islamaumaroc

إفريقيا بصدد إحياء لغاتها القومية

  دعوة الحق

العددان 138 و139

في منتصف شهر ماي طلع بلاغ رسمي في الإذاعة السنغالية وصدر بالصحف اليومية بدكار جاء فيه : « اجتمع المجلس الوزاري يوم 11 ماي في قصر الجمهورية تحت رئاسة رئيس الدولة، ودرس المجلس ووافق على مشروع مرسوم يتعلق بكتابة اللغات القومية .. »
إن هذا البلاغ، على ما هو عليه من إيجاز، يعد حدثا بالغ الأهمية بالنسبة لإفريقيا السوداء، وإن لم يكن يحمل في ثناياه بذور « ثورة» كما أشار إلى ذلك أحد المعلقين الصحفيين معقبا بقوله : « إنها ثورة بالفعل تلك التي تقضي بإدخال تعليم اللغات الوطنية في مدارسنا، حيث أن تعليمها من الوجهة الوطنية الصرفة يرضي الشعور والإحساس بالعزة، إن إفريقيا التي كانت قيمها الثقافية وحضارتها منار الريبة منذ زمن طويل، قد توجب عليها أن تعيد الاعتبار للغاتها التي هي وحدها الكفيلة بترجمة أحاسيس النفس السوداء على ما بها من تشعب وفي أدق معانيها».
إن الأمر يتعلق باللغات الست التي هي أكثر تداولا في إفريقيا السوداء، أو بالأحرى باللهجات التي لا تعرف لها كتابة مضبوطة، وتنقل لحد الساعة بالسماع. وفي مقدمة هذه اللهجات « الولوف» وهي أكثر ذيوعا من غيرها، ويفهمها أغلب السود. هذه اللهجات سوف تصبح حصة من الحصص التي تلقن بالمدارس على اختلاف أطوار التعليم، وتدرس بالجامعة ومعلوم أنها لا تتوفر على حروف لصياغتها وعلى نحو أو صرف مكتوب يحدد قواعدها. ولهذا، فسوف تكتب بالحروف اللاتينية وتنكب الآن جماعة من الاختصاصيين لوضع قواعد النحو لكل واحدة من تلك اللهجات.
ومن المعلوم أن إفريقيا السوداء في الوقت الحاضر جعلت من اللغتين الفرنسية والإنجليزية لغتيهما الرسميتين بحسب المناطق، مما أدى إلى تقسيم الدول السوداء الحديثة العهد بالاستقلال إلى دول ناطقة بالفرنسية وأخرى ناطقة بالإنجليزية، مع ما ينجز عن هذا التقسيم من تباعد في الاتجاه والسلوك بل حتى في الزاج ! وإذا كان الغزو الاستعماري في شكله المسلح قد انتهى أو كاد في هذه الربوع، فإن الغزو الثقافي ما يزال مستحكما لدرجة لم يكن أحد يحلم بأن ترقى لغة أو لهجة إفريقية مهما كان ذيوعها أن تنافس الإنجليزية أو الفرنسية في معاهد التعليم. وإني لها ذلك وهي مسموعة لا مقروءة. وحين نودي بذلك لأول مرة منذ نحو ثلاثين سنة اعتبر مجرد اقتراحه « هرطقة» ! إذا كيف يتصور أن تتساوى لغات « متوحشة .. همجية» مع لغتي فولتير وشكسبير؟
ومرت السنوات تتلوها السنوات، والفكرة مجرد حلم يعتلج في أذهان بعض رجال الفكر السود ممن كانوا يؤمنون بكيان إفريقيا وأصالة قيمها وحضارتها، مما اصطلحوا عليه بالزنجية أو الشخصية الإفريقية. وكيف يتسنى لهذا الكيان أن يقوم دون أن يستند على لغة تعد أهم ركائز أي ثقافة مهما كان نوعها. لهذا بدأ التفكر جديا منذ ثلاث سنوات في السنغال بإحياء اللغات الإفريقية عن طريق الكتابة. وتعددت المشاريع والاقتراحات بواسطة المعهد الأساسي لإفريقيا السوداء من جهة، ومركز