islamaumaroc

الفصيح المهجور في اللسان المغربي الدارج -1-

  دعوة الحق

العددان 138 و139

إذا كانت اللغات التي اصطنعها البشر للتخاطب والتفاهم ظاهرة اجتماعية واكبت الإنسان في جميع أطواره، فإن من المؤكد أنها خضعت لنفس التقلبات التي مرت على الإنسان الذي اصطنعها واستقبلت كل المؤثرات التي كانت لها عميق الأثر في حياته وتكييف تفكيره وحضارته .. وإذا كانت أمة الضاد قد تأثرت إلى حد كبير بما مر بها من هزات عنيفه خرجت منها سالمة منتصرة لم تفقد كيانها ولا عدمت شخصيتها فإن الأمر شديد الاختلاف بالقياس إلى لغتها التي كانت بدورها مشدودة إلى عجلة الأحداث غير بعيدة عن تياراتها ومضاعفات. فقد عجزت العربية في غمرة الصراع الذي خاضه أبناؤها من اجل تأمين حياتهم وتشييد حضارتهم، أن تقاوم غزو الكلمات الدخيلة التي تسربت إليها أو أن تقوم من رطانة الألسنة المتعثرة أو المستعجمة.
لقد وجدت نفسها بعد انطلاقها من مهدها وجها لوجه أمام شعوب ولغات وحضارات انصهرت جميعها في بوثقة واحدة وانضوت كلها تحت لواء الإسلام لبناء حضارة مشتركة. فلم تستطيع أن تفرض على نفسها عزلة تحفظ لها سلامتها وتضمن لها صفاءها، وكيف وقد ترجمت بها كتب اليونان وأصبحت لغة الفكر في عصر اتسعت فيه رقعة المملكة الإسلامية وامتدت أبعادها وامتزج فيها أبناؤها بالثقافات والشعوب التي فتوحا. كيف تستطيع لغة انصبت في محيطها هذه الثقافات وتحركت بها ملايين الألسنة من شعوب لم تكن العربية لها لغة- أن تحصن نفسها ضد تيارات التحريف والتشويه الذي تحول في لغات أخرى إلى إبادة  وإفناء ..
لم يكن بد أذن من أن تستسلم العربية للواقع الذي يفرض عليها حكمه لم يكن بد من أن تفتح صدرها وهي كارهة لتحتضن في كل جيل كلمات غربية تتسرب إليها لا تخضع لقواعدها ولا تستمد من أصولها.. من هنا بدأت تظهر الإرهاصات الأولى لنشوء لسان آخر ناشر عن أصول العربية حينا ومخارجها حينا آخر، وبدا الاهتمام بالإعراب يضعف وانتشرت لوثة الإعجام تنقل العدوى  من الهجناء إلى السنة النبلاء من بني هاشم و بني أمية.
فسأل الحجاج رجلا كم عطاءك فقال الرجل الفين فقال الحجاج ويلك كم عطاءك? فقال الفان. فقال الحجاج : و لمادا لحنت أولا. . فقال الرجل لحن الأمير فلحنت فلما أعرب أعربت.. و قال رجل للقاضي مات ابانا و ترك لنا بنون . . و سمع أعرابي في السوق فارسيا يلحن إلى جانبه فقال: سبحان الله يلحنون و يربحون و نحن لا نلحن و لا نربح!
و هكذا كانت بداية اللحن و تفشيه انزلاقا وانحدارا إلى العبث بجوهر اللفظ وتحريفه واستعماله أحيانا في غير ما وضع فيه ليدل عليه، فنشطت حركة المعاجم وهب علماء اللغة بدافع الغيرة على لغة
القرآن يجمعونها وينقحونها فكانت جهودهم في ذلك حميدة مشكورة..
ومع أن الجهود التي بذلت لتقويم الألسنة والحفاظ على أصالة العربية وقداستها ظلت متواصلة إلا أن الفساد الذي استشرى في كيانها كان أقوى من أن تتحكم فيه قواعد مسطرة أو ضوابط مقرر. وكان المولود الذي تمخضت عنه العربية في ظل هذه التيارات التي منيت بها هي هذه اللغة الدارجة التي فرضت نفسها فأصبحت لغة الحياة والعمل والمنزل ووسيلة التخاطب السهلة بين مختلف الطبقات.
