islamaumaroc

الصعود إلى القمر لا يستلزم الصعود إلى السماء

  دعوة الحق

العددان 138 و139

إن القرآن الكريم والسنة المطهرة لم يرد فيهما (فيما علمت) نص قطعي الدلالة يمنع من محاولة الصعود إلى القمر وما دام لم يوجد في ذلك نص قطعي الدلالة يمنع من ذلك فهو ليس من العقيدة في شيء لأن الظنيات لا يستند لها في العقائد وإنما يحتج بها في المسائل العملية من عبادات ومعاملات ومسألة الإمكان والوجوب والاستحالة مسائل عقلية لا عمل تحتها ولا ينبني عليها حكم إلا في باب الاعتقاد والعقيدة كما قلنا لابد أن يكون دليلها قطعيا ولا يكفي فيها الظني.
والاستحالة إما بالشرع وهي ما أخبر الله باستحالته بآية قرآنية تنص على المعنى المراد ولا تحتمل غيره بوجه، فمدلولها حينئذ قطعي يجب اعتقاده ويكفر من جحده، أو بحديث متواتر رواه من الصحابة عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب ورواه عنهم مثلهم من التابعين وهكذا في جميع الطبقات حتى يصل إلينا بهذه الصفة بنص كذلك علة المعنى المراد ولا يحتمل غيره فهو حينئذ مثل الآية في الحكم. وأما الإجماع فلا يحتج به في المعقولات كما لعلماء الأصول، وإما أن يكون بحكم عقلي بحث سامت مقدماته في الظن فتكون نتيجته حينئذ قطعية كاستحالة الجمع بين الضدين وإما بحكم عادي كإحراق النار، فالأولان لا يتخلفان أبدا سرمدا والثالث هو الحكم العادي فهو قابل للتخلف فقد يتخلف لمعجزة مثلا كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام أو كرامة لبعض الصالحين كما يقع لبعضهم، أو لأجهزة علمية تغير مألوف الناس وتصير ما كان مستحيلا عادة معروفا مألوفا عندهم كالطيران في الهواء والسفن البرية الجارية على يبس والراديو وغيرها من مخترعات العصر. وقد ورد في القرآن الكريم : « وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا، وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا». وقال : «وبنينا فوقكم سبعا شدادا»، وقال : «الذي خلق سبع سماوات طباقا، ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت» الآية .. وقال : «وحفظناها من كل شيطان رجيم» إلى غير ذلك من الآيات .. وقد ورد في حديث الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرج به جبريل إلى السماء الدنيا استفتح فقيل من أنت؟ فقال : جبريل. فقيل ومن معك؟ قال : محمد. فقيل: وقد أرسل إليه .. ففتحت السماء وهكذا جرى في السماوات السبع.

بين عالم الشهادة وعالم الغيب
فهذه الأدلة تدل بجميعها فضلا عن مجموعها على أن السماء سقف كثيف غيبي لا يخرق محفوظ من الشياطين الذين هم أجسام روحانية لطيفة لا تنوء بأثقال الجسم، لها قدرة على التشكل والتنقلات من الأماكن الشاسعة في طرفة عين فضلا عن الأجسام الكثيفة المفيدة بالحس وأيضا فهي من عالم الغيب الذي لا يمكن للعلماء الإطلاع عليه بأجهزتهم العلمية المحدودة القدرة التي لا تدرك الأرواح المجردة، فالسماوات من عالم الغيب وسكانها وهم الملائكة من عالم الغيب والإنسان محجوب البصر عن عالم الغيب كما أنهم محجوبون أي بني البشر عن ملائكة الأرض كالحفظة الذين يكتبون ما يصدر منهم ولا يرد علينا ما ورد في سورة الجن في قوله تعالى : «وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا» الآية لأن الشياطين أجسام روحانية تدرك ما لا يدركه البشر بحسهم من الروحانيات فلذلك حميت مقاعد للسمع، فالمسألة بين الأرض والسماء هي المسافة بين عالم الشهادة وعالم الغيب، وهي مسافة لا تقطع بالتنقل والسير ولا يطلع عليها إلا من اصطفاه الله من رسول، وأشد النوى ما لا تقربه النجب والقرآن ورد باللسان العربي وفيه ما في اللغة العربية من الأساليب من كناية واستعارة وتعريض وغيرها، والسماء وردت في اللغة العربية لمعان منها سقف البيت قال تعالى : «فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ» والسماء هنا سقف البيت أي فليختنق ومنها كل ما أظلك فهو سماء قال تعالى : «وأنزلنا من السماء ماء» النزول المطر من السماء بنص القرآن مع أنه نازل من السماء الأدنى، قال تعالى : «والسحاب المسخر بين السماء والأرض» الآية .. ومنها المطر، قال زهير : عفتها الريح بعدك والسماء.
