islamaumaroc

وزهق الباطل

  دعوة الحق

العددان 138 و139

قد أعجبت إعجابا كبيرا وأيقنت جازما أن الخير في أمة من قبل وقوله الصدق « الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة» طالما وجد في هذا العالم وفي هذا العصر بالذات من يدعون إلى الحق ويقومون عليه. ذلك إن «دعوة الحق» قد انتدبت نفسها وانتدبها واقع أمتها فيما قضى من الأرض وما دنى، ومصير هذه الأمة للدفاع عن عقيدة الإسلام وعن الدين الحنيف الذي أصبح الماسك عليه. كالماسك على الجمر.
فقد صار الإسلام في بلاد المسلمين غريبا في هذا العصر الذي انطمست فيه معالم الإيمان وطغت فيه روح المادية واتسع فيه نشاط الملاحدة فكثر الواترون على الإسلام الذي كان سبب إخراجهم ومن في الأرض جميعا من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة ومن حيرة الشك إلى نور اليقين واطمئنانه. ومع ذلك فقد قل فيه ناصروا هذا الدين وأصبح المتدين والمدافع عن الدين من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والمؤمنين بالله رجعيين ومحل سخرية وإذابة واستهزاء تماما كما بدا الدين أول مرة، ولعل أهم مظاهر غرابته في دياره تتجلى في نفوس الشباب المتخاذلة نفوسهم المنتسبين للإسلام انتسابا والمحسوبين عليه في العالم الإسلامي. أولئك الذين يشكلون معاول هدم استخدمها ومازال يستخدمها أعداء الإسلام ضده لما أعينهم الحيل في محاولات النيل منه مباشرة لأن الله تعالى وعد بحفظه فوقاه شر كيدهم. وفي ذلك يقول شاتليي (Chatulie) أحد المستشرقين الذي حارب الإسلام بالفكر والقلم والكلمة والمحاضرة والكتاب بقول في كتابه «غزو العالم الإسلامي»- لم يبق إلا أن نستخدم ضد الإسلام الذي استعصى علينا النيل منه بأي طريقة من الطرق .. لم يبق إلا أن نستخدم ضده عناصر من المسلمين ولو لم نجد منهم إلا السدج البله لكفانا ذلك لان الشجرة يجب أن يقطعها أحد أغصانها- وهكذا عملوا على تهيئة إطارات من شباب الأمة الإسلامية فأصبحت (طوابير خاصة) تسدد طعناتها الخلفية وتعمل على عرقلة هذا الدين ومن بين هذه الإطارات التي أصبحت أبواق دعاية ضد الإسلام زكي أبو شادي الذي عمد إلى تحريف الأحكام القرآنية وقلب الحقائق في مبادئ الإسلام ورمى القرآن بالتحريف وساير من يدعي أنه كلام جاء به محمد لا وحي فيه ولا إلهام وأودع هذه الآراء في كتابه الذي أسماه (ثورة الإسلام) لغاية الوصل إلى أغراض مادية بخسة ورخيصة بعد أن هاجر إلى أمريكا وانضم إلى جمعية أصدقاء الشرق الأوسط الأمريكية وحضر عدة مؤتمرات للمستشرقين والمبشرين وتعهد فيها بعدة مأموريات ونشر كتابه في لبنان بواسطة دار الحياة.
ووصلت إلي نسخة من هذا الكتاب في شهر أفريل 1969- على أن الكتاب لا يعرف بالضبط تاريخ نشره لخلوه من أي تاريخ- قلت وصلت إلى نسخة منه فاطلعت عليها.. ودرستها دراسة دقيقة فرأيت من واجبي كمسلم أن أتصدى للرد عليه ودحض مزاعمه وتفنيد إدعاءاته مستعملا في ذلك الحجج العقلية المطرزة بآيات قرآنية وأحاديث نبوية فأعددت لذلك دراسة طويلة تحت عنوان «وزهق الباطل».
اتضحت النوايا وانكشفت فإذا الماكرون ينقضون عرى الإسلام عروة عروة وإذا هم يقلبون الأحكام القرآنية يقول أبو شادي في الصفحة 24 من كتابه ( إن روح الإسلام تسمح بأن تكون المرأة قوامة على الرجل) وهو قلب مقصود لحكم الآية الكريمة في قوله تعالى : ( الرجال قوامون على النساء).