وبانقراض أجيال العربية الأولى وتمازج العرب بأخلاط الشعوب التي فتحوها أو جاوروها بدأت تتسع الهوة بين الفصحى واللسان الدارج اتساعا تزايد من اتساع الحضارة وتفتح آفاقها حتى تنكرت إحداهما للأخرى وكادت تتبرا منها والشأن في هذه اللغات الدارجة لا يكاد يختلف في المغرب أو في غيره من بلدان العربية الأخرى إلا اختلافا يرجع إلى اعتبارات محلية أو حضارية .. وأبرز ظاهرة تبدو للباحث في اللسان المغربي الدارج هي ارتفاع نسبة الفصيح فيه واتفاق مخارجه التي تنم عن أصله وتدلك عن عربيته، وتختلف هذه النسبة نفسها بين أجزاء الوطن ففي الحاضرة تعيش كلمات عربية لا تحيا في البادية بينما تعيش في البادية كلمات لا مكان لها في الحاضرة ويتبع ذلك أحيانا استنكاف الحضري من كلمات أخيه البدوي واستهجائه لخشونتها وحدة نبراتها نظير استخفاف البدوي بكلمات الحضري وتأففه من ليونتها .. أمام ذلك كله لغة العلم والثقافة التي لا تحيا إلا في الكتب والأوراق والتي يجهل أبناؤها ما تختزنه العامية من تراث لغوي لا تختزنه المعاجم التي يعتمدونها.
وقد وجدت نفسي من زمن بعيد شديد الانتباه إلى كل كلمة تنفرج عنها شفة فلاح أو عامل من عوام الشعب ولشد ما اندهش عندما أدرك أن كثيرا من كلماتهم الشعبية التي يتندر عليهم بها عربية صميمة حافظوا عليها وأخلصوا لها إخلاصهم لتقاليدهم .. سمعت قرويا ذات يوم وهو يطرد كلبا من باب خيمته فيقول : خس خس وهي نفسها الكلمة العربية اخسأ. وطلبت مني بائعة قروية قدمت إلي وعاء من زبد أن أروزه بيدي وهي تقصد اختيار ثقله ووزنه، وهي نفسها الكلمة العربية، التي عرفتها في سينية البحتري:
لا تـرزني مـزاولا لاختباري
              عنـد هذه البلـوى فتنـكر مـي
ومن ثم أخذت أتصيد هذه الكلمات وامتحن عربيتها فإذا هي في متانة لغة الأصمعي وابن حيان. وليس ينقص من قيمتها أن يضعها كتابنا بين القوسين استحياء من إيرادها واعتذار عن استعمالها فليس ذلك إلا جهلا منهم بعربيتها وترفعا منهم عن شعبيتها .. ومن الإنصاف أن نرد لهذه الكلمات المغمورة اعتباراتها لتأخذ مكانها في ميادين الفكر والثقافة إلى جنب أخواتها.
وإن على الذين يقترحون استعمال العامية في المسرح ويتنبأون مستقبلا بحلولها محل الفصحى في الكتابة والتعبير أن يكلفوا أنفسهم  قليلا من البحث في العامية ليكتشفوا أنها تختزن رصيدا مهجورا من الفصيح وأن الرجوع إلى العامية واستعمالها قد يكون معناه إحياء ما دفنه الزمن في طياته من كلمات الفصحى التي يتضايقون منها فيصبح هروبهم من الفصحى في الوقت نفسه رجوعا وعودة إليها. أن الكلمة مهما كانت جنسيتها لا تبلى ولا تموت إنها فقط تختفي حقبة من أحقاب تاريخها لتظهر مرة أخرى في ثوبها أو في زي جديد من أزيائها. إنها تعاني نفس الصراع الذي يعانيه أفراد الإنسانية. يصرع القوي منها الضعيف ويغمر الجديد منها القديم. وما هجرته النخبة المثقفة وتحاشت استعماله فيما تكتب وما تنتج أن يكون حكما بالموت على هذه الكلمات. إنها حية باقية تتواراثها الأجيال كما توارث التقاليد والعادات.
وأحب أن أنبه إلى أن كثيرا من الكلمات في عاميتنا بحار الباحث في تحليلها وردها إلى أصل عربي سليم من كثرة ما توارد عليها من تحريفات شوهت خلقتها وأبعدتها عن منابعها الأولى فهل تستطيع أن تجد تفسيرا لمثل هذه الكلمات:
( بصاب) التي نستعملها للتمني والتي تعيش خاصة على ألسنة النساء. وكلمة (طاب طريق) التطوانية التي تستعمل في معنى السرعة والاستعجال. وكلمة (ويدا) التطوانية أيضا بمعنى لا أبالي. وكثيرات غيرها مما نفهم معناه ولا ندرك أسرار تركيبة ..
وقد آن الوقت لأضع بين يدي القارئ نماذج من هذه الكلمات التي نعتقد لحد الساعة سوقيتها وشعبيتها أسوقها تباعا غير ملتزم فيها ذكر المعاجم ولا الاستئناس بالشواهد وفي وسع من ارتاب في شيء منها أن يبدأ البحث بنفسه ليطمئن فليس أسهل على الإنسان من أن يفتح كتاب لغة في غير جهد ولا عناء ..