العلوم اللسنية التطبيقية من جهة ثانية، شاركت في إعدادها مجموعة من الاختصاصيين في اللغات الإفريقية. ثم عقدت اجتماعات على شتى المستويات الثقافية نذكر منها مؤتمر المعهد العالمي الإفريقي ببامكو الذي وضع الصيغة النهائية لكتابة اللغات الإفريقية بالحروف اللاتينية، ولأول مرة، حصل الاتفاق بين شقي إفريقيا السوداء المتكلمين بالفرنسية والإنجليزية على شكل موحد للكتابة. وقد قرأ المعهد الأساسي لإفريقيا السوداء بدكار هذا المشروع، وترتب عن ذلك صدور مرسوم القانون الذي ألمعنا إليه والذي يتيح للفكرة أن تخرج إلى مجال التطبيق.
وليس هنا مجال تفصيل القوم في الطريقة التي اتبعت لكتابة اللهجات الإفريقية، ويكفي القول بأن الاختصاصيين في العلوم اللسنية استفادوا من التجارب السابقة في مثل هذه الأحوال، وأخذوا بعين الاعتبار المشاريع التي قدمت إليهم من لدن المتضلعين في علم اللغات سواء في إفريقيا الناطقة بالفرنسية أو الناطقة بالإنجليزية مع مراعاة عدة عوامل ليصبح تعليم اللغات الإفريقية وإتقان نحوها في المتناول. ولا زالوا منكبين في جامعة دكار ومعاهدها العلمية وغيرها من المعاهد الإفريقية الأخرى في تحسين أسلوب الكتابة وتسييرها واستخلاص قواعد النحو والصرف المتعلقة باللغات الإفريقية.
انطلاقا من هذا الأساس يرد رجال الفكر في القارة السوداء بناء ثقافتهم الجديدة على أساس إحياء لغاتهم القومية وبعثها وتعميقها، فالثقافة قبل أن تكون تفتحا على المؤثرات الأجنبية التي من شأنها أن تثريها، يجب أن ترجع إلى تربتها الأصلية وتتغذى قبل كل شيء بما تحتويه من نسوغ، فهي أصالة قبل أن تكون اقتطافا واستيعابا. والمحافظة على الأصالة في المحافظة على اللغات القومية التي تعي وحدها ما للشعوب من تراث ثقافي ومقومات روحية وفكرية أساسية. والشواهد على بقاء كيان الشعوب ما بقيت لغاتها من الوفرة بحيث لا تدخل تحت حصر. وخاصة في القرن التاسع حين كانت الشعوب الأوروبية المستضعفة تتمسك بلغاتها ضد الغزو الثقافي الذي كان يسير في ركاب الغزو العسكري. وإذا كانت تلك الشعوب حافظت على ذاتيتها، فلأنها حافظت بالأولوية على لغاتها التي هي وعاء حضارتها. وأحسن مثال على ذلك هو انبعاث الأمة العربية بالرغم عما تعرضت له من زحوف خارجية وعوامل التأخر والتفكك عبر القرون. فرفعت الرأس بعد انتكاس بفضل القرآن ولغة القرآن.
شعرت إفريقيا السوداء- وفي مقدمتها السنغال- بالحاجة إلى إحياء لهجاتها القومية بعدما أخذت في بعث النسبة الجديدة تحت اسم « الزنجية» أو « الشخصية الإفريقية». هذه تستند إلى تلك، وتتأثر بها وتؤثر فيها، فتخرج بعطاء جديد تسهم به في حضارة العصر. والمتوقع أن يمون العطاء وفيرا بالنظر إلى الاستكشافات التي أخذ العلماء في شتى ضروب المعرفة يحلونها، وبعد قرار منظمة اليونسكو بتشكيل لجنة لوضع تاريخ عام للقارة الإفريقية.
ولم يكن ذلك بالمستطاع لولا أن ليل الاستعمار قد ولى إلى غير رجعة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here