islamaumaroc

السلطان نور الدين زنكي السلجوقي -4-

  دعوة الحق

العددان 133 و134

« غزواته العديدة، وفتوحاته السعيدة، وما جرة في زمانه من الأمور الغريبة، والحوادث العجيبة، من ولادته إلى وفاته (على سبيل الاختصار)»

- سنة إحدى عشرة وخمسماءة –
ولد فيها نور الدين محمود.
وفيها زلزلت أربل وبغداد وغيرهما من البلاد المجاورة لهما زلزلة عظيمة، ووقع بالجانب الغرب من بغداد دور وحوانيت على أهلها.
وفيها هجم الفرنج على ربض حماة، وقتلوا خلقا كثيرا، ورجعوا إلى بلادهم.
وفيها توفي السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي، سلطان بلاد العراق وخراسان وغير ذلك من البلاد الشاسعة، والأقاليم الواسعة. وكان من خيار الملوك، وأحسنهم سيرة، وقام بالأمر بعده ابنه محمود، وله أربع عشرة سنة، وفرق خزائنه في العسكر، وقيل: كانت أحد عشر ألف ألف دينار عينا، وما يناسب ذلك من العروض.

- سنة اثنتي عشرة –
فيها مات الفرنجة المسمى بغدوين الذي افتتح القدس، وكان جبارا خبيثا شجاعان هم بالاستياء على مصر، وسار في جموعه حتى وصل إلى بلبيس (إحدى المدن المصرية شرق الدلتا) ثم رجع عليلافمات، فشقوه وصبروه، ورموا حشوه هناك، قال الذهبي: فهو يرجم إلى اليوم، ودفن بالقمامة. وتملك القدس بعده القمص صاحب الرها، وكان قد قدم إلى هذه المدينة زائرا، فوصى بغدوين له بالملك من بعده.
وفيها توفي الخليفة المستظهر بالله، وولى بعده ولده أبو الفضل منصور ولقب بالمسترشد بالله. ومن الاتفاق الغريب أنه لما مات السلطان الب أرسلان مات بعده الخليفة القائم، ثم لما مات السلطان ملكشاه مات بعده المقتدى، ثم لما مات السلطان محمد مات بعده المستظهر بالله هذا.
وفيها كان حريق كبير ببغداد، احترقت الريحالتان، وميجد ابن عبدون.

- سنة ثلاث عشرة –
وفيها انفصل عن الحلة الأمير أبو الحسن بن المستظهر بالله، فمضى معه جيش، وتملك وأسط وأعمالها، وجنى الخراج، وقد شق ذلك على الخليفة ، الذي كلف أحد قواده بالسير إليه، في جيش عظيم، فلما سمع أبو الحسن بذلك ترحل من واسط في عسكره ليلا، وضلوا الطريق وساروا ليلهم أجمع حتى وصلوا إلى عسكر دبيس، وهو قائد في قاعدة حربية هامة للدولة، فلما لاح لهم العسكر انحرف أبو الحسن عن الطريق، فناه مع عدد من خواصه، وذلك في شهر تموز، ولم يكن معهم ماء، فأشرفوا على التلف، فأدركه نصر بن سعد الكردي فسقاه حتى عادت نفسه إليه، ونهب ما كان معه من مال، وحمله إلى دبيس بالنعمانية، وبعث به على المسترشد بالله بعد تسليم عشرين ألف دينار قررت له، وكانت فترة عصيانه احد عشر شهرا، وشهر وزيره ابن رمهويه على جمل، ثم قتل في الحبس. ودخل الأمير أبو الحسن على أخيه المسترشد بالله، فقبل قدمه، فبكيا جميعا، ثم قال له: فضحت نفسك، وباعوك مع العبيد. وأسكنه في داره التي كان فيها وهو ولي عهده، ورد جواربه وأولاده، وأحسن السيرة إليه، ثم شدد عليه بعد ذلك.
وفيها خطب بولاية العهد للأمير أبي جعفر منصور بن المسترشد بالله، وله اثنتا عشرة سنة.
وفيها سارت الفرنجة إلى مدينة حلب، ففتحوها وملوكها، وقتلوا من خلقها الكثير، فسار إليهم صاحب ماردين أيلغاري بن أرتق في جيش كثيف، فهزمهم عنها، ولحقهم إلى جبل قد تحصنوا فيه، فقتل فيمن قتل سرحان صاحب أنطاكية، وحمل رأسه إلى بغداد.
وفيها ظهر قبر سيدنا إبراهيم الخليل، وقبر إسحاق ويعقوب، صلى الله وسلم عليهم، ورءاهم كثير من الناس لم تبل أجسادهم، وعندهم في المغارة قناديل من ذهب وفضة، قاله حمزة بن أسد التميمي في تاريخه (على ما حكاه ابن الأثير).

