islamaumaroc

تأنق وتفنن

  دعوة الحق

العددان 138 و139

تذكرت في هذه الأيام، وأنا أدرس كتاب « دلائل الإعجاز»، وانتهيت إلى البيتين فيه :
اليـوم يومـان مد غيبت عن بصـري
                  نفسـي فداؤك ما ذنبـي فاعتذر
أمسـي وأصبح، لا ألقـاك ؟ وأحزنـا
                  لقـد تأنق في مكــروهي القدر
تذكرت وأنا أتكلم عن فعل «تأنق» وموقعه الجميل في العبارة، أن صاحب الخصائص، وابن جتي قال : أن التأنق مأخوذ من الناقة، ولا شك أن الجمال فيها، كما يشير إليه القرآن الكريم « ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون»، فالتأنق والتجمل واضح ما بينهما من علاقة أو اتحاد.
وقد أبدلت فعل التأنق، بالتفنن، حتى أتقرب بذلك إلى معتاد الطلبة وغيرهم، فتذكرت أيضا، ما كان قد حدث لي في هذا الاشتقاق، منذ ربع قرن وأنا مدرس بالمدارس المصرية.
وهنا أستأذن، وأعتذر للقارئ الكريم، إذا كنت سأخرج عن الموضوع، وآتي بما لا علاقة له في الصميم، ولكنه على كل حال، ترويح على النفس، نعم : النفس التي لغيري ولي على السواء ...
لقد دعيت سنة 1958، لأنضم إلى لجنة الامتحان، بالمدرسة الثانوية، بمصر الجديدة، فكنا تسعة مدرسين للتصحيح، وعلى رأسنا رئيس قسم اللغة العربية، الأستاذ محمد حسوبة.
فكنا ندخل المدرسة، على الثامنة صباحا، ولا نغادرها إلا بعد الثامنة مساءا، ننهمك بينهما في التصحيح، ولا نفتر عنه، إلا عند تناول وجبة الغذاء، التي كانت لا تتعدى جبنا وفول مدمس وطعمية ثم برتقال ونحوه، فإذا طعمنا، تمدد كل واحد منا، على الطاولة التي يصحح عليها، فيستريح نصف ساعة، لا أكثر، ثم يستأنف عمله، وقد ناداه الأستاذ حسوبة « يالله يا جماعه ... »
وهكذا كنا منهمكين في العمل، في صمت ندخنه السجائر التي كان الأستاذ حسوبة يحرق منها يوميا ستين لفافة، ولكننا مع هذا الصمت، كنا نبيح لأنفسنا، أن نعلق على بعض الأحداث، وكان أهمها الحرب العربية، لمقاومة الصهيونية الغاشمة، كانت تعليقات، أذكر منها، تهكم مدرس صعيدي، كان يميل إلى المذهب الفقهي المالكي، كان يتهكم، على « ترومان» فيصفه بالغباء والخيانة، ومع هذا فاسمه « ترومان» Truman الرجل الحق ؟
تعليقات عديدة بعضها من هذا القبيل، وبعضها من قبيل آخر، ينعكس على الداخل، أذكر منه تعليق حسوبة على الفريق محمد حيدر باشا، وزير الدفاع آنذاك، كان الأستاذ حسوبة يستشيط غضبا فيقول : « يا إخوانا، والله العظيم، أن حيدر هذا ربطني في سنبك فرسه، لما حصلت ثورة تسع عشر، فكان يجرجرني من القلعة إلى ميدان العتبة ( مسافة نحو 3 كيلومترات) وهو منطلق على فرسه، وأنا أجاريه في رباطي، فأقع مرة على وجهي، ثم
استقل لا غالب في الجري، فأقع مرة أخرى، إلى أن كدت أفارق الحياة، لما ألقي بي في ميدان العتبة الخضراء » .