وقال جرير :
إذا نـزل السمـاء بأرض قـوم
                    رعينـاه وإن كـانوا غضـايا
وفسر البيضاوي السماء في قوله تعالى : «أوكصيب من السماء» الآية بالسحاب إلى غير ذلك من المعاني التي اشتركت في لفظ السماء فأكسبته إجمالا وسياق الآية وتفسيرها كفيلان بتبيين ذلك الإجمال، وكون القمر في السماء وتعيين موضعه من السماوات لم نجد فيه نصا قطعيا على الوصف الذي ذكرنا آنفا كغيره من الكواكب وحديث الإسراء والمعراج لم يرد فيه شيء من ذلك فالسماء شرعا حقيقة في هذا السقف المحفوظ مجاز في غير ذلك وفي اللغة حقيقة في العلو مجازا في ما سوى ذلك والحقيقة الشرعية لم يخالف فيها إلا أبو بكر الباقلاني وهي مقدمة على الحقيقة اللغوية إلا أنه : تقديم ظني لا قطعي بحيث يجب العمل في الأعمال لا في الاعتقادات كسائر القضايا المحتملة لكثرة اختلاف الأصوليين في الترتيب بينها.
نعم هنالك ظواهر كقوله تعالى : «ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح» الآية ومصابيح نكرة في سياق الإثبات لا تعم ولو وجدت بصيغة العموم فدلالة العام على أفراده ظنية ومذهب القرافي فيها معلوم. وقوله تعالى : «وجعل القمر فيهن نورا» الآية. ويقول المعارض هنا ومن أين لنا بعد أن علمنا أن السماء لفظ مشترك أن الضمير في فيهن راجع على السماوات التي جعلت سقفا محفوظا بل من أين لنا أن جرم القمر موجود في السماوات مع احتمال أن الموجود فيها نوره دون جرمه ويمكن حمل الآية عليه، فهذه الأدلة ونحوها لا تعدو أن تكون ظواهر والظواهر لا تفيد القطع لأن الاحتمال المرجوح ببادئ الرأي ربما يكون راجحا في الحقيقة لدليل آخر خفي على المعارض فلهذا يقال أن الصعود إلى القمر لا يستلزم الصعود إلى السماء وما دامت الكواكب تشاهد بعين الحس فهي من عالم الحس ولا غرابة أن يتوصل الإنسان إلى ما يشاهد من عالم الحس وأن يدرك ببعض حواسه ما درك ببعضها وإنما المستحيل أن يتوصل الإنسان بأجهزته العلمية إلى عالم الغيب والروحانيات كالسماوات والملائكة والعرش وغيرها.
وقد اختلف القدماء في الكنة الدرار وقال أكثرهم أن القمر في سماء الدنيا وهو أقربها إلى الأرض وتبعهم في ذلك المفسرون ورتبوها بقول الناظم :
زحـل شرى مريخه من شمسـه
                فتـزاهرت بعطارد الأقمـار
قال النسقي : والجمهور على أن الفلك موج مكفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم.
