islamaumaroc

حكم أفلاطون

  دعوة الحق

العددان 138 و139

لا أستطيع بشكل من الأشكال أن أنسى ..
فإن ما مر علي .. وما ذقته خلال أيام معدودات لا يمكن أن ينسى.
في الصباح كنا نهمس بكلمات غير مسموعة، ونشير بأصابعنا المرتجفة إلى الأفق البعيد .. وعلى الرغم من أن الكلمات لم تكن مفهومة، إلا أننا كنا نعرف تماما ما نعنيه.
ويدور علينا «فارس» بأقداح الشاي الساخن، وتتوالى الرشفات، وتدور معها حلقات لولبية من ذكريات تختلط فيها الحلاوة بالمرارة، واللذة بالألم..
ثم اترك الكأس بجابني، فوق كومة من تراب أحمر هش، وأضع لفافتي تحترق بين أصابعي رويدا دون أن امتص منها شيئا .. وأرقب الدخان المتصاعد من اللفافة، وما أن تهب عليه نسمات الصبح الباردة حتى يبدأ يتصاعد ويتلاشى ويضيع ...
ويصيح أحد الرفاق، وقد أتى على آخر كأس شاي :
- فارس ... أين أنت يا فارس .. ؟
ويرد عليه آخر من خلف كومة من التراب :
- إنك لن تعثر على فارس الآن .. فإن عليه أكثر من مهمة ..
فيسأل الرفيق في فزع :
- وهل وزعت المهمات .. ؟
ونضج أكثر من ضحكة، ويهمس آخر :
- إن فارس فوق كل المهمات ...
أعود من جديد إلى حلقة الذكريات ...
هناك ودعتهم .. وبعد أيام سألت عنهم ... فلم أعثر على أثر واحد لهم، كانوا كلهم قد رحلوا في قافلة انتظمت، ثم تلاشت بعد أن سارت ساعات قليلة، وضاعت القافلة كلها في متاهات الصحراء الموغلة في القدم.
- أين أنت يا فراس ... ؟
ويفترس « فارس» التراب الأحمر الهش، ويبتسم ابتسامة قاسية وهو يتطلع إلى السماء .. وكان أحدا من الرفاق لم يسأل عن غيبته.
ونصمت جميعا، ونحن نتطلع إلى « فارس» نلاحق، عبثا،نظرته الملحقة إلى فوق. وينهض «فارس» فجأة .. ويجلس متكوما على نفسه .. ويصيح بصوت كالرعد :
- كلكم أغبياء.. كلكم أغبياء .. فمنذ مئات السنين ونحن في نوم عميق .. نتلذذ بالرقاد، ونحلم فوق العشب اليابس وتحت ضوء القمر في الليالي الصيفية .. هذا الشرق عجيب .. عجيب إلى حد الجنون.
- لم تكلمنا اليوم مهمتك يا فارس .. ؟
استوعب « فارس» السؤال ورد على صاحبه قائلا :
- انظر .. إلى فوق .. إلى فوق أكثر .. وأمكت هكذا لحظات وأنت تتطلع إلى زرقة السماء، ستلمح صورتك- بعد أن، وقد وضعت ضمن إطار أسود.
قال أحد الرفاق مداعيا :
- وهل نحن في مأتم .. ؟
رد « فارس» بعنف يتوعد :
- أسكت لئلا تضيع الصورة .. نحن دوما في مأتم .. خلقنا في مأتم على الرغم من أنهم كانوا يزغردون يوم ولادتنا ..
قال آخر :
- تلك هي الصورة .. إنني ألمحها الآن .. ها قد بانت لعيني، يا لها من صورة جميلة .. يزمجر «فارس» بغضب :
- أسكت أيها الغبي .. إنها أقبح صورة لأغبى إنسان.
ويسكت الجميع، ويأخذ « فارس» بالثرثرة، وكأنه يحدث نفسه :
- لماذا أنتم هكذا .. أسحرتم بنور القمر فتخدرتم، وأخذتم بروعة المساء فاستسلمتم للراحة حتى نسيتم غدكم الموعود .. ؟ .. ألم ترددوا دائما : لنا عودة- لنا عودة .. ؟ .. فلماذا الأحلام إذن.؟
يا لكم من أغبياء .. بنينم جمهورية أفلاطون وانتم تتمددون فوق العشب، وناطحتم السحاب وأنتم في استلقاء ولا مبالاة ..
تلك هي الصورة .. الصورة تختفي الآن .. وسوف تظهر غدا في أفق آخر.
