islamaumaroc

الاستشراق وقضايا الإسلام وثقافته-7-

  دعوة الحق

العددان 133 و134

حقيقة تعدد الزوجات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
أصبح من المعتاد عند المستشرقين – كموبر ودرمنجم – أثناء حديثهم عن تعدد الزوجات في الإسلام التعرض لزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كي ينفذوا إلى الطعن في شخصيته العظيمة، والتشكيك في رسالته الخالدة، وتصويره رجلا ميالا إلى إشباع نهمه الجنسي، متهافتا على رغباته الجسدية، غارقا حتى أذنيه في الشهوانية، ولكن من ينظر جيدا في هذه الأخلوقة، ويضعها تحت محك النقد العلمي، ويعرضها في أمنة مجردة من الأهواء، يلفها تحذلقا محضا، وجعجعة بلا طحن، وءاية ذلك أن سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام بعد توطيد قوائم الدعوة لم يكن بالعسير عليه أن يجمع في بيته من الفتيات الجميلات، والغيد الدعجاوات من مختلف الأجناس ما يبهر، كما  لم يكن بالعسير عليه أن يعيش في رفه العيش، ورغادة من الحياة مما لا يتسنى لأكبر ملوك الأرض طرا. فهل تحقق للرسول عليه السلام كل هذا أو بعضه، وهل بدت منه أيام الشباب بادرة من ذلك تنم عن نزوعه إلى اللهو والمجون، كما كان شباب قريش يقصدون الملذات أينما وجدوها، ومتى أتاحت لهم الظروف الانغماس في حمأتها، كلا ثم كلا، الرسول يختلف عن كل أولئك الشباب الفائر الطائش الذي لا يرى في الحياة الدنيا سوى رشفة كأس، وقبلى من خدن وإشباع النفس من الملذات. فتلك الجماعة الاستشراقية جهلت أو تجاهلت جواهر الحقائق لهذا التعدد، ومنطق الظروف التاريخية التي لابست الدعوة المحمدية في مسيرتها المباركة، وقد أشار إلى بعض هذه الظروف فليب حتى – وكم لهذا المؤرخ من دسائس حشاها كتابه تاريخ العرب – حين قال: «ومنهن من كان زواجه منها لغرض سياسي أو اجتماعــــــي» (1).
فالرسول صلى الله عليه وسلم عاش مثالا حيا للأخلاق السامية، وأنموذجا محتذى للفضائل الكريمة، لا تهمه البهرجات الخداعة، والزخارف البراقة، لأنه بغريزته الندية عرف ان ذلك إنما هو نذالة لا تجدي نفعا، لهذا حيى حياة نقية نسكية بلغت ذروة متناهية في العبادة الحق، ورغم ذلك فقد جمع بين الدين والدنيا فساس دولة بأكملها سياسة حكيمة، واضطلع بأعباء متنوعة: دعا الملوك إلى رحاب الإسلام، وجادل من جادل من أهل الكتاب، ورسم دستور الحياة للناس، وخاض غمار الحروب لإعلاء كلمة اللهن وصفوة القول: إنه كان رجلا مكتمل الرجولة، مستقيما في سيرته، عابدا لله مخلصا له بكل جوارحه، منقطعا إليه، منصرفا في فترة أخرى إلى العمل المتواصل لإقامة امة مثالية رائعة، وهذه السيرة الفاضلة السامقة أنجبت ساسة الدنيا وقادة  الرأي، وقد صدق الشارع ابن رواحة الصحابي حين
قال مبينا الحقيقة الخالدة التي ارتضعها هو وأمثاله من المدرسة النبوية الكريمة:
وفينا رسول الله يتلو كتابه
      إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا
      به موقنات ان ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه
      إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
وزواجه الأول كان بخديجة رضي الله عنها التي اصطفته زوجا لها لما عرفت عنه من أمانة ونقاوة سريرة، وصدق نفس، تزوجت به وهي في الأربعين، وكان هو في سنته الخامسة والعشرين (2) وأمضى مع هذه السيدة الفاضلة سنوات متعددة، وخلال هذه الفترة التي قضاها معها – وهي فترة جد دقيقة في حياته – لم تسول له نفسه ان يضم لفراشه امرأة أخرى في حين كان شابا تتلألأ على وجهه الشريف إمارات الفتوة الناضرة، وكان تعدد الزوجات شائعا في الجزيرة العربية  إلا أنه اكتفى بالسيدة خديجة رغم كبر سنها وقوة رجولته.
