت بدار الحرب أخرى، وأخرب الكنائس والبيع، وردها مساجد، وأبطل الجزية، وفعل ذلك في جميع ولايته، ثم فرق بيت المال وكنسه ورشه، وصلى فيه، وأمر الناس بالدخول إليه والصلاة فيه، كما فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقصد حسن السيرة ليعلم الناس أنه لا يؤثر جمع المال، ولا يدخر شيئا. ثم أقام معالم الإسلام والحدود على الوجه الشرعي مع السياسة الكاملة، وقال : من ترك الصلاة ثلاثة أيام فأقتلوه، وشدد في الأمور، ولم يدع منكرا إلا أزاله، وكان يصلي بالناس الصلوات الخمس، ويقرأ في كل يوم سبعا من القرآن بعد صلاة الصبح، ويلبس الصوف، ويصوم الاثنين والخميس.
وفيها وردت الأخبار بأن ابن جوسلين جمع الفرنج من كل ناحية، وقصد مدينة الرها على غفلة بموافقة من النصارى المقيمين فيها، فدخلها، واستولى عليها، وقتل من فيها من المسلمين، فنهض نور الدين في عسكره ومن انضم إليه من التركمان وغيرهم في زهاء عشرة آلاف فارس، ووقفت الدواب في الطرقات من شدة السير، ووافوا البلد وقد حصل ابن جوسلين وأصحابه فيه، فهجموا عليهم، ووقع السيف فيهم، وقتل من أرض الرها والنصارى من قتل، وانهزم ابن جوسلين نفسه، ومحق السيف كل من ظفر به من النصارى بالرها، واستخلص من كان أسر فيه من المسلمين، ونهب من الرها شيء كثير من المال والأثاث والسبى. وفي هذه المرة نهبت وخربت، وخلت من أهلها، ولم يبق بها إلا القليل.
قال ابن الأثير: ومن عجيب ما جرى أن نور الدين قد أرسل من غنائمها إلى الأمراء، وأرسل إلى زين الدين على جملة من الجواري، فحملن إلى داره ودخل لينظر إليهن، فخرج وقد اغتسل وهو يضحك، فسئل عن ذلك، فقال : لما فتحنا الرها مع زنكي كان في جملة ما غنمت جارية، فمالت نفسي إليها، فعزمت أن أبيت معها، فسمعت منادي الشهيد وهو يأمر بإعادة السبى والغنائم، وكان مهيبا مخوفا، فلم أجسر على اتيانها، وأطلقتها، فلما كان الآن أرسل إلي نور الدين سهمي من الغنيمة وفيه تلك الجارية، فوطئتها خوفا من العود.
وفيها ترددت المراسلات بين نور الدين وبين معين الدين أثر، إلى أن استقرت الحال بينهما على أجمل صفة، وأحسن قضية. وتزوج نور الدين بابنة معين الدين، وجهزت إليه إلى حلب.
وفيها قل المطر جدا، وقلت مياه الأمطار، وانتشرت جراد عظيم، وأصاب داء في حلوقهم، فمات بذلك خلق كثير.

- سنة اثنيـن وأربعيـن-
فيها سار نور الدين محمود ففتح ارتاج وهي بقرب حلب،  وأخذ ثلاث حصون صغار للفرنج، فهابته الفرنج، وعرفوا أنه كبش نطاح مثل أبيه.
وفيها أظلم الجو، ونزل غيث ساكب، ثم أظلمت الأرض في وقت العصر ظلاما شددا، وبقيت السماء في عين الناظر إليها كصفرة الورس، وكذلك الجبال وأشجار الغوطة، وكل ما ينظر إليه من حيوان وجماد ونبات، ثم جاء في أثر ذلك من الرعد العاصف، والبرق الخاطف، والهدات المزعجة، والرجفات المقرعة ما ارتاع لها الناس، وبقي الأمر على هذا الحال إلى وقت العشاء الآخرة، ثم سكن بقدرة الله تعالى، وأصبح على الأرض والأشجار وسائر النبات غبار بين البياض والغبرة. قلت : وقد شاهدت بالقاهرة في سنة ست وعشرين وثمانمائة مثل هذا، غير أنه لم ينزل مطر، ولم يحصل رعد ولا برق، وإنما حصلت ظلمة، واحمرت السماء، وتغير الجو تغيرا كثيرا، وظهرت رائحة مثل رائحة الحريق، وحصل للناس من ذلك خوف، وتضرعوا إلى الله تعالى بالدعاء، واستمر هذا من بعد العصر إلى الليل، ثم أصبح على رخام المدارس والبلاط تراب أصفر، ذكر بعض الناس أنه من تراب برقة (ليبيا) من بلاد المغرب.
