islamaumaroc

التوحيد وتحرير الضمير الإسلامي تحت ضوء الإسلام -2-

  دعوة الحق

العددان 133 و134

2) علم التوحيد عند السلفية
قدر لفكرة التوحيد، في البيئة السلفية، أن تقوم بنفس الدول الهام الذي قامت به في الوسط الاعتزالي، كما أتيح لها أن تلقى لديهم ذات العناية الخاصة، التي لقيتها لدى المعتزلة، ولكن على نمط وأسلوب آخرين. بل زيادة على ذلك، لقد ظهرت هذه الفكرة الأساسية، عند المتأخرين من كبار السلفية (عند شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية) في صورة جديدة، تمثل الألوهية في مجالي عظمتها، وتحيط بالنشاط الإنساني من سائر جوانبه.
ان الحركة السلفية، في أسسها وفي مثلها، مشيدة على مبدأ التوحيد، كما لاحظ ذلك بحق، المستشرق الفرنسي العظيم هنري لاووست Henri Laoust  والتوحيد في نظر علماء السلف، كما هوعند الإسلاميين جميعا، هو عقيدة وعبادة: وهذا هو الجانب الإلهي في التوحيد. وهو، في نفس الوقت، سلوك فردي ومعاملات اجتماعية: إذن، هو مبدأ إلهي وبشري، انه فكرة دينية وزمنية في آن واحد.
ويرى رجال السلف أن هيكل الدين بأسره، ان في عقائده أو شعائره أو نظمه، ليس إلا تعبيرا عما ينطوي عليه مبدأ التوحيد من سمو ورقعة. انه الصورة المجسدة لذلك المبدأ الكلي، في نهاية كماله وعظمته.
ويرون، أيضا، أن الغرض الأقصى للشريعة هو انتصار «كلمة الله» في الحياة: في حياة الفرد وفي حياة الجماعة على السواء. و«كلمة الله» هي نظامه الأبدي، وهي ناموسه الأزلي، وهي سنته الخالدة. انها مثل الحق والخير والكمال. فانتصار «كلمة الله» في الحياة – الهدف الأقصى للشريعة – هو، في الحقيقة، انتصار الضمير البشري في جهاده الدائم، من أجل الأفضل والأكمل أبدا. وهذا الجهاد الدائب الدائم، هو الضمان التام لكل تقدم وتطور وازدهار، في مستوى الروح وفي مستوى المادة، على صعيد الفكر وعلى صعيد الحضارة. وتلك هي المفاتيح السحرية لكنوز الأرض ولكنوز السماء!

- مظاهر التوحيد عند السلفية
يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية، أن مبدأ التوحيد ينتظم ثلاث حقائق كليه، أو بتعبير أدق: يتجلى في ثلاثة مظاهر أساسية، كل مظهر منها يبرز الذات الإلهية في جانب من جوانب كمالها المطلق، ويحدد موقف الإنسان من ربه، عقيدة وعبادة ومعاملة. وكذلك تظهر فكرة التوحيد في صورة المبادئ السامية الشاملة، تحيط بالجانب الإلهي والجانب الإنساني معا، وتلتقي في ظلالها الرحيبة، عظمة الخالق وعظمة المخلوق.
أ – توحيد الألوهية
المظهر الأول، الأساسي والوطيد، من مظاهر التوحيد، هو ما يسميه شيخ الإسلام ابن تيمية: توحيد الألوهية. وهذا اعتراف من قبل العبد بحقيقة الإله، ونفي الألوهية بتاتا عمن سواه. ومفهوم الألوهية، عند ابن تيمية، ينتظم الماهية والوجود المطلقين. أي أن الله هو حقيقة موضوعية، ذات صفات ثبوتية إيجابية. والصفات هي مجالي عظمة الذات الأبدية، وهي عنوان كمالاتها الانهائية. إنها كثيرة، إنها متنوعة: هي كثيرة من حيث أعدادها، هي متنوعة من حيث دلالاتها. إنها جميعا يجب الإيمان بها، طالما نطق بها الشرع، أو جاءت عن طريقه. وهناك – وهناك فقط- يجب إجراؤها على ظاهرها، من غير تأويل أو تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تكييف.
