islamaumaroc

موقف القرآن والرسول من الشعر

  دعوة الحق

العددان 133 و134

ليس بخفي الأثر البالغ الذي كان للشعر في المجتمع العربي قبل الإسلام. فعد لذلك ديوان العرب الذي يحفل بمفاهيمها، ويزخر بأحداثها.
والشعر لأهميته تلك، كان يسترعي موقفا محددا من الدعوة الإسلامية في باكر فجرها
ولقد وقف الإسلام من سائر المثل العليا عند العرب موقفه الواضح، الصارم. وكان الشعر العربي من تلك المثل، بمثابة الصرح المتماسك ينضح مضمونه بقيم القوم الأخلاقية، بشدها إليه شكل من فن القول متراص، يوشك أن يمثل بدوره واحدة من تلك القيم. فقد اذخر فيه ذووه كل ما يمكن أن يقولوه. وثقفوا من شكله وصقلوه، بما شحذوا منه مضاء اسمع من السيف، في مجتمع تهزه الكلم فتشعله حربا، أو تجنح به إلى السلم.
ولم يكن على الإسلام ضير لو قبل بالشعر فنا جميلا للقول، ولكن موقف الإسلام من مضمون الشعر يفصح عن التحديد الجديد لمفهوم مهمة الفنون الجميلة في الإسلام. وهو تحديد على ضوئه يضمن القرآن والرسول كفالة الشعر.
فالإسلام يرفض منهج الفن للفن من جميع الوجوه. وقيد الجمال في القول – كما في الفعل – بالأخلاق. وهو يحتضن الشعر فنا جميلا للقول، ولكنه يشترط عليه الصدق في المضمون، وفق المثل الجديدة في الإسلام. وقد خصه الله بآيات، منها في سورة الشعراء بالقرآن الكريم قوله: «والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا، وانتصروا من بعد ما ظلموا» فالإسلام قد حكم على الشاعر الذي تعود أن يهيم في كل واد، بحيث يقول ما لا يعتقد به، ويدخل في مهاجاة طائشة فينتصر له قوم، وقوم آخرون ينتصرون للخصم، وهو حكم أيضا على الشاعر الذي يمدح قوما بباطل ويذم قوما بباطل. وقد فسر الرسول عليه السلم الآية للشعراء من المومنين، حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحه، حينما جاء بعضهم إلى الرسول يبكون، ويسألونه: قد علم الله جين أنزل الآية أنا شعراء!.. فتلا الرسول قول الله: «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا» ثم قال الرسول: أنتم. مؤكدا لهم بأنهم –هم- ليسوا من الشعراء الذين يتبعهم الغاوون وليسوا من الذين يهيمون في كل واد، ولا هم ممن يقولون ما لا يفعلون. وبذلك أوضح –عليه السلام- بأن الحكم في الآية منصب على الصفات ومن يتصف بها شاعر كان أم غير شاعر، وليس منصبا على الشعراء إطلاقا. بل إن الشعراء من الجاهليين أنفسهم مثل عبد الله بن الزبعري، وأبي سفيان بن الحارث اللذين كانا يتصديان في للرسول وللإسلام، فإنهما بإسلامهما ومدحهما للرسالة وصاحبها قد دخلا في نطاق من استثني من الذم. فالإسلام لم يكن ليربط في أحكامه من يستوجب التطهير بمن لا يستوجبه.
لقد كان الإسلام حريصا إذن على أن يحفظ لهذا الفن الجميل نصاعته، وقوة تأثيره ولذلك أضفى عليه الإسلام هيبة أخرى تصون حرمته التقليدية وتتلاءم والمثل العليا في الإسلام.
وإن نظرية الفصل هذه بين المضمون والشكل، في حكم الإسلام على الشعراء وفي حكمه له لم تتأثر بعامل ذاتي على الرغم من أن بعض الكفار قد ضلوا عن فهم طبيعة أسلوب القرآن وتقديره «بل قالوا أضغاث أحلام، بل افتراه، بل هو شاعر» - كما في سورة الأنبياء – حكاية لما تخرصوه فجاء في القرآن ما يبطل وهمهم، فقال تعالى في سورة يس: «وما علمناه الشعر وما ينبغي له، إن هو إلا ذكر وقرآن مبين». وقال تعالى في سورة الحاقة: «إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ما تومنون ولا بقول كاهن، قليلا ما تذكرون، تنزيل من رب العالمين». وهكذا قال في سورة الشعراء: «وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين». إلى أن قال: «هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون، والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون». ولكن الإسلام مع ذلك كله لا يذم الشعراء الذين يتعانون فنا جميلا، لمضمون ملتزم بالتعاليم الإسلامية. وقد استمرت الآيات في نفس السورة بقول الله: «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا» وكانت الغاية من هذه الآيات الكريمة التي تخص الشعر والشعراء، واضحة من تعاليم الإسلام في بندين اثنين:
أولهما: أن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بكاهن ولا بشاعر، لأن حاله مناف لحالهم. وبطليعته هذه فإنه القرآن الذي أنزل عليه ليس شعرا ولكنه كلام الله. وبمثل هذا يؤول المفسرون الحديث المنسوب إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأن يمتلي جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلي شعرا.
ثاني البندين: الهجوم الهادف على مفاهيم الشعر الجاهلية، ثم التشجيع على التزام الإيمان والصلاح والدعوة إلى خلق الإسلام فيما يجد من الشعر، والأفخر من الشعر للمرء اختلال دمه وهلاكه.
ولقد كان الرسول – عليه السلام – في تمام الوضوح حينما فصل بين موقف الإسلام من الشعر في قيمه الجاهلية، وبين موقف الإسلام من الشعر فيما يجب أن يلتزمه من قيم إسلامية وكان – من جملة وضوحه – نقده لشعر الثلاثة المومنين عبد الله بن رواحه، وكعب بن مالك وحسان بن ثابت. بأنه – كما قال عليه السلام – حكمة وليس شعرا، وهو بذلك يهدف إلى تحويل المفهوم الجاهلي المحدد للشعر من اسمه، إلى مفهوم جديد يلفت إلى اسمه الطريف انتباها، مثلما يلفت إلى موضوعه الجديد الانتباه. وهو – عليه السلام – حينما يصنف فن هؤلاء الثلاثة بأنه حكمة لم يغب عنه بأن فنهم ماض في شكله على النسق الذي يمضي عليه الشكل الفني للشعر عند السلف والخلف سوسية. وذلك بدليل قوله صلى الله عليه وسلم معلقا على شعر قاله عويف يهجو به قوما: قال – أو كما قال – الرسول: «من قال في الإسلام شعرا مقذعا فلسانه هدر» فالحكم في الإسلام للشعر أو عليه إنما يهدف للمضمون، وليس ينكر الشكل أبدا. وحجة هذا، قبول الرسول – صلى الله عليه وسلم – الشعر ممن يقوله إسلاميا، حتى وإن كان قبل ذلك ابن أبي أسيد الشاعر، يوم وفد عليه عند فتح مكة مسلما ومنشدا:
وما حملت من ناقة فوق رحالها
أبر وأوفى ذمة من محمد
بعد أن كان هجاء للحضرة نفسها. ولكن الرسول عليه السلام قبل شعره الجديد كما كان يتقبله – معجبا به – من بعض الشعراء الجاهليين، ويتمثل ببعض ما فيه. فقد روي أنه – عليه السلام – كان يمشي بين القتلى يوم بدر وهو يقول:
نفلق هاما... نفلق هاما...
فيتم أبو بكر الصديق البيت:
عن رجال أعزة
علينا، وهم كانوا أعق وأظلما
وهو شعر جاهل من الحماسة.
وروي بأن النبي – عليه السلام – قال على المنبر: «أشعر كلمة قالتها العرب، قول لبيد: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل».
هذا وأن الرسول عليه السلام مع تذوقه لشعر فأنه لم تكن لديه جبلة على حفظه بإيقاعه الموسيقي. ولذلك روى كتاب السيرة أنه كان –عليه السلام- لا يحفظ بيتا على وزن منتظم، وبهذا يشرح المفسرون قول الله تعالى عنه:
«وما علمناه الشعر وما ينبغي له» من سورة يس –فإذا تمثل بالشعر فببعض البيت، أو بمعناه، ومن ذلك تمثله –عليه السلام- بقول الشاعر:
كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا
فيقول له أبو بكر: يا رسول الله:
كفا الشيب والإسلام للمرء ناهيا. والشعر من قول عبد بني الحسحاس:
عميرة ودع ان تجهزت غاديا
      كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
ويروى أن الشاعر أنشد هذا البيت بين يدي عمر فقال له عمر لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك.
وقد روي عن أم المؤمنين عائشة قالت: ما جمع رسول الله بيت شعر قط إلا بيتا واحدا:
تفاءل بما تهوى، يكن فلقلما
يقال لشيء كان ألا تحققا
وقد وفد على النبي شعراء كثيرون، أسلموا وأنشدوا الشعر في مجلسه، من بينهم النمر بن تولب وحميد بن ثور الهلالي كما كان –عليه السلام- لا يمانع في أن يبدى الرأي بمجلسه في تمييز الجيد من الشعر. وكان لامرئ القيس نصيب مما أبدي الرأي فيه من الشعر بمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا
لدى وكرها العناب والحشف البالي
ولم يكن –عليه السلام- يخفي إعجابه بالشعر الملتزم ينشد بين يديه يثيب عليه كعب بن زهير بالبردة التي يرتديها عليه السلام. كما كمان يجيز عليه بالإنصات الطويل إلى بعض صحابته وهو ينشد مائة بيت من الشعر، يقول عليه السلام عقب كل بيت: هيه! تذوقا واستزادة، فيزيده الشاعر من ذلك. وقد يثيب على قول الشعر الملتزم بما هو أعظم من البردة والإنصات معا، يثيب عليه بما وعد به المتقون يوم القيامة. فإنه عليه السلام حينما أنشده حسان بن ثابت همزيته التي ينافح فيها عن الرسول، وانتهى الشاعر إلى قوله مخاطبا عدو الإسلام: عدو الرسول:
هجوت محمدا فأجبت عنه
      وعند الله في ذاك الجزاء
قال له الرسول: جزاؤك على الله عز وجل الجنة يا حسان..
فلما انتهى حسان إلى قوله:
فإن أبي ووالدتي وعرضي
      لعرش محمد منكم وقاء
قال له الرسول عليه السلام نظر في تقييم ما قد يسمعه من الشعر، فقد أنشد بين يديه بيت عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
      فكل قرين بالمقارن يقتدي
فقال عنه: كلمة نبي ألقيت على لسان شاعر: إن القرين بالمقارن مقتدي ومن ذلك ما قاله عليه السلام عن بيت طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا
      ويأتيك بالأخبار من لم تزود
في أن معناه من كلام النبوة:
وأنشد الرسول النابغة الجعدي قوله:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له
      بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
      حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال له الرسول: لا يفضض الله فاك. فعاش مائة وثلاثين سنة لم يتنغض له ثنية.
وقد دافع الرسول –عليه السلام – عن الشعراء الملتزمين الذين كانوا يحمون الإسلام ومحمدا عليه الصلاة والسلام وكان يشجع حسان بن ثابت على هجو قريش، ويقول له:
اهجهم – أو قال هاجهم – وجبريل معك. ذلك بأن المومن هو الذي يجاهد بسيفه ولسانه –كما قال عليه السلام- وقال عن هؤلاء الشعراء «الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا» قال –صلى الله عليه وسلم- عنهم «والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به من نضح النبل» وذلك لأن الشعر في الإسلام منه ما هو مشروع وهو الشعر الذي يهجو المشركين، والشعر الذي يتوافر على حكم ومواعظ وآداب.
والإسلام والرسول لم يمزج قط في التشريع بين المضمون والشكل فيما يصدره من أحكام على الشعر فإنه عليه السلام حينما قال عن أمية بن أبي الصلت: آمن شعره وكفر قلبه، كان دقيقا أيضا في تمييز المنبوذ من المقبول. وقد كان شعر أمية في هذا الحكم النبوي مقبولا شكلا ومضمونا.
ولكن الشكل المرفوض في هذا الحكم هو الشخص الشاعر نفسه، هو القلب من أمية الشاعر، ذلك الذي لم يومن، وكفر، أما الشعر المومن فمقبول حتى وإن كان من كافر.
وفي هذا الحكم ما لا يخفى من التدقيق في مسطرة سير القضاء كما أنه واضح في كونه لا يلحق غبنا بالشعر فنا جميلا للقول الملتزم. بل إن الإسلام قد حدد منذ فجره الباكر أهمية فن القول موازيا له بوسائل حمي الحمى التي تقصد الدفاع عن المعتقدات والمثل العليا في الإسلام.
وهكذا يمكننا القول، بأن الإسلام قد زكى ذلك الأثر البالغ الذي كان للشعر في المجتمع العربي قبل الإسلام. وان القرآن الكريم والرسول محمدا عليه السلام قد وجها الشعر إلى ما فيه مصلحة الجماعة الإسلامية فبذلك يكمل طابعه الجمالي في الإسلام.
وبذلك يكون الإسلام أول من دعا إلى نبذ منهج الفن من أجل الفن، وحتم سلوك منهج الالتزام في صياغة الفنون الجميلة.
«إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون».

المصادر:
فسر لنا الآيات وأمدنا بمعلومات عنها وعن الأحاديث كتب ابن كثير وسيد قطب وابن هشام وحققنا الشواهد والأحداث لمدى الأغاني وحلية المحاضرة للحاتمي والعقد الفريد لابن عبد ربه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here