وفيها ولد ببعلبك الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب، وقيل في سنة فتح زنكي للرها.
وفيها اشتد الغلاء بافريقية، فهلك بسببه أكثر الناس، حتى خلت المنازل، وأقفرت المعاقل.
وفيها رأى رجل في المنام- في شهر صفر- قائلا يقول : من زار أحمد بن حنبل غفر له. قال ابن الجوزي : فلم يبق من خاص ولا عام إلا زاره. قال : وعقدت يومئذ ثم مجلسا، فاجتمع إليه ألوف من الناس.

- سنة ثلاث وأربعيـن -
فيهـا نزل الفرنج على دمشق، خرج ملك الألمان في جيوش لا تحصى، فاجتمع إليه ملوك الفرنج التي بالساحل، واجتمعوا في البيت المقدس، وصلوا صلاة الموت، وعادوا إلى عكا، وفرقوا في العساكر سبعمائة ألف دينار، ولم يظهروا أنهم يريدون دمشق، بل وروا بثغرها، وهرب المسلمون بين أيديهم، وجمعوا الغلال والإتيان فأحرقوها. وكان صاحب دمشق مجير الدين آبق بم محمد بن بوري بن طغتكين، ومدبر الأمور معين الدين أثر والأمر كله له، ليس لمجبر الدين منه شيء. فلما كان سادس ربيع الأول لم يشعر أهل دمشق إلا وملك الألمان قد خيم على المزة، وزحف على البلد بخيله ورجله، وكان معه نحو ستين ألف راجل، وعشرة آلاف فارس، وخرج إليهم معين الدين ومجير الدين في مائة ألف راجل سوى الفرسان في يوم السبت سادس ربيع الأول، وتقاتلوا قتالا شديدا، واستشهد من المسلمين في هذا اليوم نحو مائتين، منهم الفقيه الإمام يوسف الفندلاوي شيخ المالكية عند التيرب قرب الربوة، وكذلك الزاهد عبد الرحمن الخلخولي قتلا في مكان واحد، وكان معين الدين قد رأى الشيخ يوسف، وقال أنه : يا شيخ أنت معذور، ونحن تكفيك، وليس بك قوة على القتال. فقال : قد بعث واشترى، فلا تقبله، ولا نستقبله، يعني قوله تعالى : « إن الله اشترى من المومنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ... الآية». واستظهر الكفار على المسلمين، وشرع الكفار في قطع الأشجار والتحصن بها وهدوا القطائر، وباتوا تلك الليلة على هذه الحال. وقد لحق الناس من الارتياع لهول ما شاهدوه، والروع بما عاينوه ما ضعفت به القلوب، وخرجت معه الصدور، وباكروا الظهور إليهم في غد ذلك اليوم وهو الأحد، وزحفوا إليهم، ووقع الطراد بينهم، واستظهر المسلمون عليهم، وأظهروا القتل والجراح فيهم، وأبلى الأمير معين الدين في حربهم بلاء حسنا فظهرت من شجاعته وصبره ما لم يشاهد في غيره، وقتل من الفرنج خلائق، واستشهد جماعة، ولم تزل رحى الحرب دائرة بينهم إلى أن أقبل الليل، وعاد كل واحد منهم إلى مكانه، وبات الجند بإزائهم، وأهل البلد على أسوارهم. ثم أن الفرنج تقدموا وخيموا بالميدان الأخضر، وضايقوا البلد حتى نزلوا على أبوابه. وكان أثر قد كاتب سيف الدين غازي ونور الدين ابني زنكي. فلما كان في اليوم الخامس وصل سيف الدين غازي في عشرين ألفا. فأرسل غازي يقول لمعين الدين : قد حضرت بجند عظيم، ولم أترك ببلادي من يحمل السلاح، فإن أنا جئت ولقيت الفرنج وكانت علينا