ان «توحيد الألوهية» يكشف لنا عن الجناب الالهي في كماله المطلق، أي يظهرنا على «وحدة الذات» و«كثرة الصفات». والوحدة والكثرة، في مقام الألوهية، لا تتعارضان أو تتزاحمان، بل تأتلقان وتتحدان. (وموقف شيخ الإسلام، في هذه القضية، هو في غاية الخطورة والأهمية، وهو يختلف ماما عن موقف المعتزلة، في هذه المسألة المعضلة.) – والسبب في هذا، هو أن الله له، من نفسه بنفسه، الإطلاق الكلي والشمولي اللانهائي، فهو إذن يتنزه عن كل مزاحمة، أو معارضة، أو مناقضة. من أجل ذلك جميعا، وجب الإيمان بالصفات الواردة في القرآن والسنة عموما، وبصفات التشبيه الواردة خصوصا، وأجرؤها على ظاهرها، من حيث هي شؤون أو نعوت إلهية. إن «صفات التشبيه» هي في المخلوقات دالة على حدوثهم وإمكانهم، وهي في الخالق دالة على أزليته وسر مديته.
وكذلك الأمر بالقياس إلى «كثرة الصفات» و« وحدة الذات». ان تلك الكثرة لا تتنافى وهذه الوحدة. بل على العكس، انها تكشف عنها، وتدل عليها. «اذ كثرة الصفات» في الله – تعالى! – هي، في الحقيقة، من طبيعة «الكيف» لا من طبيعة «الكم». إنها إذن، ليست كثرة مادية ولا في ذى مادة. بل هي كثرة روحية، معنوية، حقيقية، تبرز لنا غناء الذات الإلهية، وتظهرنا على مجدها الأعظم.
ب – توحيد الربوبية
والمظهر الثاني من مظاهر مبدأ التوحيد في الحياة الدينية، عند شيخ الإسلام ابن تيمية، هو ما يطلق عليه هذه التسمية البارعة الدقيقة: «توحيد الربوبية». وهذا اللون الخاص من التوحيد، في نظر المدرسة السلفية، لا يعني به مجرد إقرار من جانب الفرد الإنساني بوجود الله ووحدانيته، كما هو الشأن في «توحيد الالوهية». بل «توحيد الربوبية» هو بالحري وعي عميق بشمول الفعل الإلهي لكل شيء، وسيطرته على كل شيء، وسريانه في كل شيء، وهدايته كل شيء، وحضوره مع كل شيء!
في حظيرة «التوحيد الإلهي» تقوم العقيدة على مبدإ وحدة الذات والوجود الإلهيين. وفي صعيد «توحيد الربوبية» تنهض هذه العقيدة نفسها على مبدأ وحدة الفعل الإلهي، وسموه، وشموله. ولكن، ما معنى هذا بكل دقة؟ ما هي الفروق الحاسمة، الأساسية، بين هذين المظهرين الخاصين من مظاهر التوحيد؟ ما هي صلاتها الحقيقة بتحرير الضمير البشري وتكامل الشخصية الإنسانية؟..
- للإجابة عن جميع هذه الأسئلة، نجمل القول فيما يلي:
في ضوء المنهج الفكري والديني لشيخ الإسلام ابن تيمية، تضطلع مشكلة «الصفات» بدورين هامين وأساسيين. فمن جهة، تدل «الصفات» على المعاني أو الحقائق الذاتية، الثبوتية، الإيجابية، لواجب الوجود بنفسه، وهو الله – تعالى! – وذلك: كالحياة والعلم والقدرة والمشيئة والإرادة، إلخ.. وتسمى هذه المعاني أو الحقائق بالصفات الذاتية أو النفسية للحضرة العلية. ومن جهة أخرى، تكشف هذه «الصفات» ذاتها عن الأفعال أو الشؤون الخاصة لواجب الوجود بنفسه. وهذه الأفعال والشؤون لله – سبحانه! – تنقسم بدورها  إلى قسمين: أفعال وشؤون في مستوى الوجود:
كالخلق والإيجاد والتصوير والأمانة، وأفعال وشؤون في مستوى كمال الوجود: كالهداية والرحمة والمغفرة والإحسان والمحبة.