وبعد موت السيدة خديجة رضي الله عنها عدد رسول الله صلى الله عليه وسلم في زواجه مراعيا في ذلك مصالح التشريع والتأديب والشفقة على الأرامل، والملابسات السياسية بالإضافة إلى ان يكون زوجاته مرجعا للنساء في أمور دينهم إذا ما اعترضتهن مشاكلهن الدينية الخاصة، فالغرض من هذا – كما سيتبين بعد قليل – أسمى جدا مما يتصوره عقل أولئك، ولو عيب هذا التعدد على نبينا، لكن أولى أن يعاب على الأنبياء الآخرين الذين سبقوه إلى هذا كإبراهيم ويعقوب وموسى عليهم السلام.
فأم المؤمنين سودة بنت زمعة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مسنة ولم  تكن جميلة، وقد كانت متزوجة بابن عمها السكران بن عمرو من بني عامر بن لؤي ثم توفي في غربته بالحبشة (3) فضمها إليه ليعولها ويرفع مكانتها إلى مستوى أمهات المؤمنين عزاء لها على ما قاسته – من عذاب الغربية والترمل.
وأم المؤمنين السيدة عائشة (4) والسيدة حفصة تزوجها دعما لصداقته الحميمة لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وهما من هما في نصرة الإسلام، والذود عن شريعة الله والدفاع عن رسالته المقدسة.
وأم المؤمنين زينب بنت خزيمة المعروفة بأم المساكين لعطفها على الفقراء استشهد زوجها (5) في احد فأشفق عليها الرسول عليه السلام وتزوجها، بيد أنها منا لبثت أن توفيت وفيها يقول بودلي معترفا بالحقيقة: «وكان اسمها زينب بيت خزيمة وما ضمها محمد – صلى الله عليه وسلم – إلى نسائه إلا بدافع الشفقة (6).»
وأم المؤمنين زينب (7) بنت جحش ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب بنى بها مولاه ومتبناه زيد بن حارثة، بيد أنها لم ترض به زوجا لها. ولما استحالت الحياة بينهما طلقهاوتزوجها رسول الله صلى اللع عليه وسلم من غير أن تكون هناك قصة غرام ووله كما يزعم بعض أهل الأهوء من المستشرقين – التي نمقتها الأخيلة الشاعرية وقدمتها في صورة مغرية.
فالسيدة زينب رضي الله عنها ابنة عمته، وليس من شك في أنها ترعرعت تحت عنايته، ولا يعقل أن يفتن بها على تلك الصورة، وهو يعرفها، ولو صحيحا هذا الزعم لما زوجها بزيد، ولاحتفظ بها لنفسه، ونحن لا نبرئ الرسول عليه السلام من العاطفة البشرية، وننزهه عنها والله تعالى يقول في حقه «قل إنما أنا بشر مثلكم»، ولكن الشيء الوحيد الذي نؤكده ونصر على الاعتقاد فيه لكونه موافقا للعقل هو: أنه منزه عن أن تفتنه السيدة زينب، ويكون ذلك سببا مباشرا في طلاقها من زيد، إذ في هذه اللحظة الحساسة تتدخل العصمة الإلهية لأنبيائه الكرام من أن يخترقوا حدود الدين أو يرتكبوا ما لا يتناسب ومستواهم الأخلاقي.
وزواج الرسول عليه السلام بالسيدة زينب تكمن في طياته حكمة دقت عن أفهام أولئك، ذلك لان الله تعالى اراد أن يبطل عادة من عادات الجاهلية متأصلة في النفوس، ألا وهي عادة التبني فأوحى إليه أن يتزوجها، وعند ذاك اعترى الرسول صلى الله عليه وسلم قلق، وساوره هم، لأن الأمر الذي سيقدم عليه أمر كبير فاخفى ذلك في نفسه لئلا يقال أنه تزوج امرأة ابنه المتبنى، ومن أجل ذلك ظل في حيرة من أمره ينتظر الخلاص من الله، غير أن اللع تعالى أنزل الوحي يعتب عليه تريثه، ويشجعه على تنفيذ ما أمره به حتى يكون مثالا لغيره في هدم الأعراف الجاهلية البائدة قال تعالى قاصا الحكاية «واذ يقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليه زوجك، واتق الله، وتحفى في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه، فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المومنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهم وطرا».
