islamaumaroc

من إعجاز القرآن الكريم -2-

  دعوة الحق

العددان 133 و134

ونتحدث هنا عن الجلدة في الصورة الأدبية القرآنية، التي نريد منها الشكل وما يقابل المضمون بعد ان تحدثنا عن الجدة في الصورة الأدبية القرءانية التي يراد منها الجنس الأدبي وطريقة الأداء والمنهج الذي ينتهي المتكلم في التعبير.
والصورة التي نريد أن نتحدث عنا عنها، ونريد بها الشكل في النص القرءاني، لا يمترى أحد، ولا يشك متذوق لبلاغة الكلام في انها والجدة صنوان، وفي أنها تعلو ببلاغتها على كل بيان.
تتكون عناصر الصورة من الدلالة المعنوية للألفاظ والعبارات، ويضاف إليها مؤثرات يكمل بها الأداء الفني، من الإيقاع واللحن للكلمات والعبارات ومن الصور والظلال التي يشقها التعبير، ثم هناك طريقة تتناول الموضوع، أي الأسلوب الذي تعرض به التجربة الأدبية.
والصورة المثيرة للالتفات هي القادرة قدرة كاملة على التعبير عن تجارب المتكلم ومشاعره، والتي تتجمع فيها روعة المتكلم ومشاعره، والتي تتجمع فيها روعة الخيال والنغم ووحدة العمل الأدبي وتظهر فيها شخصية الأديب وتخيره للألفاظ تخيرا دقيقا.
ويقف البليغ أمام اللفظ طويلا، يؤثر لفظة على لفظة، ويفضل كلمة على كلمة، ويقول كثير من النقاد: اننا نفكر بالألفاظ، أي أن الألفاظ هي مظهر إدراكنا الفكري، وعمل الأديب تهيئة الجو الفني للألفاظ لتشع على قارئها وسامعها الظلال والإيقاع وترسم الصور، وتؤدي المعاني في رشاقة وحركة وتتابع وعذوبة، نقرأ قوله تعالى في كتابه العزيز في سورة «والضحى، والليل إذا سجى» فنجد جوا من الهدوء والطمأنينة والنعمة، ويقرأ قوله تعالى: «فأصبح في المدينة خائفا يترقب»، فتجد كل لفظ في التعبير قد رسم صورة مذعور يلتفت في كل جوانب  وطلبا لموضع الأمن، ونقرأ قوله تعالى «عتل بعد ذلك زنيم» فتجد البلاغة في ارفع منازلها، ولا نجد لفظا يمثل الجفوة والغلظة ووحشة الطباع مثل هذه اللفظة.. وهكذا نجد ألفاظ القرءان الكريم تمثل المعاني تمثيلا دقيقا رائعا كاملا غير منقوص..
والخيال في الصورة الأدبية يبدو في مظاهره العديدة من التشبيه والمجاز والكناية والاستعارة وحسن التعليل...
والإيقاع أو اللحن في الصورة الأدبية عنصر لا يقل أهمية عن الخيال.
وموهبة البليغ تجعل أسلوبه مملوءا بالحيوية والمتعة والتأثير، تجعله لا يقلد أحدا في لفظه ولا
في عبارته، وليس الأسلوب حشدا من الألفاظ المرصوصة، ولكنه تعبير عن تجربة شعورية، وترتب الكلمات فيه وفق ترتب المعنى في الذهن.
ومن دلائل بلاغة الكلام أن يراعى فيه مقامات الكلام وأحوال بلاغته، فتوضع الجزالة في موضعها، والرقة والعذوبة في موضعها، ويوضع التقديم والتأخير، والذكر والحذف، والوصل والفصل، والإيجاز والأطناب، كل في موضعه، وبذلك تكمل الصورة، وترتفع منزلة الأسلوب في البلاغة، ومن البديهي أن أبلغ الكلام هو ما لا يلقى فيه بالأحكام الفكرية جزافا، وإنما يجب أن يصور الاسلوب المراحل المختلفة لانفعال المتكلم وإحساسه بالتجربة الشعورية التي يصورها.
