islamaumaroc

جوانب من السيرة…لا إله إلا الله [سبق نشره في العدد الخامس !]

  دعوة الحق

العددان 138 و139

قدمنا في حديث سابق كلمة حول عقيدة التوحيد ودعوة رسول الله (ص) إليها وبعض الآيات عن كتاب الله العزيز التي تدعو الناس إلى التدبر والتفكر والبحث لأجل التوصل إلى الاستدلال بمخلوقات الله على عظمته حتى يكون التأمل في مصنوعاته خير قائد ودافع لمن يستعمل عقله إلى الإيمان بالله كما ينبغي، عن دليل قاطع وبرهان ساطع، لا يترك في النفس محلا للشك والتردد في الإيمان بخالق الأكوان سبحانه، ولكن المقام عظيم لأنه مشكل الساعة، خصوصا بعد ظهور الوجودية المادية والمنكرين صراحة لوجود الله، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، فاحتاج المقام إلى مزيد من العناية حيث كثرت شكوى المربين من الانحراف عن الجادة، وخصوصا من رجال الكهنوت الذين نفروا الناس بسلوكهم من الأديان جملة وتفصيلا. وقد لاحظ مؤلف كتاب « أميل القرن التاسع عشر» وقاحة أحداث الدكاترة في شأن المباحث الدينية مثل ملاحظته على رجال الكنيسة، فسجل في المكتوب السادس الخاص بالتربية الدينية والفلسفية بعد حضه على النظر والبحث ما يأتي: إن من يرفض المذاهب الدينية أو الحكمية على غير علم بها كمثل من يقبلها بدون بحث فيها ولا نظر، كلاهما مناقض لنفسه غير مسدد في رأيه، ولا شيء في الحقيقة أدعى إلى الضحك من وقاحة أحداث الدكاترة الذين يجاهرون بأن المباحث النظرية التي ارتاض بها أمثال ديكارت واسبينوزا وباسكال وهيجل ليست خليقة بالتفافهم وميلهم، فللجهلة الأغبياء منهم كلمة يطنطنون بها في هذه الأيام وهي قول أحدهم وهو لم يفتح في حياته صحيفة من كتاب «الكون»: «مالي ولإضاعة وقتي في حل ما لا يسبر غوره من مسائل وجود الله وخلود الروح ووحدة الروح والجسم أو تغايرهما؟ فحسبي الاشتغال بالعلم» هذا كلامه. وقد أصابت هذه العدوى الإلحادية مع الأسف المجتمعات الإسلامية المقلدة للمدنية المادية تقليدا أعمى في العصر الحاضر، لأن الإلحاد يضعف معنويات الشعوب حتى يستغلها الاستعمار الذي يترك فينا هذه الرواسب الخبيثة.
وفي نفس هذا الكتاب الذي نال إعجاب المربين نجد مؤلفه يعيب على رجال الكنيسة غلوهم واستبدادهم واستهتارهم فيقول: «إن كثيرا ممن يميلون إلى محو دراسة المذاهب الدينية والحكمية منقادون في هذا إلى حاجة طبيعية للانتقام وهم لا يشعرون، فإنهم قد رأوا الحكماء ورؤساء الأديان في أيامنا هذه بلغوا من تعاطيهم للمظالم ومتاجرتهم بالسرائر ومقارفتهم للفظائع مبلغا لجأ بالعقل في اشمئزازه من سيرتهم إلى الجحود المطلق، فالقسيسون هم دعاة الإلحاد لا الماديون» هذا كلامه.