ف«توحيد الإلهية» يتعلق بواجب الوجود بنفسه، أي بالحق – تعالى! – كما هو في صفاته الذاتية، وحقائقه الثباتية الإيجابية. أما «توحيد الربوبية» فهو خاص بالله – سبحانه! – بالنظر إلى أفعاله الخارجية، وشؤونه التخصيصية. وبتعبير أشد وضوحا، «توحيد الألوهية» يعانق الذات المقدسة، من حيث هي هي، ومن حيث كمالها المطلق، أي من حيث الوحدة الوجودية، والكثرة الاسمائية، وعلى هذا الاعتبار يكون هذا اللون الخاص من التوحيد بمثابة تأمل مجرد، في قمة الفكر والمنطق، للجناب الإلهي، العزيز المنال. أما «توحيد الربوبية» فهو يعانق الذات المقدسة، من حيث هي في أفعالها الخارجية، وشؤونها التخصيصية: فهو، إذن، توحيد، عملي، تطبيقي، في مستوى الذوق والاختبار، إن صح مثل هذا التعبير، في مثل هذا المقام...
ومرة أخرى: أفعال وشؤون إلهية في مستوى الوجود، - أفعال وشؤون إلهية في مستوى كمال الوجود، - ما معنى هذا كله على وجه التحديد؟ ما هو محور هذا التقسيم والتمييز وما هو أساسه؟ ثم أليست أفعال الله وشؤونه متصفة، جميعا، بالكمال والإطلاق؟
- الواقع، أن هذه الأسئلة على غاية الأهمية، والموضوع جد خطير، ولإزالة اللبس أو اشكال في الأمر، نقول:
ان لله – سبحانه! – تدبيرين في خلقه، يتصل الأول منهما بوجودهم وحياتهم، ويتصل الثاني بحفظهم وبقائهم. فالكائنات موجودة بإيجاد الله لها، حية بإحيائه إياها، محفوظة بحفظ الله لها، باقية بإبقائه إياها. وكل من الإيجاد والإحياء والحفظ والإبقاء، هو من مظاهر العناية الإلهية العامة، السارية في جميع الأشياء.
ولكن، لله – تعالى! – تدبير ءاخر، يختص بهذا «الآدمي» وحده، وبه يمتاز عن سائر الموجودات الأرضية. وهذا التدبير الإلهي الخاص، يتصل ب «كمال وجود» الفرد البشري وحياته، أي ب «وجوده وحياته في الأبد». ذلك، لأن الإنسان فيه «الروح الإلهي» وهو «الخليفة في الأرض» و«حامل أمانة السماء. انه «مستقر» ذلك كله، و«مستودع الأسرار». وهذه النعوت جميعا هي سمات الخلود في الكائن البشري، بل هي الخلود عينا وحقيقة. إنها قوام حياة المرء ومعنى وجوده.