والصورة الأدبية بهذا الاصطلاح النقدي كله هو كل شيء في البلاغة،  أو أهم شيء فيها ولو أردنا أن نقول أن الصورة الأدبية بهذا المعنى، وهو ما يرادف الشكل أو النظم أو الأسلوب جاءت على أبلغ ما يكون الأداء في القرآن الكريم، وعلى أروع ما يكون التصوير في أسلوب الذكر الحكيم، لما أتينا بجديد في الموضوع.
ان البلاغة القرءانية تحمل عناصر جديدة كل الجدة، عما ألف العرب في بلاغاتهم، وليس معنى ذلك أن القرءان الكريم خرج في أسلوبه وصوره عن النطاق الذي كان العرب يستعملونه من حيث الذكر والحذف، والتقديم والتأخير، والقصر، والوصل والفصل، والإيجاز والإطناب، والتشبيه والتمثيل والمجاز والإيجار والاستعارة والكناية والتمثيل والتعريض، ولكنه ارتفع بهذه العناصر البلاغية إلى مستوى القمة، وحد الإعجاز، ومنزلة السحر والروعة، ولو أردنا أن نوازن بين تشبيه قرءاني وبين نظرائه من كلام العرب لوجدنا البون شاسعا، والفرق بعيدا، ويطول بنا الأمر لو وازنا بين أساليب القرءان وأساليب العرب، فإن النتيجة التي سنخرج بها من هذه الموازنة هي عظمة القرآن وجلاله وسموه وروعة الأسلوب والسحر فيه.
والعناصر الأخرى الجديدة في الصورة الأدبية القرءانية كثيرة لا يمكن حصرها، ولا تزال علوم البلاغة والنقد تسير في طريقها محاولة الكشف عنها، من مثل الوحدة العضوية في الصورة الأدبية ومن مثل التجربة الأدبية التي يؤديها البليغ ويجملها كلامه، ومن مثل العاطفة والفكرة والخيال في الصورة، ومن مثل النظم والشكل في النص، ومن مثل أثر الإلهام أو الصفة في الصورة الأدبية ومن مثل الرمزية في الأسلوب أو الفكرة، ومن مثل الوضوح والجمال والتأثير في الاسلوب، وهناك قضايا تناولها النقاد القدامى تتصل بالصورة الأدبية، كالرقة والجزالة، وكالتعريض والكناية، وكالطباق والمقابلة والتورية وغير ذلك.
والعناصر القرءانية للصورة الادبية فيه تمثل الجدة كل الجدة، في كل جوانبها وألوانها، سواء منها العناصر القديمة التي تداول استعمالها في الأسلوب، أو العناصر الجديدة التي كشف عنها النقاد المحدثون، أو القضايا السالسة المتصلة بالصورة التي كشف عنه النقاد القدماء، ولو حاولت أن أبين كل ذلك فسوف أكون كمن يحاول أن ينقل ماء البحر كله في ساعة أو بعض ساعة، وكمن يظن أن في قدرته الإحاطة بكل ما كتبه العلماء والنقاد في أسرار بلاغة القرءان الكريم وإعجازه.
وحسبك ان اسلوب القرءان نمط فريد من البلاغة والروعة وسمو الروح وجلالها، ومن إشراق البيان وجمال الديباجة، وعبقرية التصوير التعبير.
أسلوب جمع بين الجزالة والسلاسة، وبين القوة والعذوبة، وبين حرارة الإيمان وتدقيق البيان، فهو السحر الساحر والنور الباهر، والحق الساطع والصدق المبين.
نظم رائع وألفاظ عذبة، وخيال صادق، وعاطفة حارة، وفكر رفيع، يملك على القارئ والسامع قلبه  ووجدانه، وعقله وبيانه، ولما سمعه فصحاء العرب وأرباب البيان والبلاغة فيهم سجدوا له خاشعين، وما إيمان عمر حين سمع «طه»، وما فزع عتبة بن ربيعة وقوله « والله ما هو بشعر  ولا كهانة ولا سحر» حين سمع «فصلت»، وما تردد بلغاء العرب على الأماكن التي كان يتعبد فيها محمدا ليلا، ليسمعوا هذه البلاغة الباهرة خفية، إلا دليل السحر القرءاني الذي جعل العرب يصفونه متعجبين بقولهم: «إن هو إلا سحر مبين»، وقولهم «إن هذا إلا سحر يؤثر»، السحر القرآني الذي يتمثل فيما يتمثل في صدق الشعور، وحرارة العاطفة، وجمال النظم، واحكام البيان، وروعة التصوير.