أن الرجال في كل مكان وفي كل زمان قوامون على النساء وإن صارت المرأة اليوم تتعاطى أعمال الرجال لكن الرجل دوما هو الذي يشق لها الطريق ويسبقها لكل ميدان وفن ولنأخذ لذلك مثلا من واقع عصرنا وحياتنا اليومية فرواد الفضاء مثلا لم تكن منهم امرأة وسوف لن تكون منهم امرأة حتى تستقر التجارب وتنتهي ويصير سفر الإنسان إلى الفضاء مضمونا في ذهابه وإيابه بقدر ما يسمح به العلم وفي نطاق إمكانياته ورب متعرض يقول إن رائدة فضائية سوفياتية كانت قد عبرت الفضاء في تجربة علمية لكن ذلك كان بعد عديد التجارب التي أجراها رواد رجال ثم لم تتكرر تجربة من هذا النوع قامت بها امرأة مما يدل على صحة الحكم القرآني وانطباقه على كل زمان ومكان وبالتالي على صلاحية إلا محدودة بالظروف الزمانية والمكانية ويستمر أبو شادي في نفاقه وقلبه للحقائق فيقول بالصفحة 25 (وهل بنا من حاجة لأن نقول لأي مسلم إن الحضارة العلمية التي تتسم بها حضارة القرن العشرين هي وليدة تعاليم الإسلام ومبادئه وأن الإسلام نفسه لا يمكن له ان ينكر أبوتها خاصة وقد طورت هذه الحضارة تلك التعاليم والمبادئ وأن الإسلام استفاد منها) إلا تعسا للماكرين الدهاة إن حضارة القرن العشرين لم تكن وليدة الإسلام إلا من حيث التقنية ومن حيث الروح العلمي الذي طبع به هذه الحضارة فتأثرت به لكن كيد الماكرين والمنافقين أبى إلا أن يكيف هذا التأثر فيجعله عكسيا أما ما زاد على ذلك من الإباحة والتحلل والمجون فحاشا للإسلام وحضارة الإسلام من التشبه بها والانتساب إليها أو حتى مجرد المقارنة معها لأن الإسلام دين يعطي ولا يأخذ ويؤثر ولا يتأثر ولأن حضارة الإسلام تعتمد على أسس واضحة جلية جملتها الفضائل كلها التي تسامت في علبائها فقصرت عنها الحضارة الغربية ولم تستطع أن ترقي إليها أو تدنو منها وإن كانت حضارة الإسلام كالشمس تعم أشعتها الكون ولا يضرها عمى من لم يرها وبقيت بذلك حضارة القرن العشرين متعصرة بأوحل جملتها الرذائل كلها ما عرف منها وما لم يعرف على أن الإسلام دين تتفاعل مبادرة وتعليمه مع كل الضمائر الحية والعقول النيرة التي استوعبتها، وإلى لدعاة الباطل مثل هاتيك العقول والضمائر؟
إن مصيبة العالم بدأت يوم بدأت حضارة القرن العشرين بشعبها ومنذ أن صار العالم يتقلب في فلسفات شتى منها المتناقض مع نفسه ومنها المتعارض مع بعضه ومنها المتناقض مع غيره من المذاهب الأخرى ومنها ما ينكر وجود الله أصلا ومنها ما يسيء معرفة الله منذ أن صار العالم أسير هذه التقلبات أصبح الناس أسراء لذائدهم وأهوالهم يرتعون كما ترتع الأنعام بل هم أضل سبيلا وكثرت الجرائم وكثر محترفوها وأهم سبب لذلك هو الانحلال الخلقي والتفسخ الديني الذي لقن لشباب الأمة الإسلامية بواسطة رجالات التعليم فيها ومؤسساتها أولئك الذين صاروا أبواق دعاية لمدينة أحلت الحرام وحرمت الحلال ولا أدل على ذلك مما قاله شاتليي في كتابه غزو العالم الإسلامي لكي نود المسلمين ونتحكم فيهم وأوجههم الوجهة التي نريد ونتحكم في مصائرهم يجب أن نميت فيهم روح الفضيلة وبالتالي يجب أن نقتل في نفوسهم ما وقر فيها من مبادئ دينهم).
لقد أعيتهم الحيل في محاولات النيل من هذا البناء المتماسك الذي تحدى وسيبقى يتحدى جميع المقاول الهدامة.
غير أن هذه الحضارة استطاعت بواسطة الإطارات التي هيأها باعثوها من المسلمين أنفسهم في مدارس أوربا وأمريكا وبواسطة البرامج التعليمية التي أدخلت إلى البلاد الإسلامية وفق مناهج وسياسات ماكرة وعداوات فاجرة استطاعت أن تفشي في شباب الأمة الإسلامية روح الرذائل واغتنم الملاحدة والمحسوبون على الإسلام نجاحهم في صرف هذا الجيل من المسلمين عن دينه وجعلوه يؤدي لهم خدمات أقل ما يقال فيها التنفير من الإسلام وتشجيع الخلافات بين المسلمين وحفروا بذلك فجوات عميقة وأقاموا ... سدودا عالية فرقوا بها بين المسلمين وعزلهم عن دينهم الذي يعتقدون أنه سبب تغلبهم لما فيه من حيوية وسمو يقول برناردشو (لقد وضعت دائما دين محمد موضع الاعتبار السامي بسبب حيويته المدهشة فهو الدين الوحيد الذي حاز أهلية الهضم لأطوار الحياة المختلفة بحيث يستطيع أن يكون جذابا لكل جيل من الناس له دين يعطي ولا يأخذ).
