islamaumaroc

الأدب المفرد [للبخاري]

  دعوة الحق

العددان 133 و134

تسلمنا بيد الشكر والتقدير في الأيام الأخيرة، من السيد المفتي الشيخ ضياء الدين ببا خانوف رئيس الإدارة الدينية لمسلمي لآسيا الوسطى وقازاقستان كتاب «الأدب المفرد» لإمام المحدثين أبي عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري الذي تم طبعه بالاوفست في شعبان الاخير 1390 بمدينة طشقند...
وقد قررت الإدارة الدينية طبع هذا الكتاب، نظرا للرغبة الأكيدة التي يبديها مسلمو هذه الديار، ليكن مادة تدريس في المعاهد الدينية بمدن ما وراء النهر...
ومما هو جدير بالذكر أن مسلمي بلاد التركستان قد قرروا في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في طشقند في الآونة الاخيرة أن يحتفلوا بمناسبة مرور 1200 عام على ميلاد الإمام البخاري، وذلك في عام 1394.. وسيحضر هذا الاحتفال جميع علماء العالم الإسلامي...
وقدم كتاب «الأدب المفرد» في طبعته الجديدة الشيخ ضياء الدين ببا خانوف، ومما جاء في هذا التقديم...
الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه المتمسكين بسنته السنية الذي قال(تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه).
أما بعد: من المؤكد لدى كل مسلم أن الأحاديث النبوية بعد الآيات القرآنية تعتبر من أهم أسس الدين الإسلامي. ومن أصح الكتب في السنة هي الكتب الستة التي تضم الأحاديث الصحيحة النبوية الشريفة. وان العلماء أجمعوا على أن أصح الكتب بعد كتاب الله هو صحيح البخاري ثم الكتب الأخرى الداخلة في الكتب الستة هي قول رسول الله يقينا.
وان العمل بالأحاديث النبوية ليس بمقصور كما يقول البعض، على شخص أو مكان أو زمان وإنما هي صالحة لكل شخص ومكان وزمان وليس لأحد حق في أن يمنع شخصا أو يحرمه من التمسك أو العمل بالسنة ولأن علماء السلف الصالحين كانوا يطبقون الأحاديث في جميع مجالات الحياة ويتسابقون فيما بينهم في العمل بها.
ومن المقرر كذلك أنه في العمل بالقرءان والأحاديث لايشترط أن يكون الشخص مجتهدا بل ان معرفة مضمون اللآيات القرءانية والأحاديث النبوية بمساعدة اللغة العربية كافية لكل مسلم. لأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد شرح مبادئ الدين وأحكامه بمنتهى الوضوح بحيث يفهمه كل واحد.
ومن الشروط التي تساعد في فهم الأحاديث هي المعرفة التامة باللغة العربية، كما قلنا، ومعرفة قواعدها واستعمال ألفاظها قديمة كانت أو حديثة.
وجاء في الآثار أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يوصي أمراءه في الأقطار بحفظ الأدب الجاهلي واتقان اللغة العربية، كما كان يأمرهم بالعمل بفرائض الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك يشترط في معرفة الأحاديث الإلمام بترجمة المحدثين وعصرهم الذي عاشوا فيه. ومن الضروري لمن يشتغل بدراسة الأحاديث أن يعرف أيضا أسماء الصحابة والرواة وألقابهم وقبائلهم وعصورهم وتاريخ ولادتهم ووفاتهم.