الهزيمة، وليست دمشق لي ، ولا لي بها نائب لم يسلم منا احد، وأخذت الفرنج دمشق وغيرها. فإن أحببت أن أقاتلهم فسلم البلد إلى من أثق به، وأنا- وأحلف لك إن كان النصر لنا- لا أدخل دمشق، وأرجع إلى بلادي، فمطله معين الدين، وبعث إلى الفرنج الغرباء يقول لهم : أن ملك الشرق قد حضر. فإن رحلتم وإلا سلمت دمشق إليه، وحينئذ تندمون، وأرسل إلى فرنج الشام يقول لهم : بأي عقل تساعدون هؤلاء الغرباء علينا وأنتم تعلمون أنهم إن ملكوا أخذوا ما بأيديكم من البلاد الساحلية، وأنا إذا رأيت الضعف عن حفظ البلد سلمته إلى ابن زنكي، وأنتم تعلمون أنه إن ملك لا يبقى لكم معه مقام بالشام، فأجابوه إلى التخلي عن مالك الألمان، وبذل لهم حصن بانياس. فاجتمعوا بملك الألمان، وخوفوه من عساكر الشرق، وحسنوا له الرحيل، وكان زمان الفاكهة، فأكل الفرنج منها، فانحلت أجوافهم، ومات منهم خلق كثير، ومرض الباقون. ولما ضاق بأهل دمشق الحال أخرجوا الأموال والصدقات على قدر أحوالهم، واجتمع الناس في الجامع الرجال والنساء والصبيان، ونشروا مصحف عثمان رضي الله عنه، وحثوا الرماد على رؤوسهم، وبكوا وتضرعوا إلى الله، فاستجاب الله تعالى لهم، وكان مع الملك الألمان قسيس كبير طويل اللحية، يقتدون به يسمى اليأس، فأصبح في اليوم العاشر من نزولهم على دمشق فركب حماره، وعلق في عنقه صليبا، وفي يده صليبين، وجمع القساوسة بين يديه بالصلبان، وركب الملوك والخيالة والرجالة، ولم يتخلف من الفرنج أحد إلا من يحفظ الخيام، وقال لهم القسيس: قد وعدني المسيح إني أفتح اليوم دمشق، ولا يردني أحد، وقصدوا البلد، وغاروا على للإسلام، وحملوا حملة رجل واحد، وكان يوما لم ير في الجاهلية والإسلام مثله. وقصد واحد من أحداث دمشق القسيس- لعنة الله عليه، وهو في أول القوم- فضربه، فأبان رأسه عن بدنه، وقتل حماره، فانهزم الفرنج لعنهم الله، وقتل منهم أكثر من عشرة آلاف، وأحرقوا الصلبان وتبعوهم إلى الخيام، وحال بينهم الليل، فأصبحوا وقد رحلوا، ولم يبق لهم أثر، وبعثوا إلى معين الدين يطلبون منه باليأس، فقال : أنا وعدتكم إذا رحلتم، وهذا فعل الله تعالى، فقالوا :فنحن نعود إلى دمشق، ونقيم عليها، ولا نرحل حتى نأخذها، وكانوا قد أحرقوا الربوة، وهدوا الجواسق، وقطعوا الأشجار، ودرسوا ظاهر دمشق، وقالوا نقيم عليها. فرأى معين الدين أن يفتدي دمشق بيانياس، فأعطاهم إياها، وبقيت في أيديهم حتى فتحها نورالدين، وعاد سيف الدين غازي إلى بلاده، واستبشر الناس بهذه النعمة التي أسبغها الله عليهم، وأكثروا من الشكر له تعالى على ما أولاهم. وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر- رحمه الله- في تاريخه أن الفقيه الفندلاوي رؤي في المنام، فقيل له : أين أنت ؟ قال في جنات عدن، على سرر متقابلين. وقبره الآن يزار بمقابر الباب الصغير من ناحية حائط المصلى، وعليه بلاطة كبيرة منقورة، فيها شرح حاله. قاله ابن الأثير.