مــزيــان :
ليست هذه الكلمة بربرية كما يظن أنها عربية صميمة يستعملها ساكن السهل والجبل عندنا في استحسان الشيء ووصفه بالحسن فهو دائما يقول: عمل مزيان ومنزل مزيان أي حسن جميل وقد زيدت في الكلمة الميم التي لا نجدها في الأصل العربي وهو زيان أي حسن والزيادة أو النقص في الكلمة العامية هي السمة الأولى التي تبعدها عن أصلها العربي وتخالف بينها وبينه..

الزردة :
وهي في لسان قومنا المأدبة والطعام يدعى إليه الناس وهو استعمال عربي وأن جهله الناس كلمة زرد أو ازدرد معناها ابتلع وكلمة الزردة معناها عربية الأكلة وهذا ما يقصده بالضبط أخونا العامي الذي يقول (الزردة في بغداد قريبة إذا توجد) وعليه فلا غضاضة إذا ما استعمل كتابنا يوما مثل هذا التعبير (دعانا فلان إلى زردة بمناسبة شفائه) لأن الزردة هي الأكلة ولا يعيبها إلا أنها شعبية!
نـــده :
يستعمل العامي هذه الكلمة في زجر دابته وحثها على السير تسمعه دائما وهو يهيب بصاحبه: أنده أنده وهو لفظ عربي سليم ما يزال يحتفظ بإشراقه لاتصاله القوي بحياة الإنسان التي تعتمد في الغالب على الدابة. وفي حديث ابن عمر: لو تعلق قاتل عمر بأستار الكعبة ما ندهته أي زجرته..

المــلاغــة!
يكاد هذا اللفظ يكون أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة الشعبيين تسمعها إذنك في كل مكان ومن كل إنسان فتلمع معه كلمة يعني بها العامي أنه مازحه وداعبه وهو اللفظ ما تحدده المعاجم تحديدا لا يختلف في شيء عن المعنى العامي إذ تقول : مالغه بالكلام مازحه بكلام مخل بالأدب وتملغ في كلامه تساقه والملوغة الحمق والفحش في الكلام.. 

بالــزعـط :
عندما يتهدد الرجل الشعبي صاحبه أو يعاتبه على شيء، يجيب هذا الأخير في غير مبالاة ولا اكتراث بالزعط أي فعلت ما فعلته بالزعط أو آخذ ما آخذه منك بالزعط ولم يخطر ببالي يوما أن هذه الكلمة التي نتقزز منها ونشم رائحة البداءة هي كلمة عربية اختفت من القصيدة والكتاب وبقيت حية على ألسنة العوام فما هو هذا الزعظ؟ إنه الضغط والخنق وهو ما يقصده الاستعمال العامي أي برغم أنفه وبكل قوة وعنف.