- سنة أربع عشرة –
فيها كانت وقعة عظيمة بين الكرج والمسلمين بالقرب من تفليس، فقتلوا من المسلمين خلقا كثيرا وغنموا أموالا جزيلة، وأسروا نحوا من أربعة آلاف أسير، ونهب الكرج تلك النواحي، وفعلوا أشياء منكرة، وحاصروا تقليس مدة، ثم ملكوها عنوة بعدما أحرقوا القاضي والخطيب حين خرجا إليهم يطلبان الأمان، وقتلوا عامة أهلها، وسبوا الذرية، واستحوذوا على الأموال.
وفيها خطب السلطان سنجر، ولابن أخيه السلطان محمود معا في موضع واحد، وسمي كل واحد «شاهنشاه» (ملك الملوك)ن ولقب سنجر «عضد الدولة»، ولقب محمود «جلال الدولة».

- سنة خمس عشرة –
فيها انقض كوكب عظيم صارت من ضوئه أعمدة عند انقضاضه، وسمع له عند ذلك صوت هدة كالزلزة.
وفيها هبت بمصر ريح سوداء ثلاثة أيام، فأهلكت خلقا كثيرا من الناس والدواب والأنعام.
وفيها كانت زلزلة عظيمة بالحجاز، تضعضع بسببها الركناليماني – زاده الله شرفا- وتهدم سيء من حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الشريفة.
وفيها احترق باصبهان جامع كبير انفقت عليه أموال كثيرة، يقال: انه غرم على أخشابه ألف ألف دينار، وفي جملة ما احترق فيه خمسمائة مصحف ثمينة، منها مصحف أبي بن كعب رضي الله عنه.
وفيها كانت ببغداد أمطار عظيمة متوالية، ثم وقع ثلج عظيم، وكثر حتى كان علو ذراع. قال ابن الجوزي: وقد ذكر في كتابنا هذا، يعني «المنتظم» أن الثلج وقع في سنين كثيرة في أيام الرشيد وفي أيام المقتدر وفي أيام المطيع والطائع والقادر والقائم، وما سمع بمثل هذا الواقع في هذه السنة، فانه بقي خمسة عشر يوما ما ذاب، وهلك شجر الأترج والليمون، ولم يعهد سقوط ثلج بالبصرة إلا في هذه السنة.
وفيها جلس الخليفة المسترشد في دار الخلافة في أبهة عظيمة، والبردة على كتفه، والقضيب بين يديه، وجاء الاخوان الملكان محمود ومسعود ابنا محمد بن ملكشاه، فوقفا بين يديه، وقبلا الأرض، فخلع على محمود سبع خلع بطوق وسوارين، وتاجا، وأجلس على كرسي، ووعظه الخليفة، وتلا قوله تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» وأمره بالإحسان إلى الرعية، وعقد له الخليفة اللواء بيده، وقلده الملك، وخرجا من بين يديه، ونزلا إلى دارهما والجيش بين أيديهما في أبهة عظيمة.
وفيها قتل الملك الأفضل أحمد بن أمير الجيوش بدر الجمال مدبر دولة الفاطميين، وخلف من الأموال ما لم يسمع بمثله. قال ابن خلكان: خلف ألف ألف دينار عينا، ومائتين وخمسين أردبا دراهم، وسبعمائة ألف ثوب أطلس ديباج، وثلاث حقاق ذهب مراق ودراة ذهب فيها جوهر قيمته اثني عشر ألف دينار ومائة مسمار ذهب ووزن كل مسمار مائة مثقال في عشر مجالس في كل مجلس عشرة، على كل مسمار منديل على لون من الألوان، أيما أحب منها لبسه. وخمسمائة صندوق لبس بدنه.  وخلف من الرقيق والخيل والبغال والمراكب والطيب والحلين وغير ذلك ما لا يعلم قدره إلا الله. وخلف من البقر والجواميس والغنم ما يستحيي الإنسان من ذكر عدده، وبلغ ضمان ألبانها في السنة ثلاثين ألف دينار، ووجد في تركته صندوقان كبيران فيهما ابر ذهب برسم النساء والجواري.