وفيها وردت الأخبار في رجب من ناحية حلب بأن نور الدين صاحبها كان قد توجه في عسكره إلى ناحية الأعمال الفرنجية، وقصد إقامية، وظفر بعدة من المعاقل والحصون الأفرنجية، وبعدة وافرة من الفرنج، وأن صاحب الطاكية جمع الفرنج، وقصده على حين غفلة منه، فنال من عساكره وأثقاله، وانهزم بنفسه وعسكره، وعاد إلى حلب سالما في عسكره، لم يفقد منه إلا النفر اليسير بعد قتل جماعة وافرة من الفرنج، وذكر ابن أبي طي أن أسد الدين لما كان في نفسه على نور الدين لتقديم ابن الداية عليه لم ينصح يومئذ، ومر به نور الدين فقال له : ما هذا الوقوف والغفلة في مثل هذا الوقت والمسلمون قد انكسروا ؟! فقال : يا خولد ايش ننفع نحن ؟؟ إنما ينفع مجد الدين أبو بكر، فهو صاحب الأمر، فاستدرك نور الدين بعد ذلك، وطيب قلب أسد الدين، وألزم مجد الدين أن يعرف لأسد الدين حقه، وأصلح بينهما، قال : وقتل في هذه الكسرة شاهنشاه بن أيوب أخو الملك الناصر صلاح الدين، وهو والد عز الدين فرخشاه، وتقي الدين عمر، وألست عذراء المنسوب إليها المدرسة العذراوية، وقبره بالتربة النجمية جوار المدرسة الحسامية بمقبرة العونية ظاهر دمشق.
وفيها أبطل نور الدين من حلب الأذن بحي على خير العمل، والتظاهر بسب الصحابة، وأنكر
ذلك إنكار شديدا، وساعده على ذلك جماعة من أهل السنة. وعظم هذا الأمر على الإسماعيلية وأهل التشيع، وضاقت له صدورهم، وهاجوا وماجوا، ثم سكنوا وأحجموا، للخوف من السطوة الثورية المشهور، والهيبة المخدورة.

- سنة أربع وأربعين -
فيها جمع الفرنج من الساحل ليقصدوا بلد حلب، فسار إليهم نور الدين بعساكره، وجمع كثيرا من التركمان، وكتب إلى معين الدين أثر يستنجده، فبعث إليه الأمير مجاهد الدين بزان بن مامين نائب صرخد في عساكر دمشق، وجاءته عساكر أخيه سيف الدين، وسار إلى الطاكية، فخرج إليه البرنس، وكانت بينهم وقعة عظيمة، وكسرهم نور الدين، وقتل منهم ألفا وخمسمائة، وأسر مثلهم، وقتل البرنس، وكان هذا اللعين من أبطال الفرنج المشهورين بالفروسية وشدة البأس. مع اشتهار الهيبة، وكثرة السطوة، والتناهي في الشر. فأراح الله البلاد، وكفى العباد منه، وحمل رأسه إلى نور الدين، وعاد إلى حلب بالغنائم العظيمة والأسارى، فبعث بعضها إلى أخيه، وإلى الخليفة، وإلى دمشق، وذل دين الصليب، وظهر من نور الدين في هذه الوقعة من الشجاعة والصبر في الحرب على حداثة سنه ما تعجب منه الناس.
وفيها فتح نور الدين حصن إقامية، وكان على أهل حماة وحمص منه ضرر عظيم، وكانوا يشنون منه الغارات على البلاد، وكان بينه وبين حماة مرحلة واحدة، وهي حصن منيع على تل مرتفع عال، ومن أحسن القلاع وأمنعها.
وفيها جاءت زلزلة عظيمة، وماجت بغداد نحو عشر مرات، وتقطع بحلوان جبل من الزلزلة، وهلك عالم من التركمان.
وفيها مات خلق كثير بالبرسام، ولا يتكلم المرضى به حتى يموتوا.