ف «ابن آدم» هو لله، وإليه يعود. فوجوده الحقيقي – أعني كمال وجوده – لا يتحدد بسيره في مشارق الأرض ومغاربها، بل بعروجه صعدا إلى أعالي السماء. وحياته الحقيقية – أعني كمال حياته – لا تنحصر بنشاطه في أرجاء الكون، بل بتألقه في آفاق النور. ووسيلته المباشرة، لتحقيق ذلك الوجود الأكمل وتلك الحياة الآثم، لا تتوفر له من نفسه او بنفسه، (وانى لا سير المادة والزمان والمكان أن يتسامى بذاته، إلى سماء الإطلاق؟ أو لابن الفناء أن يحقق لنفسه بنفسه عناصر الخلود؟) بل يتلقى الإنسان هذه الوسيلة المباشرة والأداة الموصلة للوجود الكامل والحياة التامة، منحة عظمى من الله، مصدر الوجود والحياة والكمال. وهذا هو «التدبير الخاص» الذي هو أبدع مظهر لعناية الله بالإنسان، وأسمى تعبير عن مدى حبه له. وموضوع هذا «التدبير الخاص» الذي هو أبدع مظهر لعناية الله بالإنسان، وأسمى تعبير عن مدى حبه له. وموضوع هذا «التدبير الإلهي الفائق» وجوهره وحقيقته هو الوحي السماوي: من حيث هو نور ورحمة منبعثان من ينبوع الحق المطلق، - والنعمة الإلهية: من حيث هي الأداة الفعالة التي تقود المرء مباشرة إلى الله، وتفتح عين قلبه لمشاهدة ملكوت السماء، - والولاية الربانية: من حيث هي تعبير عن دفاع الله عن الإنسان الذي هو وليه، ودفاع الإنسان عن الله الذي هو وليه!
والخلاصة: الأفعال والشؤون الإلهية، التي هي في مستوى الوجود – والتي هي موضوع «توحيد الربوبية» - تتصل بحياة الإنسان الطبيعية، في عالم الكون والفساد. أما الأفعال الشؤون الإلهية، التي هي في مستوى كمال الوجود (والتي هي أيضا موضوع «توحيد الربوبية» - تتصل بحياة الإنسان الطبيعية، في عالم الكون والفساد. اما الأفعال والشؤون الإلهية، التي هي في مستوى كمال والتي هي أيضا موضوع «توحيد الربوبية» فإنها تتصل بحياة الإنسان الفائقة، في ظلال الخلود.
ويلاحظ شيخ الإسلام، بكل دقة ومهارة، أن غرض الأديان جميعا، في تعاليمها وفي آدابها، ليس هو بيان «توحيد الألوهية» فحسب، بل بصورة خاصة هو تقرر «توحيد الربوبية» والكشف عن حقائقه، وجعله الأساس الثابت لسلوك الفرد في الحياة، والقاعدة الراسخة لنظرته في الكون. ذلك لأن «توحيد الألوهية» هو في مستوى القيم النظرية التجريدية، وهو في متناول العقل البشري. فالمرء يستطيع، من تلقاء نفسه، أن يستقل بإدراك الوجود الإلهي، كناموس أزلي، وقانون سرمدي، وحق ثابت، عبر الأشياء والكائنات. بيد أن مشكلة الإنسان الكبرى، في كل زمان وفي كل مكان، هي بأن يعي تماما وحدة الفعل الإلهي في كل شيء، وسيطرته على كل شيء، وسريانه خلال كل شيء. فهذا الوعي العميق لشمول الفعل الإلهي الخالق، ولكليته واحديته وتساميه، تنوء به حقا العصبة أولو القوة من ملكات الفرد ومدركاته وطاقاته. من أجل هذا، تعددت الأسباب الخالقة امام العقل البشري، وبالتالي تعددت الأرباب المعبودة رغبا أو رهبا، طوعا أو كرها.
فكما أن ذات الحق – تعالى – في دائرة «توحيد الألوهية» هي وحيدة في الوجود وفي كمال الوجود، في الحياة، وفي كمال الحياة، - كذلك هي، في «دائرة توحيد الربوبية» وحيدة في الخلق وكمال الخلق، في الإيجاد وكمال الإيجاد، في الفعل وكمال الفعل.
«لا إله إلا الله!» هذا هو شعار «توحيد الألوهية».
«لا خالق إلا الله! لا هادي إلا الله!» هذا هو شعار «توحيد الربوبية».
وكذلك تتوحد ذات الحق – سبحانه! – في الضمير الإنساني، وجودا وحضورا، حياة وشهودا.  وكذلك نزول الوسائط بين الرب والمربوب، وترتفع الحجب بين الخالق والمخلوق!.

(*) انظر الجزء الأول من هذا البحث في العدد السابع من «دعوة الحق»، السنة الثالثة عشرة – ربيع الثاني 1390 يونيه 1970 ص 30 – 34.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here