لقد كان هذا الكلام بالنسبة إلي مفاجئا جدا، فقد كنت أحب الفريق حيدر، لدمائه خلقه ولين عريكته، كما بدا لي يوم اجتمعت معه، على مائدة من موائد الإفطار، التي كان الملك فاروق، رحمه الله، يقيمها لمن وقع عليه الاختيار من الطلبة الشرقيين فقد جلسنا أربعة حول مائدتنا، التي كانت تضم شاميا وسودانيا ومغربيا ومصريا، هو الفريق حيدر، وفجأة ارتفعت الأصوات بالهتاف والتكبير، على مجيء الملك فاروق، في نفر من حاشيته، لمصافحة الطلبة، واحدا فواحدا، ونهض الأستاذ الصاوي شعلنان، فأنشد قصيدة عصماء، كان لها وقعها الحسن في نفوس الحاضرين.
والأستاذ الصاوي، من النبهاء آنذاك، كان إلى جانب ثقافته العربية، يدرس- وهو ضرير- الفارسية والتركية والألمانية، فكنا حينما نغادر كلية الآداب، « يجرني» معه إلى إصلاحيات الأطفال، فتدخلها وتقفل علينا الأبواب، وكأنها أبواب السجون، فنجلس في ركن من حجرها، حيث نطالع الألمانية ونراجع ما تلقينا من دروس فيها، مساه الله بخير، أو رحمه، إن كان قضى نحبه، كان يقرأ مستعينا بلمس أصابعه للحروف البارزة، وكان الشعر طبعا له، ينظم ما يطلب منه وما لا يطلب، في سهولة ويسر.
نعود إلى المائدة، فيحيي بعضننا البعض، ويقع التعارف، الذي يفتتحه الفريق، مضيق « الرأي» عابدين، فيذكر كل منا اسمه وبلده، ثم يسأل الشامي، وحضرتك من ؟ فيجيبه : لا تعرفني؟ وهنا يتدخل السوداني، فيقول : نعم، حيدر باشا، وكان الشامي- على النقيض مني- كثير الكلام، فقال للفريق : أريد أن أزور حضرتك، فرد عليه : مرحبا، هل تعرف عنواني ؟ أنا مدير السجون .. وكان فعلا آنذاك مدير السجون .. فاستعاذ بالله، صاحبنا الشامي، وانطلقت الضحكات، وكان المضيف لطيفا جدا متحدثا لبقا في منتهى التواضع، مما جعلني أحبه ثم استغرب، لما سمعت، رحم الله الجميع.
وانتهى الامتحان، ثم العطلة الصيفية، واستأنفنا التدريس، بالمدرسة المصرية للأقباط الكاثوليك، وذات صباح، قيل لي : «أن المفتش قد حضر» وإذا به الأستاذ حسونة، فاستقبلني بصفته الرسمية، وكأنه ما كان له سابق معرفة طويلة بي ...
وجرى التفتيش في الدروس تلقى، والدروس تحضر، ودفاتر التمرينات والواجبات الإنسانية وغيرها، كما هو العادة المتبعة وفي موضوعات الإنشاء، وقع على كلمة « فنان»، فقال لي : استبدل هذه الكلمة، فإن الفنان هو الحمار .. والأحسن استعمال كلمة « مفن »- كمكر ومفر- بدلها.
وكانت هذه الملاحظة مفاجئة لي، ولكني أذعنت لقبولها، ثم صرت أستشير القاموس، فوجدته، كما قال «حمار» وحشي... وكعادة فقهاء اللغة، في تعليمهم، قالوا : إنه سمي بذلك لتفننه في مشيه.
والواقع أن التفنن: أتى من « الفنان»، لا أن الفنان أتى من التفنن، كما أن التأنق أتى من الناقة، وليست الناقة آتية من التأنق، كما يشهد بذلك الإستيناس بالتطور الطبيعي في اللغة.
والنتيجة أن تأنق محل تفنن، كما يصح العكس، وأنا التأنق من الناقة، والتفنن من الفنان، حمار الوحش.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here