وهكذا تم الزواج بأمر من حكيم عليم من أجل مصلحة تشريعية، ملغيا تقليدا اجتماعيا عميق الأثر في النفس العربية والمجتمع العربي، وقرر الله تعالى قاعدة جديدة مفندا كل تقول، ومصرحا بأن ذلك أمر إلهي لا مناص من تطبيقه، ويسير على سنة الله التي توافق أسرار الأشياء، وتهدم تصورات جاهلية موروثة، ومصرحا أيضا بأن زيدا ليس ابنا لمحمد عليه الصلاة والسلام، وأن محمدا ليس أبا لأحد، وإنما هو رسول الله وخاتم النبيئين فقال تعالى: «ما كان على النبيء من حرج فيما فرض الله له، سنة الله في الذين خلوا من قبل، وكان أمر الله قدرا مقدورا. الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله، وكفى بالله حسيبا. ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيئين، وكان الله بكل شيء عليما».
وأم المؤمنين جورية (8) بنت الحارث سبيت في غزوة بني المصطلق، وهي من سادات العرب، فأكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزواج بها، وبسبب ذلك أعتنق بنو المصطلق الإسلام.
وأم المؤمنين صفية (9) بنت حيى بن اخطب سيدة بني النضير أصبحت أسيرة لدى المسلمين، فأعتقها رسول الله صلى الله عله وسلم وضمها إليه حتى يخفف عنها هول المصاب، ويحفظ كرامتها، وقد كانت زوجة وفية له إلى أن قبضه الله إليه.
وأم المؤمنين رملة – أم حبيبة (10) – بنت أبي سفيان هجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي أخى السيدة زينب إلى الحبشة فتنصر هنالك وظلت رملة من غير مناصر لها في غربتها، فبعث إلى النجاشي يطلب يدها مكافأة لها على ما منيت به من خسارة في زوجها، وتألفا لقلب أبي سفيان لعله يهتدي إلى طريق الخير.
وأم المؤمنين مارية القبطية، أهداها له المقوقس، فأحسن إليها إذ بنى بها، وأنجبت له ولدا سماه إبراهيم، ولكنه ما لبث أن توفي فحزن عليه رسول الله حزنا شديدا وفيه قال دامع العينين منفطر الفؤاد:«تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا يا إبراهيم عليك لمحزونون وإنا لله وإنا إليه راجعون».
ويكفي هذه السيدة الفاضلة أنها دعمت العلاقة بين الجزيرة ومصر فدفعت رسول الله إلى أن يوصي خيرا بالقبط حين قال: «استوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما».
وكانت ءاخر زوجة بنى بها عليه السلام ام المؤمنين السيدة ميمونة (11) بنت الحارث الهلالية التي عرضها عليه عمه العباس الذي رأى في ذلك زيادة في التفاهم بينهم وبين قريش، إذ أن الأيام الثلاثة التي نصت عليها اتفاقية الحديبية قد انتهت فاتخذ رسول الله زواجه من ميمونة وسيلة يدغدغ بها مشاعر قريش، ولذلك قال لرسولي قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد  العزى: «ما عليكم لو تركتموني فأعرست بني أظهركم وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه (12)» وكان جوابهما وهما يعلمان الاثر البالغ الذي خلفته عمرة القضاء في نفوس المكيين: «لا حاجة بنا إلى طعامك فاخرج عنا»، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عند رأي خصومه خضوعا للعهد الذي برمه معهم.