انتشار الأحاديث النبوية في بلاد ما وراء النهر
بعدما استقر الدين الإسلامي في أرجاء هذه البلاد أخذ يزداد عدد المحدثين ورواة الأحاديث الذين تركوا للأجيال التي فيما بعدهم علوما جمة من أساليب رواية الحديث. ولا شك أن من أعظم المحدثين للقرن الثالث الهجري كان فخر الأمة الإمام محمد بن اسماعيل الذي ولد عام 194 في مدينة بخارى وتلقى علومه الاولية فيها، ثم قضى جل حياته في طلب الحديث مترددا بين مختلف المدن للعالم الإسلامي كخراسان والعراق والشام والحجاز ومصر وغيرها، حيث اجتمع خلالها بالمحدثين الكبار ورواة الحديث في ذلك العصر وبفضل موهبته الإلهية وقدرته العظيمة كان قد بلغ المرتبة العالية في معرفته لأحاديث الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم كما يروى أن الإمام البخاري اجتمع في مجموع أسفاره ورحلاته إلى ما يزيد على ألف من المحدثين ورواة الحديث وأخذ عنهم عشرات الآلاف من الاحاديث النوية الشريفة. وقد أخذ الإمام البخاري الحديث كذلك لدى الإمام احمد بن حنبل رضي الله عنه.
ويروى أنه حينما وصل في آخر حياته إلى بغداد أحاطه عدد كبير من المحدثين وجرى بينه وبينهم – ما هو مذكور في الكتب – من الامتحان والمناقشات في علوم الحديث ورواته، فأعربوا عن إعجابهم الكامل بمعرفة الإمام البخاري بالأحاديث النبوية.
وان معاصري البخاري كانوا على إعجاب من أنه كان يحفظ حوالي مائة ألف حديث صحيح وحوالي مائتي ألف من الأحاديث دون ذلك، وان أئمة المحدثين كالإمام مسلم والإمام الترمذي وغيرهما أخذوا الحديث عن الإمام البخاري وكانت مجالسه غاصة بالمئات من الطلبة والمستمعين.
وان الإمام كان على جانب عظيم من الأخلاق السنية. وانه حينما بلغ آخر حياته عاد إلى مسقط رأسه بخارى حيث أحاط به عدد كثير من محبي الحديث وأخذ يروي لهم الأحاديث فدعاه أمير بخارى خالد بن أحمد اليماني وأمره أن يحدث أبنائه في القصر ولكن الإمام البخاري بد طلب الأمير. وهذا ما بعث الأمير إلى نفي الإمام البخاري من المدينة فتوجه الإمام إلى جانب سمر قند بطلب من أهاليها، ولما وصل إلى قرية خرتنك على مسافة غير بعيدة منها توفاه الله في سنة 256 هجرية في آخر شهر رمضان المبارك وقبره الآن معمور بالزوار وهو تحت رعاية الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وقازاغستان.

مؤلفات الإمام البخاري
من مؤلفات الإمام البخاري: «الجامع الصحيح» و«الأدب المفرد» و«أسماء الصحابة» و«كتاب أفعال العباد» و«كتاب بدء المخلوقات» و«كتاب بر الوالدين» و«كتاب الثقاة والضعفاء» و«تاريخ بخارى» و«كتاب الثلاثيات» و«الجامع الكبير» و«كتاب خلق أفعال العباد» و«كتاب القراءة خلف الإمام» و«كتاب الكنى» و«كتاب الهبة» و«كتاب المسند الكبير» وغير ذلك.