وقال الألوسي في روح المعاني : وقال أكثر المفسرين هو موج مكفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر.
وفي تفسير الطبري : حدثنا عبد الأعلى قال حدثنا ابن فروعن معمر عن قتادة عن عبد الله بن عمرو ابن العاص أنه قال : إن الشمس والقمر  وجوههما قبل السماوات وأقفيتها قبل الأرض. وروي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال ما نصه: الفلك الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر وقرأ «تبارك الذي جعل في السماء بروجا» الآية .. وقال : تلك البروج بين السماء والأرض.
وفي فتح الباري شرح البخاري لأمير المومنين في الحديث الحافظ بن حجر في الجزء السادس منه عند الكلام على النجوم ما نصه : وذكر ابن دحية في التنوير من طريق أبي عثمان التهدي عن سلمان الفارسي قال : النجوم كلها معلقة كالقناديل من السماء الدنيا كتعليق القناديل في المسجد .. إلى كثير من الأقوال المتضاربة التي شحنت بها كتب التفسير وصعب تمييز الحق منها من غيره. وقال القاضي عياض في الشفاء: إن دعوى الصعود إلى السماء ردة .. وتبعه الشيخ خليل في مختصره وقال بعض محشيه، لا وجه للتكفير به، ولكن النقل متبع أنظر الدسوقي وغيره وقال : القاري في شرح الشفا أو بصعد إلى السماء ويدخل الجنة إلخ .. وفيه أن هذا يقتضي الكذب لا التكفير كما لا يخفى قلت وكأنهم جعلوه من باب دعوى النبوءة ولا يبعد عندي أن يكون آخذا من اللازم، ومعلوم أن لازم المذهب لا يعد مذهبا على المشهور ولكن المشهور ربما يبنى على الضعيف وهناك آية يستدل بها من يريد أن يتكلف المنع من الصعود إلى القمر كما يستدل بها بعضهم الآن على إمكانه وهي قوله تعالى : « يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان»  الآية.

لا وجود للدليل القطعي
وأود أن أنقل هنا كلام المفسرون في هذه الآية ليظهر أنها ليس فيها دليل قطعي لما يريد الفريقان أن يحملاها عليه قال في الجلالين :
تنفذوا تخرجوا من أقطار نواحي فأنفذوا أمر تعجيز، لا تنفذون إلا بسلطان بقوة ولا قوة لكم على ذلكم، شواظ من نار هو لهيبها الخالص من الدخان أو معه، ونحاس أي دخان لا لهب فيه، فلا تنتصران تمتنعان من ذلك بل يسوقكم إلى المحشر وقال محشيه سليمان الجمل : هذا الخطاب يقال لها في الآخرة ويرجع كونه في الآخرة قوله تعالى : يرسل عليكما شواظ من نار فإن هذا الإرسال إنما هو في القيامة كما سيأتي وهكذا قوله تعالى : «إذ السماء انشقت» قال في الخازن والمعنى إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السماوات والأرض فاهربوا منها وحيث ما كنتم يدرككم الموت وقيل يقال لهم هذا يوم القيامة، والمعنى إن استطعتم أن تخرجوا من أقطار السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فاخرجوا وقيل معناه : إن استطعتم أم تهربوا من قضائي وتخرجوا من ملكي ومن سمائي وأرضي فافعلوا لا تنفذون إلا بسلطان يعني لا تقدرون على النفوذ إلا بقهر وغلبة إني لكم ذلك حيثما توجهتم كنتم في ملكي وسلطاني وقال ابن عباس رضي الله عنهما معناه : إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا ولن تعلموه إلا بسلطان من الله تعالى، و في القرطبي يا معشر الجن والإنس الآية ذكر ابن المبارك وأخبرنا جرير عن الضحاك قال : إذا كان يوم القيامة يأمر الله السماء الدنيا أن تنشق بأهلها فتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الرب فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يأمر الله السماء التي تليها كذلك فيكونون صفا خلف ذلك الصف ثم السماء الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة فتنزل ملائكة الرفيق الأعلى فلا يأتون قطرا إلا وجدوا صفوفا من الملائكة فذلك قوله تعالى « يا معشر الجن ...» الآية.