شـــاف :
وكلمة شاف الشيء أي أبصره استعمال عامي كذلك يترفع عنه المثقف واهما أنه غير عربي سليم ولكنه سيغير رأيه عندما يتحقق أنه عربي وأن تحاماه وترفع عنه.. فقد استعملت الكلمة عربية فيها يلي : شاف النحاس صقله وجلاه ومنه المثل العربي: شوف النحاس يظهر النحاسا وأشاف عليه أشرف وأطل، وتشوف من السطح نظر وإليه تطلع، وأشاف إليه نظر، والصقل والتطلع والنظر كلها معان متقاربة تؤول إلى كشف الشيء ورؤيته .

بـــزمنــه:
وهذه كلمة أخرى تلتقي عندها عامة الألسنة في أوساطنا قريبة في معناها من سابقتها: (بالزعط) إنها كلمة البز أو الابتزاز التي نعرفها جميعا والتي هي الأخذ قسرا واغتصابا ما يزال يحتفظ بها اللسان العامي كما يحتفظ بغيرها وهو كذلك يعني بها أنها آخذ الشيء بغير ترض ولا استعطاف وإنما هو غلاب وابتزاز، حكى الكسائي: لن يأخذه أبدا بزة مني وقريب من هذا اللفظ البز بزي..

الــعافيـــة:
ومن منا لا يعرف العافية في حياته اليومية أو يستعملها ليست الصحة والمعافاة من الأمراض
ولكنها النار التي نعرفها أختار لها العامي عندنا أفظع أوصافها وأروع نعوتها إنها عنده العافية التي تعفى وتدير كل شيء وهي من عفت الريح الديار محتها وطمت آثارها ..

المســوس :
تستعمل هذه الكلمة في اللسان العامي مشددة السين للشراب الذي نقصت فيه مادة السكر أو الطعام الذي قلت فيه الملح فهو مسوس ينقصه القدر الضروري ليكون مقبولا .. وهو كذلك في الاستعمال العربي الفصيح هو الماء بين العذب والملح، بفارق خفيف هو تخفيف السين ودم تضعيفها.
قال ذو الأصبـع العـدواني :
لـو كنت مـاء كنـت لا
             عذاب المـذاق ولا مسـوسا
ملحـا بعيـد القعر قــد
             قلت حجـارتـه الفــؤوسا

شــلــل:
يستعمل العامي عندنا هذه الكلمة استعمالين : في غسل اليد غسلا حفيفا يقول : شلل يدك. وفي خياطة الثوب الأولى وهي بالطبع خياطة مبدئية خفيفة وهذا هو المعنى الفصيح للكلمة: شل الثوب يشله خاطه خياطة خفيفة.

خنــز :
ومن الشائع استعمال العامي لهذه الكلمة في اللحم إذا أنتن وتغيرت رائحته وهي كذلك فصيحة ومستقيمة غير محرفة عن أصلها العربي ففي اللسان : خنز اللحم يخنز وخنوزا إذا أنتن فهو خنز بكسر الوسط وإسكانه وخناز كحزام المرأة المنتنة. وفي الحديث لولا بنو إسرائيل ما أنتن اللحم ولا خنز الطعام كانوا يرفعون طعامهم لغدهم.

نقــز :
والنقاز في لسان العامة : القفز الوثب وهو عربي سليم هجرته الأقلام كما هجرت غيره من فصيح العربية فقد ورد معنى المادة هكذا : نقز الظبي وتب صعدا فهو ناقز ونقزت الصبى أمه أرقصته ..

السبـــاط :
تنطلق هذه الكلمة في اللسان الدارج على الحذاء الإفرنجي وتلتقي في المعنى مع كلمة (سباطو) الإسبانية. وهي في رابي اجتهاد لغوي وتصرف تفتق عند ذهن العامة فقد سمعوا بالسباطة التي هي الكناسة والأزبال عربية. ولما كان الحذاء وقاية من هذه السباطات والكناسات صاغ له بحكم وظيفته لفظ السباط. وفي الحديث : أن رسول الله (ص) أتى سباطة قوم قبال فيها قائما ثم توضأ ومسح على خفيه ..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here