وقد سجل شيخ الفلسفة الذرائعية الفيلسوف الأمريكي جون ديوي المتوفى سنة 1952 في كتابه آراء توماس «جيفرسون» الحية سجل من آراء «جيفرسون» هو الفساد الذي أدخله رجال الكنيسة على المسيحية حيث اعترف بقوله: «وإني على خلاف كبير مع الأفلاطونيين الذين يدعونني كافرا وينعتون أنفسهم كروة بالإنجيل أي وعاظا به في حين أنهم يستقون عقائدهم البارزة مما لم يقله أو يره مؤلف الإنجيل، ولقد ألفوا من بين الأسرار الوثنية منهجا يتعذر فهمه على العقل الإنساني، ولو رجع المصلح العظيم لأخلاق اليهود الشريرة وعقيدتهم في الألوهية إلى الأرض لما اعترف بهذا المنهاج أو بظاهرة واحدة من ظواهره» هذا كلام رئيس الولايات المتحدة الذي كتب وثيقة استقلالها وانتخب رئيسا لها مرتين (1801- 1804) في الكتاب الذي نشرته مؤسسة فرنكلين للطباعة والنشر، فما لشباب العصر يقف من دين الإسلام دين البحث والتفكير الذي يمجد العلم والعقل موقف أحرار الفكر مع رجال الكنيسة الذين ألفوا من مناهج الوثنية ما سجله الفيلسوف ديوي عليهم، أفلا ينظر شباب الإسلام إلى حقيقة دينهم الذي أبطل تأليه البشر، وحمل إلى العالم حرية البحث والنظر، وأبطل وسائط السوء بين الإنسان وربه، وجاء رسوله بشريعة سمحة عادلة رفعت من قدر الإنسان وبوأت الإنسانية في الوجود مقاما كريما كما تقول آية القرآن: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء: 70].
ويحلو للباحث في هذه الحقيقة العليا «وجود الله» التي جاء الرسول لتجديدها في العالم أن يستطلع آراء بعض المفكرين في العصر الحديث وما قبله فيها عسى أن يتفكر فيها أصحاب العقول الشابة تفكيرا يعود بهم إلى حقيقة نفوسهم، فمن الشرق الأستاذ العقاد رحمه الله حيث يقول: « في رأينا أن مسألة وجود الله هي مسألة وعي قبل كل شيء، فالإنسان له وعي يقينه بوجوده الخاص وحقيقته الذاتية، ولا يخلو من وعي يقينه بالوجود الأعظم والحقيقة الكونية، لأنه متصل بهذا الوجود بل قائم عليه، والوعي والعقل لا يتناقضان»، وفي نهاية هذا البحث يقول: ونحن لا نحصي هنا جميع البراهين التي استدل بها الفلاسفة على وجود الله، فإنها كثيرة يشبه بعضها بعضا في القواعد وإن اختلفت كثيرا في التفصيلات والفروع ولكننا نكتفي منها بأشيعها وأجمعها وأقربها إلى التواتر والقبول، وهي برهان الخلق وبرهان الغاية وبرهان الاستكمال أو الاستقصاء وبرهان الأخلاق أو وازع الضمير.
والعقاد رحمه الله في هذا الاتجاه يتفق مع الفيلسوف الإسلامي العظيم ابن رشد الحفيد في كتابه «مناهج الأدلة»، فقد زيف أدلة المتكلمين حيث رتبوا أدلة على حدوث العالم بسبب لزوم الأعراض وامتناع حوادث لا أول لها، ونقضها كلها كما يعلم من مراجعة كتابه لها.