وفيها توفى سيف الدين غازي بن زنكي صاحب الموصل، وكان عمره أربعا وأربعين سنة، وكان من أحسن الناس صورة، ودفن بالمدرسة التي أنشأها بباطن الموصل، وخلف ولدا ذكرا أخذه عمه نور الدين محمود، فرباه وأحسن إليه، فلم تطل أيامه، ومات شابا ولم يعقب. وكان سيف الدين كريما شجاعا إذا عزم وحزم، وهو أول من حمل على رأسه سنجق من الأتابكية أصحاب الأطراف، فإنه لم يكن فيهم من يفعله لأجل السلاطين السلجوقية. وهو أول من أمر عسكره إلا يركب أحدهم إلا والسيف في وسطه، فلما أمر هو بذلك اقتدى به غيره من أصحاب الأطراف. ودفن بمدرسة الأتابكية التي بناها، ووقفها على الحنفية والشافعية بالموصل، وبنى بها أيضا خانقاه للصوفية، وتملك بعده الموصل أخوه قطب الدين مردود، وتزوج امرأة أخيه الذي مات ولم يدخل بها، وهي ابنة حسام الدين غرتاش صاحب ماردين، فولدت لقطب الدين أولاده الذين ملكوا بعده.
قال ابن الآثير : وكانت هذه الخاتون يحل لها أن تضع خمارها عند خمسة عشر ملكا من آبائها وأجدادها وإخوتها وبني إخوتها وأزواجها وأولادها وأولاد أولادها، ثم ذكرهم ابن الأثير في كتابه، وسماهم، وذكر أنها أشبهت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوج عمر بن عبد العزيز، فإنه كان لها أن تضع خمارها عند ثلاثة عشر خليفة، وهم : معاوية رضي الله عنه إلى آخر خلفاء بني أمية سوى آخرهم وهو مروان بن محمد فإنه ابن عم لها ليس لها بمحرم، والباقي محارم لها.
قال صاحب الروضتين : وما تم له ذلك إلا بعد ذكره أن أمها عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فمعاوية جد أمها، ويزيد جدها لأمها، ومعاوية بن يزيد خالها، ومروان جدها لأبيها، وعبد الملك أبوها، والوليد وسليمان وهشام ويزيد إخوتها، وعمر بن عبد العزيز زوجها، والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد أولاد إخوتها، وهؤلاء كلهم خلفاء، فاختل ما ذكره. والصواب في ذلك أن يقال : كان لفاطمة أن تضع خمارها عند عشرة من الخلفاء، وهم مروان بن الحكم ونسله سوى مروان بن محمد. وأما عاتكة فالجميع محارم لها سوى عمر بن عبد العزيز، ومروان بن محمد. بقي اثنا عشرة خليفة : معاوية جدها، ويزيد أبوها، ومعاوية ابن يزيد أخوها، ومروان حموها، وعبد الملك زوجها، والوليد وسليمان وهشام أولاد زوجها، ويزيد بن
عبد الملك ابنها، والوليد بن يزيد ابن ابنها، ويزيد ابن الوليد وإبراهيم بن الوليد إبنا ابن زوجها، وما ذكره ابن الأثير من أمر بنت حسام الدين فست الشام بنت أيوب أكثر منها محارم من الملوك، يجتمع لها من ذلك أكثر من ثلاثين ملكا من إخوتها الأربعة : المعظم، وصلاح الدين، والعادل، وسيف الإسلام، ومن أولادهم وأولاد أولادهم وأولاد أخيها الأكبر شاهنشاه بن أيوب تقي الدين عمر وذريته أصحاب حماه، وفرخشاه وابنه الأمجد صاحب بعلبك. انتهى كلام الروضتين.