أي وربي، وهل تجد أفصح ولا أجزل ولا أسلس من ألفاظه، وهل ترى نظما احسن تأليفا، وأشد تشاكلا وروعة من نظمه العجيب، وأسلوبه الغريب، الآخذ بمجامع القلوب، ومشاعر النفوس.
إن بلاغة الصورة الأدبية وجدتها في القرآن الكريم لا يحيط بها وصف واصف ولا يستطيع أن يكشف عن خصائصها وأسرار إعجازها باحث أو ناقد.
وحسبك روعة القرءان وجدته وحيويته وأخذه بالأفئدة، والأسماع والمشاعر والعواطف والنفوس، وحسبك خلوده على مر الأيام، واختلاف البيئات والعصور.
هذه البساطة في الأسلوب، والوضوح والجمال والدقة والقوة فيه. والجزالة والعذوبة في أطرافه ونواحيه تمثل فيما تمثل جانبا من جوانب عظمة التصوير في القرآن الكريم.
وهذا أعرابي سمع قوله تعالى: «فاصدع بما تومر، وأعرض عن المشركين»، فسجد وقال: سجدت لفصاحته، وهذا ءاخر سمع قوله تعالى: «فلما استيأسوا من خلصوا نجيا» فقال: أشهد ان مخلوقا لا يقدر على هذا الكلام..
وماذا نقول في حسن التأليف تخير الألفاظ، والتئام الكلمات، واحكام الصنعة، وجودة السبك، وكمال البيان، وجمال الرونق، ومتانة النسج؟ وماذا نقول في هذا النظام الفريد، والنسق الغريب، وفي هذه النضارة والجلالة ومن ذلك الإشراق والبهاء ودقة الصوغ؟..
ألفاظ كأنها السحر، وكانها الدر، تشع نورا كما يشع الفجر، وتهدر حركة وحياة ونموا وتجددا كما يهدر البحر، وتهدأ وتعذب وتسلس كما تهدأ صفحة النهر.
وصور تموج كما تموج العواصف، وتتحرك كما تتحرك الأشباح لراكب مسرع في السير.
وبلاغة هي حديث الأيام، والتي سلم بها فحول النقاد والبلغاء على توالي الأعوام، وما هي إلا الضوء السافر، والهدي الباهر، والوحي الصادق، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
أو رأيت وسمعت ما قاله الوليد بن المغيرة، وقد تردد على الرسول وسمع منه، فقال لقومه: والله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيره، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي نقول شيئا من هذا، والله ان لقوله الذي يقول حلاوة، وان عليه لطلاوة، وانه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وانه ليعلو ولا يعلى عليه.
والسورة القرءانية تطول وقد تقصد، وهي مع ذلك مسلسلة محكمة متصلة الحلقات، مشرقة الصور والقسمات والصفحات، نسق هو السحر، وتآخ وصفاء وتعاقب في الترتيب كأنه الوحدة الإلهية التي دعا إليها القرآن، ممثلة في كلمات.
المعنى عند العربي كان يتم بتمام الجملة قصيرة في نظمهم، ولكل جملة معنى، وتتوالى المعاني دون ترتيب ولا نظام، وجاء القرءان الكريم، فصارت الجملة تمثل أرفع المعاني وأدقها وسار نظام وتئاخ ووحدة تامة بين الجمل بعضها والبعض الآخر، وقد تطول الجملة القرءانية، وتتركب فيها الصور، وتتوالى المشاهد، وتتعاقب المعاني، وقد لا يؤدي المعنى القرءاني ءاية أو ءايات، بل عشرات الآيات، ومع ذلك فلن تجد إلا فكرا مهذبا، ونظاما محكما، وتصويرا منمنما ووشيا منمقا، وإحكاما في الصياغة، ودقة في الصناعة، ولن تجد إلى وشيا يبهرك جمالهن ويسحرك جلاله، ولن تجد إلا العذوبة والرشاقة السلاسة والوضوح.