الأدب المفرد
وقد سمى الإمام البخاري أحد أبواب الجامع الصحيح «بكتاب الأدب» وأورد فيه الأحاديث المتعلقة بالأخلاق والآداب الاجتماعي بما يربو على ثلاثمائة حديث في 168 باب. ولكن سعة هذا الموضوع الديني الاجتماعي قد اقتضت أن يفرد له كتاب خاص، فألف كتابه الشهير «الأدب المفرد» وجمع فيه 1366 حديثا في ستمائة وأربع وأربعين بابا. وتمسك في تألفيه بأسلوب كتابه «الجامع الصحيح» وبوب فيه الأحاديث حسب مواضيعها وآثار الصحابة وأورد عند بعض الأحاديث آيات من القرآن الكريم.
وقد أنجب بلاد «ما وراء النهر» عددا لا يحصى من العلماء العباقرة في مجالات شتى من العلوم والآداب وخاصة اشتهر هذا البلد بعلمائها الأفذاذ في علم الحديث والتفسير والفقه وأصول الفقه واللغة العربية. ونشكر الله عز وجل. بأن أسماء هؤلاء العلماء الأجلاء العظام لا تزال تذكر بكل تقدير في صفحات التاريخ ويشغل مكان الصدارة في صفوف هذه العباقرة الإمام أبو عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري (254،194) إمام المحدقين وفخر الأمة الإسلامية جمعاء. والحافظ أبي عيسى الترمذي من ترمذ (159-279ه). والإمام الحافظ أبو بكر محمد بن علي القفال الشاشي من طشقند (291-366 ه) وأبو اسحاق ابراهيم المروزي (المتوفى 340 ه) والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه من مرو (164-214 ه) والعلامة أحمد بن محمد الخوارزمي (484-593 ه) والإمام احمد بن شعيب النسائي (614-303 ه) وأبو بكر بن عبد الله الدبوسي البخاري (المتوفى 470 ه) والشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا البخاري (370-430 ه) وأبو الريحان السيروني الخوارزمي (626-443 ه) وأبو النصر بن ترخان الحكيم الفارابي الاتراري (المتوفى 339 ه) والمفسر الشهير العلامة أبو القاسم محمود الزمخشري الخوارزمي (467-443 ه) وغيرهم ممن خدموا الإسلام والمسلمين وتركوا آثارا جليلة، يرحمهم الله تعالى جميعا. ولا يفوت الأذهان، أن هؤلاء العلما كانوا يمتازون بشدة التمسك والاعتصام بالقرءان الكريم والسنة والدعوة إليهما فحققوا كثيرا من الفوز والنجاح في هذا السبيل وبفضل مجهودهم الجبار نشأ بعده علماء تركوا آثارا ثقافية ودينية ضخمة.
ولكن حينما ننظر إلى ثلاثة عصور مضت قبلنا نجد أن آثار هؤلاء العلماء الأجلاء العظام أصبحت مرفوضة وصار العلم عبارة عن التقليد المحض، والشرع الإسلامي أسبح آلة في يد الامراء والملوك في هذا البلد فأصبحوا يستخدمون مبادئها الغراء في منافعهم الشخصية ومصالحهم الخاصة وأدنوا من انفسهم رجال الدين المزيفين وأبعدوا عنهم العلماء المحدثين وهكذا أصبح الإسلام غريبا في بلده، فضل الناس بضلال علمائهم وعم البلاد البدع والخرافات والنزاع المذهبي، وانحصر تدريس العلوم الدينية على كتب الفقه والأصول والمنطق وعلم الكلام فحسب، والعلماء كانوا يبثون بين المسلمين روح التعصب المذهبي. ولو أن بعض المدارس الدينية ببخارى وسمرقند وطشقند كانوا يدرسون التفسير لبعض الآيات والأحاديث ولكنها هذه أيضا كانت تدرس لأجل دراسة الأساليب النحوية والبلاغية لهذه الآيات والأحاديث. وظهرت ادعاءات بين العلماء في أنه «لا يجوز ترجمة الآيات القرآنية إلى لغات أخرى وكانوا يدعون «أن المجتهدين من السلف قد هيئوا لنا كل شيء ولا يجب على الخلف ان يجتهدوا» وبل ذهبوا إلى حالة بحيث كان العلماء ينكرون على شخص «يجرؤ على دراسة معاني الآيات الكريمة والأحاديث النبوية ويتهمونه بأنه مارق من الدين.
وهكذا كان الحال حينما قدم إلى هذا البلد في أواخر القرن الماضي المحدث الجليل السيد علي بن عبد الظاهر الوتري المدني الذي انعش روح الحب والعمل بالأحاديث بين علماء ما وراء النهر، ثم تلاه العالم الجليل عام 1910م وهو المحدث الكامل والعالم الشهير الشيخ سعيد بن محمد العسلي الطرابلسي أستاذي وأساذ كثير من العلماء المحدثين، وأخذ العلماء يتلقون علومهم من الحديث والآيات عند هذا الأستاذ الجليل ويبلغون مبادئ القرءان والحديث إلى أفكار عامة المسلمين في أرجاء البلاد فأخذا يسلكون الطريق القوي في تمسكهم بمبادئ الدين الإسلامي.
ويجدر بنا أن نقول أن الورثة الحاليين لأمجاد البلد بفضل عملهم الدائب واجتهادهم المثمر أصبحوا يدخلون في كافة مجالات العلوم العصرية مثلا الكيمياء، والتكنيك والرياضيات وغيرها وكسبوا شهرة عالمية منهم يوسف وعبد الله يف وغيرهما كثير.. والله ذو الفضل العظيم.
ونظرا إلى الرغبة في معرفة الأحاديث بين مسلمي بلادنا التي تزداد عاما بعد عام قررنا أن نطبع هذا الكتاب «الأدب المفرد» للإمام أبي عبد الله اسماعيل بن محمد البخاري كي يكون أيضا مادة تدرس للأخلاق الكريمة والآداب الإسلامية في معهدنا الديني بمدينة بخارى والله ولي التوفيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here