أجل، هناك ودعتهم .. وبعد أيام سألت عنهم فلم أعثر عليهم.
كان بينهم صغير في عمر الصباح، يبتسم لغد ويحلم أحلام الطفولة .. بالحصان الخشبي والسيف الحديدي .. وما تكاد تبرق في ذهنه تلك البارقة الصغيرة حتى ينتشي ويصيح :
- سوف اركب الحصان وأطوف البلاد وأقهر الأعذاء.
هناك ودعتهم. وبعد أيام سألت عنهم، فلم أعثر إلا على صدى عبارة جميلة حملتها معي :
- سوف أركب الحصان وأطوف البلاد وأقهر الأعداء ..
قال « فارس» وهو يطوف فوق رؤوسنا :
- هل سمعتم ما قال أفلاطون بالأمس .. ؟
رد الجميع بصوت واحد :
- كــلا لم نسمع ..
قـال « فارس» :
- لابد أنكم كنتم نائمين ..
قال الرفاق بصوت واحد
- حدثنا ماذا قال أفلاطون ..
قال « فارس» :
- حدثنا أفلاطون عن لسان أحد حوارييه فقال : « .. كان هناك قوم ينتمون إلى قبيلة تأكل لحوم البشر.. وتحاصر هذه القبيلة طرقا تؤدي إلى واحة كبيرة في وسط الصحراء.
وكان لابد للقوافل من أن تمر في إحدى تلك الطرق لترد الماء وتشرب منه بعد مسير طويل في حرقة الرمال ..
وحين كانت تصل القافلة إلى نبع الماء، كانت تفقد رشدها وتصاب  بالجنون .. ولذلك كان يسهل على قبيلة أكلة اللحوم اقتناص القافلة بمجموعها .. وتقيم القبيلة فرحا كبيرا تدعو إليه القبائل المجاورة ..وتقام الولائم لأيام دون انقطاع .. وتقدم أجساد
القافلة طعاما فاخرا لكل هؤلاء حتى يصابوا بالتخمة .. ويكون ماء النبع قد تلون بدم القافلة، ويظل الماء الأحمر يروي كل الرمال لأيام عديدة .. »
قلت للصبي الصغير في يوم بعيد :
- وإذا ركبت حصانك الخشبي وتقلدت سيفك الحديدي .. إلى أين ستذهب .. ؟
فالتمعت عينا الصبي الصغير، وحملق في وجهي، وشعرت وكأني ارتكبت إثما عظيما في سؤالي .. وقال بصوت حازم :
- هناك أكثر من قبيلة في الصحراء نقطع الطرق وتنهب وتسرق وتطوق المارة ..
سأذهب إلى تأديب تلك القبائل المتوحشة .. ألا تعرف إلى أين سأذهب .. إلى القبائل المتوحشة المنحدرة إلى الصحراء، القبائل المتوحشة الغريبة عن الرمال، القادمة إلينا من بلاد الصقيع .. بلاد الهمجية .. بلاد اللصوص.
انتهكت قنبلة بعيدة حرمة أفكار «فارس» .. فصمت قليلا عن الكلام.
وما كاد السكون يعود إلينا من جديد، حتى عاد إلى الثرثرة، وقد أخذت نبرات صوته حدة أكثر :
- لا تخشوا شيئا أيها الرفاق .. أسمعتم ذلك الصوت الذي دوى منذ آن .. ؟ إنه صوت أفلاطون نفسه...
سأل أحدنا يداعب «فارس» :
- أحقا هذا صوت أفلاطون .. ؟
فقال آخر منا :
- ومن هو أفلاطون هذا ... ؟
قال «فارس» :
- ورددت لو بقيت غبيا .. إما أن تزين غباءك بالحماقة، فهذا ما لا أطيقه أبدا.
ونهض «فارس» ينوي المسير :
قلت له، وقد عدت من ذكرياتي البعيدة :
- إلى أين يا فارس .. ؟
قال :
- لا حياة لي مع هؤلاء الحمقى .. تصور .. تصور أنهم لا يعرفون أفلاطون .. قلت في استغراب :
- وكيف لا يعرفون أفلاطون .. أفي الدنيا من يجهله؟.
قال فارسا متأفقا :
- هؤلاء الحمقى يجهلون أفلاطون .. يجهلون من قال : « العين التي لا تبصر الأذى يجب قلعها».