وقال الضحاك بينما الناس في أسواقهم انفتحت السماء ونزلت الملائكة وهرب الإنس والجن فتحدق بهم الملائكة فذلك قوله تعالى : «لا تنفذون إلا بسلطان» ذكره النحاس وعنه أيضا أن معنى لا تنفذون إلا بسلطان: لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك، وقيل لا تنفذون إلا إلى سلطاني فالباء بمعنى إلى كقوله تعالى وقد أحسن إلى أي بي.
فأنت ترى كلام المفسرين في هذه الآية لا يمس مسألتنا من قريب ولا من بعيد فالعجب ممن يستدل بها على المنع من الصعود إلى القمر وأعجبك من ذلك الاستدلال بها على إمكانه فلا يسوغ لنا أن نستقل بفهمنا فنسقط على الآيات والأحاديث ( سقوط الندى ليلة لا ناه ولا زاجر) فنفسرها برأينا قبل الرجوع إلى ما قال فيها المفسرون .
وهنا مسألة مهمة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث لتعليم الشرعيات لا لتعليم الهيئة والفلك والطبيعة ونحوها من العلوم الدنيوية وحديث الصحيح في تأبير النخل دليل كاف لما قصدنا (وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن تأبير النخل فلم يثمر ذلك العام فأمرهم بتأبيره وقال : أنتم أعلم بدنياكم).

المقصــود هـو الهـداية
وقد سأل معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بال الهلال يبدو دقيقا كالخيط ثم يزيد حتى يستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ فنزلت«يسألونك عن الاهنة» الآية فهم سألوا عن اختلاف حال القمر وتبدله فأمره الله أن يجيبهم بأن الحكمة في ذلك أن يكون معالم للناس يوقنون بها أمورهم ومعالم للعبادات المؤقتة كالحج تنبيها لهم على أن الأولى بهم أن لا يسألون النبي صلى الله عله وسلم إلا عن مسألة شرعية، وقال بعضهم أنه لم يحبهم عن ذلك لأنهم يصعب عليهم فهم دقائق علم الهيئة أورد ذلك السيوطي في شرح عقود الجمان وهو من إجابة السائل بغير ما يترقب وهو المسمى في علوم البلاغة بالأسلوب الحكيم ورجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رأي الحباب بن المنذر في مكان النزول يوم بدر معلوم.
والقرآن كتاب سماوي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمقصود منه أصالة هداية الناس إلى الدين القويم من توحيد وعبادة ومعاملة يكفل لمعتنقه السعادة الدنيوية والأخروية وما ورد فيه من صفات الكون إنما ورد مورد العظة والاستدلال على الخالق العظيم بهذا الخلق العظيم والقدرة الكاملة التي حيرت عقول البشرية وستحيرها ما دامت هناك بشرية، نعم إن هذا الكتاب الذي لا تغنى عجائبه ولا تنتهى غرائبه فيه ما لا يعلمه إلا الله من خبايا تلك العلوم وما يعقلها إلا العالمون، إلا أنها وردت بالتبع لا بالأصالة على حد دليل الإشارة المصطلح عليه وكم من مسألة لم تكتشف إلا في العصر الحديث وجدت الإشارة إليها في القرآن منذ أربعة عشر قرنا. لا أنها كما قلنا ذكرت على سبيل الإجمال لا على سبيل تفصيل الجزئيات جزئية فلا يحق لنا والحالة هذه أن نفسر القرآن بتلك النظريات العلمية المتطورة، كل أن المستمرة في هدم وبناء وتصديق وتكذيب وإن سلمت فإنما هو تسليم موقت.
