islamaumaroc

الشيخ محمد الثميني المجاهد التونسي الجزائري

  دعوة الحق

العددان 133 و134

شكرا لشاعر المغرب العربي الكبير الأستاذ مفدي زكرياء على اشعاره إياي بواجبي تجاه صديقنا المجاهد المرحوم الأستاذ محمد الثميني، لأنني لولا الوفاء الذي يتميز به الأستاذ مفدي لبقيت جاهلا نبأ رحيل فقيد الوطنية الصحيحة الشيخ محمد الثميني عن دنيانا الزائلة إلى دنيا الله الباقية، لولا أنه يعرف صلة الفقيد صديقه بي أنا أيضا لظللت أجهل نبأ ارتحال صديقي الثميني النائي عنا إلى جوار الله، ولحرمت ثواب الترحم عليه، وتوديعه الوداع الذي لا لقاء بعده، ولو بأسطر يخطها قلم أسيف، يمنحها من أعماق قلب حزين، تقديرا لجهاد هذا المجاهد المجهول عند الجماهير..
ان مثل الأستاذ الثميني الذي نزح مضطرا عن وطنه الأصلي وادي مزاب في الجزائر، إلى تونس بالذات ليس لأنها خضراء وأكثر خصبا من صحراء وادي مزاب، كلا بل لأنهما في الوقوع في القيد الاجنبي سواء.. ولكن تونس تمتاز بجامع الزيتونة المعمور الذي يستطيع المنكوبون بلاء الاستعمار أن يتسلحوا منه بشيء مما فيه من أدوات العلم والمعرفة اللتين لابد للمصابين بالاستعمار من اخذ الدروس اللازمة من لمعهد الزيتوني مثلا، ليتعلم فيه الإنسان أولا ما هو الدين وما هو الوطن، وأنه لا قيمة لمخلوق يجهل قيمة هذين الامرين معا، ولا سبيل بدونهما من الخلاص من قبضة الاجنبي الغشيمة ما كان أمكن لأحد أن يسلب وطننا من أيدينا وبذلنا ويجعلنا غثاء بين الشعوب والأمم، لا نحسن سوى البكاء على أمسنا، والنواح على أوطاننا، والأسى مما حل بنا، وكله وهو في الغالب يكون من صنع أيدينا!
ولم يضيع المرحوم الشيخ الثميني الوقت يمر سدى، بل أسرع إلى النهل من العلم، الاندماج مع المجاهدين التونسيين عند تأسيسهم الحزب الدستوري قبل أكثر من خمسين عاما، لأن نجاح تونس هو نجاح وفلاح للجزائر نفسها، ولكل قطر عربي وإسلامي على وجه الأرض..
وفي تلك الأيام تمت هجرتي انا أيضا من فلسطين إلى مصر نهائيا، بعدما رأيت بريطانيا تنتدب نفسها لحكم فلسطين بعد نزعها من سورية، لتقيم مكاننا دولة اليهود، التي نراها الآن تخرق عيوننا نخن العرب والمسلمين، وعلى الاخص عيون الذين خذلوا فلسطين حين كان يمكن إنقاذها بأقل التكاليف، وربما بالكلام وحده لو أمدوها بالتأييد المعنوي في الوقت المناسب.. فإذا بالشيخ محمد الخضر بن الحسين العالم التونسي المجاهد قاضي بنزرت سابقا، الذي هاجر رحمه الله من تونس قبل ذلك إلى الحجاز فإستنبول فسورية، ثم اتخذ من مصر مهجرا وموطنا عندما قضت فرنسا على الدولة العربية المستقلة في الشام سنة 1920 هو الذي اختارته مصر بعد ذلك شيخا للإسلام وللجامع الأزهر. ثم جاء العلامة الشيخ إبراهيم اطفيش مواطن الثميني رحمهما الله الذي هو أيضا من وادي مزاب، وكان مضطهدا أيضا من الاستعمار في الجزائر، ومبعدا بعد ذلك إلى تونس، ثم مبعدا إلى مصر أيضا على يد الكولونيل الشرير كمبانا مدير الأمن العام بتونس، وأغلب ظني ان ذلك الإبعاد كان في عهد المقيم العام الخبيث لوسيان سان الذي ابتلي به المغرب بعد ذلك.