هذه شهادة فيلسوف مسيحي في الإسلام يعد دراسة طويلة وعميقة.
نعم يا أبا شادي إن الإسلام دين يعطي ولا يأخذ لكن ما ذهب إليه من تلفيق الشبه وجمع الحيل خاصة وقد تكاثر الواترون من أنصارك. قلت إن ما ذهب إليه بإعانة بعض الجمعيات والمؤسسات والمنظمات ... والحكومات والدول يمكن أن يصد الجماهير عن الإيمان ويغلق أبصارهم بحبل وخدع سيما وقد قل في البلاد الإسلامية وانحسر التعليم الديني والتاريخ الإسلامي النقي من الشوائب ولعل انحسار التعليم الديني ترتب عن الدعوة التي ما فثئنا نسمع ترددها وقد تعرض لها أبو شادي في كتابه تلك هي القول بوجود أشياء تغني عن الدين كالرياضات البدنية المتنوعة.
ومرت على العالم عصور متتالية ليس فيها عصر واحد جفت فيه ينابيع الإيمان وخفت فيه حاجة الإنسان إلى الدين كعصرنا هذا عصر حضارة القرن العشرين التي يدافع عنها أبو شادي ويجعل منها عنصر تأثير في الدين والحضارة الإسلاميين فيدعو للتمسك بها ليزيد انتشارها وتعمر أكثر من الحضارات السابقة بل ولتنصهر فيها الحضارة الإسلامية ولست أشك في أن أبا شادي على جانب من الذكاء وكل دعى وكذاب محتال وكل محتال له نصيب من الذكاء كما له نصيب أكبر من المكر والخبث.
والدهاء والذكاء إذا اجتمعا مع الخبث كانا سلاحا فتاكا وأداة هدم ناشطة ولست أعيب عليه ذكاءه ولا لمتقد أن أحدا يعيبه لكن العيب في خبث النفوس اللئيمة التي تستخدم ذلك السلاح لأغراض أودى وأخبث وإني لأحترم العقل البشري والضمير الإنساني اليقظ إن كانت النزاهة العلمية هي الأساس وهي الغاية والوسيلة لعمل كل من العقل والضمير البشريين غير أن احترامي هذا لا يجعلهما يبلغان عندي درجة الاستغناء عن وحي السماء بما في ذلك الوحي من كلام وتعاليم الدين وحديث رسوله محمد صلى الله عليه وسلم كما أدعى ذلك أبو شادي الذي يرى في الإلحاد فلسفة وتفكيرا حسنا فيقول : ( لا يوجد التفكير الصحيح إلا مع الإلحاد لما فيه من حرية وعدم تقيد بالدين) ثم يعترف في صراحة ساذجة فيقول ( ولا يوجد الإلحاد إلا في الحضارة الأمريكية والأوروبية بذلك كانت هذه الحضارة ينبوع التفكير السليم والفلسفة العقلية الصحيحة) هكذا وبكل بساطة ومن حيث أراد أن يظهر مزية الحضارة الغربية بعدم تقيدها بالحدود الدينية وإبراز ما فيها من حرية فيناقض نفسه حين أراد أن يبرهن بطريق العقل على أن الحضارة الغربية والأمريكية هي أصل التحرر العقلي فأخزاه الله إذ أوقعه في تناقض وخانه ذكاؤه فوقع في هذا الاعتراف.
إن الإسلام بناء متماسك لا تناقض فيه وحاجة العالم اليوم إلى الإسلام هي حاجته إلى كل علم صحيح وحاجته إلى معرفة نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم لدرس سيرته دراسة موضوعية نزيهة هي حاجته إلى معرفة النور، ولقد درس برنارد شو سيرة محمد وخرج إلى العالم بنتيجة حتمية لابد لمن كان مثله أن يحصل عليها تلك هي الملخصة في قوله ( لقد تبينت أن دين محمد سيكون مقبولا لدى أوربا في الغد القريب وقد بدأ كونه مقبولا لديها اليوم في الوقت الحاضر كثيرون من أبناء قومي ومن أهل أوربا وجميع القارات التي على وجه الأرض ومن سكان هذا الكوكب من أصحاب العقول النيرة دخلوا دين محمد حتى ليمكن أن يقال أن تحول أوربا إلى الإسلام قد بدا وفي القرن التالي ربما ذهبت أوربا إلى أبعد من ذلك في حل مشاكلها بالإسلام لما فيه من ديمقراطية وسلام). فماذا يساوي أبو شادي هذا في علمه وتفكيره وعقله أمام بارناردشو؟..
أعتقد أنه لا يساوي في كل ذلك ذرة واحدة من إمكانيات هذا العقل الجبار والمعروف باسم شو وأنه لمن المحزن أن يساء إلى الحق بطريق الحق نفسه وأن يتخذ الحق كجسر للوصول عبره إلى غايات فاسدة باطلة لكن الله يهدي من يشاء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here