ثم ذكر دلالة القرآن وأنها دلالة اختراع وإبداع تتجلى في الخلق والابتكار ودلائل عناية بالإنسان الذي سخر الله كثيرا من الموجودات لفائدته وأنها مخلوقة لغاية وحكمة، وكذلك يقر هذه الأدلة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب «النبؤات» ويزيف أدلة الأشاعرة حتى ذكر ما قيل فيهم: من أنهم مخانيث المعتزلة، فليطالع هذين الكتابين الراغبون في البحث عن طريقة رسولنا العظيم في الدعوة إلى الله، التي وافقت العقل والشرع في وقت واحد فكانت أدلة عقلية برهانية وشرعية سمعية، لأن الرسول اعتمدها ودعا الناس عن طريقها إلى توحيد الله وعبادته ووصفه بما وصف به نفسه من العلم المحيط والقدرة على كل شيء وسوى في هذا الحديث بشهادة مفكر متدين بأخلاق الإنجيل كما يذكر عن نفسه ولكنه ربما يكون أول من دعا إلى الحرية الدينية التي جرت الويلات على البشرية وهو توماس جيفرسون المتقدم، ولكنه يعترف بوجود الله كسائر الموحدين، فإنه قال في الكتاب الذي أشرنا إليه سابقا واعتقد (دون حاجة إلى الاستعانة بالوحي) بأنه لدى تأملنا في الكون من حيث الأجزاء التي يتكون منها بصورة عامة أو تفصيلية لابد للعقل البشري أن ينشأ عنده الاعتقاد بوجود نظام ومهارة فائقة وبقوة لا نهائية في كل ذرة من بناء الكون، فأمامنا حركات الأجسام السماوية التي تتابع حركاتها الدقيقة بفضل التوازن بين القوى الطاردة من المركز والقوى الجاذبة إليه، وأمامنا تكوين الأرض نفسها وانقسامها بين أرض وماء وهواء، وهناك الأجسام الحيوانية والنباتية بكل دقائقها، وهناك الحشرات التي على الرغم من أنها أبسط الأجسام الحية فإنها تخضع لنظام تام لا يقل في دقته عن خلق الرجل أو الماموث، وهناك المواد المعدنية واستخرجها ومنافعها، فمحال أن لا يعتقد العقل الإنساني بوجود نظام في هذه كلها ووجود سبب ونتيجة وأخيرا بوجود العلة النهائية أي صانع جميع الأشياء ومنظمها والمحافظ عليها في حالتها الحاضرة والذي يعطيها أشكالا جديدة وأخرى، وسنجد أيضا براهين ساطعة على وجود قوة عليا تشرف على الإبقاء على الكون ونظامه» هذا كلامه بالحرف الواحد. ولنستمع إلى فقرات من كلام الفيلسوف ابن رشد تشير إلى أدلة وجود الله  التي ملأ كتابه "مناهج الأدلة" بتوجيهها فإنه قال: « فقد تبين لك من هذا كله أن الطرق المشهورة للأشعرية في السلوك إلى معرفة الله سبحانه ليست طرقا نظرية يقينية ولا طرقا شرعية يقينية، وذلك ظاهر لمن تأمل أجناس الأدلة المنبهة في الكتاب العزيز على المعنى، أعني معرفة وجود الصانع، وذلك أن الطرق الشرعية إذا تؤملت وجدت في الأكثر قد جمعت وصفين أحدهما أن تكون يقينية والثاني أن تكون بسيطة غير مركبة، أعني قليلة المقدمات فتكون نتائجها قريبة من المقدمات الأولى ..» فتكلم على أنواع من المخلوقات وفائدتها بما لا يناسب هذا الحديث ثم قال:
وأما السماوات فتعلم من قبل حركاتها التي لا تفتر أنها مأمورة بالعناية مما هاهنا ومسخرة لنا، والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة، وأما الأصل الثاني فهو أن كل مخترع فله مخترع، فيصبح من هذين الأصلين أن للموجود فاعلا مخترعا له .. قال: وفي هذا الجنس دلائل كثيرة على عدد المخترعات، ولذلك كان واجبا على من أراد معرفة الله حق معرفته أن يعرف جواهر الأشياء ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع، وإلى هذا أشار بقوله تعالى (أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ) [الأعراف: 185]، وكذلك أيضا من تتبع معنى الحكمة في موجود، أعنى معرفة السبب الذي من أجله خلق والغاية المقصودة به كان وقوم على دليل العناية. (أهـ).
فعسى أن نسترشد بحكمة ابن رشد، وإلى الحديث المقبل والسلام عليكم ورحمة الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here