قلت في استدراك :
- وهل قال أفلاطون هذا يا فارس .. ؟
قــال :
- أجل، وقال أيضا : « الصرصار يغني القصائد أيام الحصاد .. »
قلت مهدئا :
- رويدك يا فارس .. يجب ألا تحرمنا منك وتذهب عنا، لم نكن نعلم أنك تحفظ كل هذا .. ابق هنا، وقل لنا حكم أفلاطون .. فقد آن لنا أن نحفظ قصائد الصرصار.
قال «فارس» :
- هيهات فقد فات الأوان ..
عدت أسأل الصبي الصغير :
- وهذه الرمال يا صغيري .. هل تكن لها بعض الحب ؟ ..
قال الصغير :
- إنها حبات عرق جدي .. وجدي الأكبر .. وجد جدي .. إنها قصائد العمر، أغنيات وجودنا منذ أن عرفنا الحياة.
قلت مندهشـا :
- ومن الذي علمك كل هذا يا صغيري .. ؟
قـال :
- لم أتعلمه من احد .. بل أحسست به هنا، في قلبي.
- أين الشاي يا فارس .. ؟
جاء هذا الصوت من حفرة قريبة، فارتعش «فارس» وهو يتكلم، حتى أحسسنا انه قد أصيب بشظية قنبلة.
والتفت «فارس» إلينا، وقال :
- يريد أن يتسم بالشاي لكي يلبد أفكاره.
ونهض وهو يتمتم :
- ساهيئ له بعض السم .. ليته يرتشف الحكم كما يرتشف الشاي .. أفلاطون قال هذا .. وابتعد «فارس» قليلا، وما كاد يغيب عنا حتى سرت بيننا ابتسامة تبادلناها في صمت وتحفظ وخوف.
ودوت في الأفق البعيد قنبلة صارخة ... وصفر الجو عن قنبلة أخرى .. ثم ارتجت لها الأرض من تحتنا، وتساقطت بعض نيرانها فالتمع المكان البعيد حتى أحسسنا بالنور وكأنه يحرقنا.
وعاد «فارس» مهرولا إلينا، وهو يصيح :
- ماذا جرى لأفلاطون ... هل حطم أحدكم حكمه .. ؟
قال أحدنـا :
- كلا .. لكن بريق أفكاره يصل إلينا.
قال «فارس»، وإبريق الشاي في يده :
- لقد قال أفلاطون مرة : « لا ينفع المرء إلا حرارة الحكمة».
- أين الشاي يا فارس ... ؟
امتعض «فارس»، وهو واقف أمامنا، ومضى بإبريق الشاي وهو يتمتم.
قلت للصبي الصغير يوما :
-اسمع يا صغيري .. لن ينفعك هذا الحصان الخشبي .. لأنك لن تستطيع أن تبتعد به مسير قدم واحدة..
قال الصبي ضاحكا :
- ومن قال لك أنني سأستخدمه في جولاتي .. ؟ إنه الآن للتدريب فقط .. أما الحصان الحقيقي فهو من حديد .. حصان يسابق الريح، ويصهل نارا من فمه، ويطلق رعدا يزلزل أركان الصحراء كلها .. أفهمت الآن..؟ ابتسمت للصغير، وأشرق الأفق في ناظري من بعيد، وقلت :
- أجل يا صغيري .. لقد فهمت الآن.
وناولني «فارس» قدح الشاي، وقال :
- هذه لك .. خذ إنها ملأى حتى حافتها.
قلت ضاحكـا :
- وهل هذه الحكمة أيضا من أفلاطون ..؟
قـال فجـأة :
- أسكت .. اسمع، أرهف سمعك قليلا، إني أكاد أحس وقع أقدام غريبة. قلت مستغربا :
- وقع أقدام .. إني لا أفهم شيئا .. ؟
قـــال :
- هذا أفضل .. أنا وحدي أسمع وقع الأقدام الغريبة .. أقدام وخيول تسابق الريح.
قلت في عجـب :
- خيول تسابق الريح .. ؟
قــال :
- أجل. أجل ... خيول من حديد تسابق الريح، وتصهل نارا من أفواهها ..انتظر قليلا، وستعرف كل شيء ..
وانتظرت ...
وأضيئت الدنيا من حولنا .. ثم أظلمت، ثم أضيئت.
وتفجر كل شيء حولي ...
تفجرت الرمال .. تفجرت الأرض .. تفجرت أقداح الشاي والإبريق العتيق، وتفجرت كذلك حكم أفلاطون وقصائد الصرصار الطويلة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here