- سنة ست عشرة –
فيها قتل وزير السلطان محمود أبو طالب السمرقندي، قتله باطني، وكان قد برز للمسير إلى همدان.
وفيها ظهر معدن النحاس بديار بكر، قريبا من قلعة ذي القرنين.

- سنة سبع عشرة –
فيها ظهر الباطنية بآمد، فقاتلهم أهلها فقتلوا منهم سبعمائة نفس، ولله الحمد..
وأخذت الفرنج مدينة صور من طغتكين بعد حصارشديد، واستنجد هذا القائد بالمصريين فما نجدوه. ولما اشرف أهلهاعلى الهلاك راسل طغتكين ملك الفرنج على أن يسلمها إليه، ويمكن أهلها من حمل ما يقدرون عليه من الأمتعة، فاجابه إلى ذلك، ووفى بالعهد، وتفرق اهلها في البلاد، ودخلها الفرنج في الثالث والعشرين من جمادى الأولى، وكانت من أمنع حصون المسلمين، ودامت في يد الفرنج إلى سنة تسعين وستمائة.

- سنة تسع عشرة –
فيها قتلت الباطنية القاضي أبا سعد محمد بن نصر بن منصور الهروي بهمذان وكان قد أرسله الخليفة إلى السلطان سنجر ليخطب له ابنته.

- سنة عشرين وخمسمائة –
فيها استفحل أمر بهرام داعي الباطنية بحلب والشام، وعظم الخطب، ثم التمس من طغتكين حصنا احتمي به، فأعطاه بايناس فصار إليها، وتجمع إليه أوباش، فعظمت البلية به وبهم، وتألم العلماء وأهل الدين، وأحجموا عن الكلام فيهم، والتعرض لهم خوفا من شرهم، لأنهم قتلوا جماعة من الأعيان، وصاروا بحيث لا ينكر عليهم ملك ولا وزير.