ان وفود المرحوم إبراهيم أطفيش إلى مصر كان سبب الاتصال والتعارف الكتابي بين مواطنه المرحوم الشيخ الثميني وبيني، ابتداء من سنة 1924 على إثر صدور جريدتي «الشورى» بالقاهرة، لأنه كان لا بد مثل هذه الجريدة من التسلل إلى تونس تهريبا.. ثم حاجتها إلى «محطة» في تونس نفسها لتسريب الجريدة من هناك إلى الجزائر، ولذلك كانت (مكتبة الاستقامة لصاحبها محمد الثميني بنهج ابن عروس بتونس قبل نقلها إلى مقرها الثاني بسوق العطارين الذي زرت فيه الثميني مرارا بعد استقلال تونس سنة 1956.
ان نشأة الشيخ الثميني العلمية الذي تفقه في جامع الزيتونة شقيق القرويين بفاس والأزهر بمصر، وجعلته يمارس الجهاد السياسي مع أحرار تونس، قد كونت منه سياسيا وطنيا تحفظ له أوساط تونس الثائرة وعند مواطنيه في القطر الجزائري مكانة لائقة بعلمه وأمانته الوطنية، وقد رأيته في تونس ملحوظا بعناية أوساط العلم والجهاد وموقرا عند الناس..
وفيما كان الحال كذلك إذا بحادث مزعج يدخل (قبل أربعين عاما) على حياة الشيخ الثميني، وذلك ان كمبانا مدير الأمن العام بتونس يقبض على الشيخ الثميني ويسوقه إلى محكمة «الدريبة» متلبسا بتهريب جريدة الشورى إلى تونس، ثم تهريبها أيضا إلى الجزائر..
وكان الرأي العام قد جند نفسه في تونس للوقوف بعواطفه إلى جانب تونس الثميني، وتطوع عميد المحاماة إذ ذاك السيد صالح فرحات أمد الله في حياته فدافع عن «المتهم الشيخ الثميني»، وقد انتهت هذه الحادثة المزعجة على كل حال بدون عقاب لأن براعة نبغاء المحاماة المخلصة تتغلب أحيانا في مثل هذه الأمور على سوء نوايا الظالمين وتطيح بما يمكرون..
وبعد هذه الأحداث العتيقة التي تنوسيت بدون أن أنساها – إذا بي أستقبل في مكتبي بمصر بعدها نحو عشرين عاما، شيخا وجيها وقورا هو الأستاذ الثميني، ففرحت به ورحبتن وكان قد وفد إلى مصر بعد الحرب العظمى الثانية ليشتري ما جد بمصر من الكتب الجديدة وشحنها إلى تونس..
ولما أذن الله لتونس بالانعتاق من ربقة فرنسا بعد ذلك 1956 بفضل جهاد التونسيين وزعيمهم الموفق الحبيب بورقيبة أعز الله نصره، دعاني إلى زيارة تونس عندما فازت باستقلالها وتولى بورقيبة رئاسة الوزارة، وأقام لي حفلة حافلة في مسكنه الرسمي، وكان فقيدنا الشيخ الثميني من شهودها وأعلامها..
وبعد هذا كله أحب أن أجلو نقطة تتعلق بما كان يكتبه المرحوم الثميني وقيل انه كان ينشره في جريدة الشورى، فإني لا أستبعد أنه نشر فيها أشياء من قلمه بغير اسمه، أو بحروف مختزلة من اسمه، وأما الذين كتبوا للشورى ونشرته لهم علنا فإني أتذكر منهم المرحومين محي الدين القليبي الذي كتب الكثير الكثير بإمضائه وبإمضاءات شتى، والسيد عبد العزيز الثعالبي، ومصطفى بن شعبان، ومحمد الغربي، وعلي بلحارث، والشيخ صادق بسيس، وحسين الجزيري وغيرهم، رحم الله من مات منهم وأطال في حياة من بقي حيا، وأعاننا جميعا على تمضية بقية هذه الحياة بدون أن ننكب بكارثة عظمى أخرى كالتي حلت بنا سنة 1967 وحطمتنا وكسرت رأس العالم الإسلامي والعرب قاطبة، ثم قيل لنا انها «نكسة» فقط، نكس الله رؤوس أولئك الجبناء الذين تركوا للأعداء بقية فلسطين وعلى رأسها المسجد الأقصى، ثم هربوا من اليهود وفضحونا، أخزاهم الله في الدنيا والآخرة...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here