قال ابن الأثير : ولما ملك قطب الدين الموصل والبلاد الجزيرية كان أخوه نور الدين بحلب، وهو أكبر من قطب الدين، فكاتبه بعض الأمراء، وطلبوه إليه، فسار نور الدين من حلب في سبعين فارسا من أكابر دولته، منهم أسد الدين شيركوه، ومجد الدين بن الدابة، فسلم إليه محمد بن المقدم سنجار. فلما سمع قطب الدين الخبر جمع عساكره وأرسلوا إلى نور الدين ينكرون عليه إقدامه وأحده ما ليس له، ويهددونه بقصده وإخراجه من البلاد قهرا إن لم يرجع اختيارا. فأعاد الجواب : إنني أنا الأكبر، وأنا أحق أن أدبر أمر أخي منكم، وما جئت حتى كاتبني أمراؤكم، ويذكرون كراهيتهم لكم، فخفت أن يحملهم بغضهم لكم على إخراج البلاد من أيدينا، وإما تهددكم إياي بالقتال فأنا ما أقاتلكم إلا بجندكم، ولهذا جئتكم مجردا، وهرب إليه جماعة من أجنادهم، فخافوا أن يلقوه لئلا يؤلب عليهم باقي العسكر، فدخل الأمراء في الصلح، وقال جمال الدين الوزير : نحن نظهر للسلطان والخليفة إننا تبع نور الدين، ونور الدين يظهر للفرنج أنه تبع لنا، ويهددهم بنا، فمتى كاشفناه حاربناه، فإن ظفر بنا طمع فينا السلطان، وإن ظفرنا به طمع فيه الفرنج، ولنا بالشام حمص وقد صار له عندنا سنجار، وهذه أنفع لنا من تلك، وتلك أنفع له من هذه، والرأي أن نسلم إليه حمص وتأخذ سنجار، وهو في ثغر بإزاء الفرنج، وتتعين مساعدته. فاتفق الجماعة على هذا الرأي، وسار جمال الدين الوزير إلى نور الدين، وأبرم معه الأمر، وتسلم حمص، وسلم سنجار إلى أخيه، وعاد نور الدين وأخذ ما كان بسنجار من الأموال، واتفقت كلمتهم، واتحدت آراؤهم، وكل واحد منهما لا يصدر إلا عن أمر أخيه.
وفيها اتصل الخبر بنور الدين بإفساد الفرنج في الأعمال الحورانية بالنهب والسلب والسبي، وأن الأرض أجدبت لإنحباس الغيث، وترحل الفلاحون، فجاء نور الدين بجيشه إلى بعلبك ليوقع بالفرنج، فاتفق عند وصوله إلى بعلبك نزول الغيث، واستمر من يوم الثلاثاء إلى مثله، فجرت الأودية، وزادت الأنهار، وامتلأت برك حوران، فجد الناي بالدعاء وقالوا : هذا ببركته وحسن نيته وسيرته، ثم نزل بجسر الخشب المعروف بمنازل العساكر، وراسل مجير الدين الرئيس مؤيد الدين ابن الصوفي يقول : إنني ما قصدت بنزولي هنا طلبا لمحاربتكم، وإنما دعاني إلا هذا الأمر كثرة شكاية أهل حوران بأن الفلاحين أخذت أموالهم، وسبيت نساؤهم وأطفالهم بيد الفرنج، وعدم الناصر لهم، ولا يسعني مع ما أعطاني الله تعالى- ولله الحمد- من الامتداد على نصرة المسلمين، وجهاد المشركين، وكثرة المال والرجال إن أقعد عنهم ولا انتصر لهم، مع معرفتي بعجزكم عن حفظ أعمالكم، والذب عنها، والتقصير الذي دعاكم إلا الاستصراخ بالفرنج على محاربتي، وبذلكم لهم أموال الضعفاء والمساكين من الرعية ظلما لهم، وتعديا عليهم، وهذا ما لا يرضي الله، ولا أحدا من المسلمين، ولابد من المعونة بألف قارس، تجرد مع من يوثق بشجاعته من المقدمين لتخليص ثغر عقلان وغزة، فكان الجواب : ليس بيننا وبينك إلا السيف، فكثر تعجب نور الدين، وأنكر هذا، وعزم على الزحف إلى البلد، فجاءت أمطار عظيمة منعته من ذلك.
وفيها مات صاحب مصر الحافظ لدين الله عبد المجيد بن أبي القاسم بن المستنصر، وقام بالأمر بعده ولده الظافر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here