فيجب أن نصون هذا الكتاب المقدس والمعجزة الخالدة الكبرى عن عبث أصحاب النظريات الذين يكذبون أنفسهم وينقضون  ما أبرموا. كما أننا لا يجب أن نجمر على مألوفنا فتنكر العلم واختراعاته من أصله ونسخر الآيات لغرضنا فالدين قد حتنا على التفكير في الكون والاعتبار في الخلق ولم يجعل بيننا وبين ما نستطيع اكتشافه من الكائنات حاجزا «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق» فهذا هو قصد السبيل وكلا طرفيه أما إفراط أو تفريط وقد طرق هذا الموضوع ناصر السنة أبو إسحاق الشاطبي في موضوعين في موافقاته وبين أن الصحيح في تفسير قوله تعالى : «ما فرطنا في الكتاب من شيء» اللوح المحفوظ وانظر كتب التفسير.
ونختم هذه المقالة بكلام لحجة الإسلام الغزالي في (تهافت الفلاسفة) عند تقسيمه لكلام الفلاسفة ونصه : القسم الثاني ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلا من أصول الدين وليس من ضرورة تصديق الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم منازعتهم فيه كقوله أن كسوف القمر عبارة عن انمحاء ضوء القمر بتوسط الأرض بينه وبين الشمس من حيث أنه يقتبس نوره من الشمس والأرض كرة والسماء محيط بها من الجوانب فإذا وقع القمر في ظل الأرض انقطع عنه نور الشمس، وكقولهم أن الكسوف معناه وقوف جرم القمر بين الناظر وبين الشمس وذلك عند اجتماعهما في العقدتين على دقيقة واحدة وهذا الفن أيضا لسنا نخوض في إبطاله إذ لا يتعلق به غرض ومن ظن أن المناظر في إبطال هذا من الدين فقد جني على الدين وضعف أمره فإن هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية حسابية لا يبقى معها ريب فمن تطلع عليها وتحقق أدلتها حتى يخبر بسببها عن وقت الكسوفين وقدرهما ومدة بقائها إلى الانحلال إذ أقبل له أن هذا على خلاف الشرع لم يسترب فيه وإنما يستريب في الشرع وضرر الشرع ممن ينصره لا بطريقة أكثر من ضرورة ممن يطعن فيه بطريقة وهو كما قيل عدو عاقل خير من صديق جاهل فإن قيل فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة فكيف يلائم هذا ما قالوه، قلنا وليس في هذا ما قالوه إذ ليس فيه إلا نفي وقوع الكسوف لموت أحد أو لحياته والأمر بالصلاة عنده والشرع الذي يأمر بالصلاة عند الزوال والغروب والطلوع من أين يبعد منه أن يأمر عند الكسوف بها استحبابا فإن قيل فقد روى أنه قال في آخر الحديث : ولكن الله إذا تجلى للشيء خضع له فيدل على أن الكسوف خضوع بسبب التجلي قلنا هذه الزيادة لم يصح نقلها فيجب تكذيب ناقلها وإنما المروى ما ذكرناه ولو كان صحيحا لكان تأويله أهون من مكابرة أمور قطعية فكم من ظواهر أولت بالآلة العقلية التي لا تنتهي في الوضوح إلى هذا الحد وأعظم ما يفرح به الملحدة أن يصرح ناصر الشرع بأن هذا وأمثاله على خلاف الشرع فيسهل عليه طريق إبطال الشرع إن كان شرطه أمثال ذلك وهكذا كان البحث في العالم عن كونه حادثا أو قديما ثم إذا أثبت حدوده فسواء كان كرة أو بسيطا أو مثمنا أو مسدسا سواء كانت السماوات وما تحتها ثلاثة عشر طبقة كما قالوه أو أقل أو أكثر فنسبة النظر فيه إلى البحث الإلهي كنسبة النظر إلى طبقات البصل وعدد حب الرمان فالمقصود كونها من فعل الله كيفما كانت.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here