أولئك نسوة النبي عليه السلام، وحريمه المختار اللواتي كن يعشن معه على شظف من العيش لا ينعمن بالحياة كما ينعم بها النساء الأخريات في البيوتات الأرستقراطية – وان كان في مقدرته أن يحيا حياة الملوك – الأمر الذي جعلهن يطالبن الرسول في المزيد من النفقة، فأصبح النبي الكريم عليه السلام في دوامة من الهم، ولذلك هجرهن شهرا حتى يراجعن أنفسهن فيما ارتكبنه مع زوجهن الكريم ثم خيرهن – بناء على ما نزل من الوحي – في البقاء معه والرضا بماله من رزق أو ينصرفن حرات يبحثن عن العيش الرغيد والحياة الندية، بيد أنهن ءاثرن قربه على بعده متفيئات واحة النبوة الفينانة، راضية بالقليل اليسير من الرزق، وفي ذلك قال تعالى: «يا أيها النبيء قل لأزواجك: ان كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما»
وحياة نبينا  صلى الله عليه وسلم الزهدية أعرف من أن يعرف بها، وبالتالي تقطع دابر كل الشكوك التي راودت عقول بعض المستشرقين في الحياة التي عاشها سواء مع نسائه الفضليات، أو مع أصحابه الكرام. روى البخاري عن السيدة عائشة أنها قالت لعروة: يا ابن أختي، ان كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار فقلت: يا خالة، ما كان عيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله جيران من الأنصار لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله من ألبانها فيسقينا» وروى الشيخان عن أنس قال: «ما شبع ءال محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا حتى قبض» وروى الترمذي من حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فإذا جعت تضرعت إليك، وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك».
وهذا العزوف عن المباهج الحياتية تحدث عنها فليب حتى – وأي متعصب هو – عندما قال: «ولم ينس محمد – صلى الله عليه وسلم – وهو في ذروة المجد أيام فقره وخمول ذكره، بل وبقي زاهدا في الطعام واللباس، ويسكن بيتا من الطين كأكثر المنازل الحقيرة في الجزيرة وفي الشام اليوم، بضع غرف حول بهو ينفذ الداخل إليها منه، وكثيرا ما كان يرى يصلح ملابسه بيديه، ويشارك أهل مكة في حياتهم العامة. وكان عند محمد – صلى الله عليه وسلم – أول ما اشتد المرض به سبعة دنانير تصدق بها جميعا على فقراء المسملين (13)».
أبعد هذا يساغ أن تؤمن العقلية البسيطة أن محمدا بن عبد الله صلى الله عليه وسلم رجل شهواني، جمع في منزله نساء متعددات، وذاق معهن حياة مليئة بالرفاهية والدعة كملك من ملوك الفرس زمنئذ، لست أدري كيف نسجت هذه الأكذوبة من غير حجة بينة، وسلطان مبين، إلا حجة التعصب المقيت، وسلطان الهوى البغيض:
والدعاوى ان لم تقيموا عليها
بينات أبناؤهاأدعياء

(1) انظر تاريخ العرب مطول ج 1 ص 166 ط 3   1958.
(2) انظر تاريخ الأمم والملوك الطبري ج 2 ص 196 – دار القاموس الحديث.
(3) ابن هشام  1 – 652
(4) انظر البداية والنهاية لابن كثير ج 3 ص 130 وما بعدها – مكتبة المعارف بيروت
(5) انظر قصتها في الاستيعاب 4 / 1811.
(6) اختلف في اسم الزوج الذي استشهد ومات عنها فعن ابن حجر. الاصابة 8 – 79 أن زوجها هو عبد الله بن جحش، وعند الطبري تاريخ الأمم والملوك 3 / 179 الطفيل بن الحرث بن عبد المطلب – وعند ابن هشام السيرة 4 / 297 عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف وكانت قبل عبيدة عند جهم بن عمرو بن الحارث وهو ابن عمها.
(7) تاريخ الأمم والملوك 3 / 177.
(8) البداية والنهاية لابن كثير 4 / 145.
(9) انظر البداية والنهاية ج 4 ص 159
(10) طبقات ابن سعد 2/85.
(11) البداية والنهاية 4/143
(12) البداية والنهاية ج 4 ص 233
(13) سيرة بن هشام 4/14
(14) تاريخ العرب ج 1 ص 165 – 166.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here