والصورة القرآنية تتميز بالحركة ودقة التصوير، وإبراز معالم المعنى جزءا جزءا، وحركة بعد حركة، وإن شئت فاسمع قوله تعالى: «وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا»، وقوله تعالى: «وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما» ، وقوله تعالى: «وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض، ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا» ولو وقفنا عند هذه الآية الأخيرة وهي من سورة الكهف لرأينا فيها هذه الحركة العنيفة المتدافعة ممثلة في أروع بيان، وأبسط تعبير، ولرأينا فيها هذا الإيجاز الرفيع البليغ مع أداء المعنى كاملا غير منقوص، ولرأينا فيها هذه الصورة البديعة الممثلة لأروع تصوير للغرض المقصود، الآية ثلاث جمل قصار:
1- وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض
2- ونفخ في الصور
3- فجمعناهم جمعا.
وترى في الجملة الأولى الحركة والتدافع والاختلاف والاضطراب وما يصيب الناس من أثر ذلك من أهوال وعذاب وشدة، والسر في ذلك هو كلمة يموج التي أدت لك الصورة كاملة، والمشهد رائعا، والمعنى ممثلا أدق تمثيل، وأدت لك الحركة والحياة، ومشت بك إلى ءافاق رحيبة من جلال الأداء وروعة النظم ودقة المعنى وسمو التصوير.
وفي الجملة الثانية لا تجد أبلغ من هذا التمثيل الذي يصور لك قدرة الله معلنة باروع مظاهر هيمنتها وسيطرتها إلى الناس ان قد جاء امر الله، وان نهاية الأمر لا بد أن توضع، وان الناس وهم في امر مريج لا بد يستيقظوا لحدث جديد، وأمر عتيد، وقدر شديد.
وتجيء الجملة الثالثة تعلن لك أن الله عز وجل يجمع الناس جميع إلى ساحته العظيمة ليفصل بينهم يوم القيامة بالحق والميزان، وان قدرته لا تعجز عن جمعهم مع هول كثرتهم، وشدة شتاتهم، ومن ثم جاء التأكيد بالمصدر «جمعا» ليدلك على عظمة القدرة، وروعة المشهد، وجلال اليد المصرفة لأمر الخلق في هذا الموقف العصيب.
ولو أن بليغا من الناس، ومن أذكاهم وأحذقهم بصناعة البيان، حاول أن يؤدي هذا المشهد العظيم ويصوره، وان يمثل هذا الحدث الجليل ويرسمه، لما استطاع أن يقول، ولما قدر ان يتكلم، ولما أمكنه ان يؤدي هذا المعنى في عمقه ودقته بمثل هذا الاسلوب الساحر بجماله وجلاله وروعته.
أي وربي انه القرءان الحكيم، انه الذكر المبين، انه الجلال والعظمة، والإيجاز والإعجاز، وروعة التصوير التي لا تقف عند حد، ولا تنتهي إلى بيان.
وماذا أقول، وأنا مهما قلت فلن أقول شيئا ولن أبلغ بكلامي مبلغا ما؟
يا كتاب الله، يا معجزة القرءان يا ءاية البيان، يا روعة الدهور، يا عظمة العصور، يا جلال السماء، يا حكمة الأنبياء، يا وحيا نزل على محمد بن عبد الله.. يا كتاب الله حسبي، فإن الانسان لأعجز عن أن يحيط بما احتويت عليه من أسرار البيان، ودقائق الفرقان، وروائع التصوير والتبيان.

حقوق... وواجبات...
قال القاضي أبو حامد: قدمت امرأة بعلها إلى أبي عمر القاضي، فادعت عليه مالا، فاعترف به فقالت: «أيها القاضي، خذ بحقي ولو بحبسه، فتلطف لها لئلا تحبسه، فأبت إلا ذلك! فأمر به فلما مشى خطوات صاح أبو عمر بالرجل وقال له: «ألست ممن لا يصبر على النساء؟ ففطن الرجل، فقال: بلى أصلح الله القاضي فقال: خذها معك إلى الحبس، فلما عرفت الحقيقة ندمت على لجاجها وقالت: ما هذا أيها القاضس؟ فقال لها: لك عليه حق، وله عليك حق. وما لك عليه لا يبطل ما له عليك، فعادت إلى السلامة والرضا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here