- سنة احدى وعشرين –
فيها جاء الخبر بأن السلطان سندر قتل من الباطنية اثني عشر ألفا، وقتلوا وزيره المعين، لأنه كان يحرض عليهم وعلى استئصالهم، فتحيل رجل منهم وخذم سائسا لبغال المعين، فلما وجد الفرصة وثب عبه وهو مطمئن، وقتل بعده. وكن هذا الوزير ذا دين ومروءة وحسن سيرة.
وفيها فوض السلطان محمود شحنكية بغداد إلى عماد الدين زنكي والد نور الدين، ثم ولي بعد موت عز الدين مسعود بن آق سنقر البرسفي في هذه السنة الموصل، فرتب الأمور على أحين نظام، وأحكم قاعدة ، وكان الفرنج قد اتسعت بلادهم، وكثرت أجنادهم، وامتدت إلى بلاد المسلمين أيديهم، وضعف أهلها عن كف عاديتهم، وتتابعت غزواتهم، وامتدت مملكتهم من ناحية ماردين وشبختان إلى عريش، ولم يتخللها من ولاية المسلمين غير حلب وحماه وحمص ودمشق، وكانت سراياهم تبلغ ديار بكر إلى آمد، ومن الجزيرة على نصيبين وراس عين. وأما أهل الرقة فقد كانوا معهم في ذل وهوان. وانقطعت الطرق إلى دمشق إلا على الرحبة والبرية، ثم زاد الأمر، وعظم الشر حتى جعلوا على اهل كل بلد جاورهم خراجا، ثم لم يقتنعوا بذلك حتى أرسلوا إلى دمشق، واستعرضوا الرقيق ممن أخذوا من الروم والأرمن وسائر بلاد النصرانية، وخيروهم بين المقام عند أربابهم وبين العود إلى أوطانهم، فمن اختار المقام تركوه، ومن آثر العودة إلى أهله أخذوه، وناهيك بهذه الحالة ذلة للمسلمين. وأما أهل حلب فإن الفرنج أخذوا منها مناصفة أعمالها، حتى في الرحي التي كانت على باب الجنان، وبينها وبين المدينة عشرون خطوة وأما باقي الشام فكان حالها أشد من حال هذين البلدين. فلما نظر الله سبحانه وتعالى إلى بلاد المسلمين، وولاها عماد الدين زنكي غزوا الفرنج في عقر ديارهم وأخذ للموحدين منهم بثأرهم واستنقذ منهم حصونا ومعاقل.
وفيها ملك عماد الدين زنكي والد نور الدين مدينة حلب وما حولها من البلاد.
وفيها تحارب الخليفة والسلطان محمود ببغداد، فثارت العوام مع جيش الخليفة، فكسروا جيش السلطان، وقتلوا خلقا من الامراء، وأسروا آخرين، ونهبوا دار السلطان محمود ودار وزيره، وجرت خطة عظيمة جدا، ونالت العامة من السلطان، وجعلوا يقولون له: يا باطني، تترك الفرنج والروم، وتقاتل الخليفة!! ثم حصل الصلح بينهم، وتحالفوا، ودخل جيش السلطان بغداد في غاية الجهد من قلة الطعام عندهم في العسكر، وقالوا: لو لم نصالح لمتنا جوعا، وظهر من السلطان حلم كبير على العامة.

- سنة اثنين وعشرين –
فيها فتح عماد الدين زنكي جزيرة ابن عمر، ثم مدينة أربل، وعظم شأنه، واتسعت دولته.

- سنة ثلاث وعشرين –
فيها ملك عماد الدين زنكي سنجار والخابور والرحبة، وافتتح نصيبين.
وفيها أظهر زنكي أنه  يريد جهاد الفرنج، وأرسل إلى تاج الملوك بوري يستنجده، فبعث له عسكرا، بعد أن أخذ عليه العهد والميثاق، وأمر ولده سونج أن يسير إليه من حماة، ففعل، فأكرمهم زنكي، وطمأنهم أياما، ثم غدر بهم، وقبض على سونج وعلى أمراء أبيه، ثم غدر بهم، وقبض على سونج وعلى أمراء أبيه، ونهب خيامهم، وحبسهم بحلب، وهرب جندهم، ثم سار ليومه إلى حماه، واستولى عليه، ونازل حمص، وحاصرها مدة فلم يقدر عليها، فرجع إلى الموصل، ولم يطلق سونج ومن معه حتى اشتراهم تاج الملوك بوري منه بخمسين ألف دينار، قال الذهبي: ثم لم يتم ذلك. ومقت الناس زنكي على قبيح فعله. وحكة صاحب الروضتين عن الرئيس أبي يعلى أن زنكي طلب في إطلاق سراح سونج وأصاحبه خمسين ألف دينار فاتفق حضور دبيس بن صدقة من العراق منهزما، فطلبه زنكي، وأطلق من كان عنده من سونج وأصحابه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here