islamaumaroc

الحرف العربي في مفاهيمه -1-

  دعوة الحق

العددان 133 و134

مادة الحرف – الحاء -  والراء – والفاء – ترمي في دلالاتها إلى أصول ثلاثة:
1) حد الشيء. 2) العدل والميل. 3) تقدير الشيء.
فالأول الحد – ذلك أن حرف كل شيء حده كالسيف وغيره – ومنه الحرف بمعنى الوجه تقول:
هو من أمره على حرف واحد. أي طريقة واحدة، يقول الله تعالى: «ومن الناس من يعبد الله على حرف» الآية 11 من سورة الحج أي على  وجه واحد. فالشخص يجب عليه طاعة ربه في السراء والضراء فإذا أطاعه عند السراء. وعصاه عند الضراء فقد عبده على حرف واحد. قال سبحانه: «فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه». ومن هذا حرف القراءة التي تقرأ على أوجه بيد ان هذا المعنى  قليل في كلام القرآن – يقال: قرأ فلان على حرف حمزة أو نافع أي على وجهه، جاء عن الرسول صلوات الله عليه أنه قال: أنزل القرءان على سبعة أحرف وقد ذهبت الآراء في توضيح الأحرف والزهري وآخرين أنها سبع لغات من لغات العرب كقريش، وهذيل، وأهل اليمن، وهوازن وما أشبهها وتعقب هذا بأن لغات العرب أكثر من سبعة – لكن أجيب بأن المراد أفصحها.
ومن هذا القبيل – يقال للناقة حرف قيل هي الضامر شبهت في هزالها بحرف السيف وقيل الضخمة تشبيها لها بحرف الجبل يقول كعب بن زهير:
حرف أخوها أبوها من مهجنة
      وعمها خالها جرداء شمليل
الثاني: الانحراف عن الشيء – يقال انحرف عنه ينحرف انحرافا وحرفته أنا عنه – أي عدلت به عنه – ذلك يقال: محارف، وذلك إذا حورف كسبه فميل به عنه – كتحريف الكلام – وهو عدله عن جهته قال الله تعالى: «يحرفون الكلم عن مواضعه» الآية 46 من سورة النساء و13 في المائدة، و41 فيها ايضا. والتحريف في القرآن والكلمة – تغيير الحرف، وقلم محرف عدل بأحد حرفيه عن الآخر، قال الشاعر:
تخال أذنيه إذا تحرفا
      خافية أو قلما محرفا
الثالث: التقدير – ومنه المحراف والمسيار وهو – عبارة عن حديدة تقدر بها الجراحات عند العلاج، يقول الشاعر القطامي:
إذا الطبيب بمحرافيه عالجها
زادت على النقر (1) أو تحريكها ضجما
ومقياس الجراحات وتقيرها شيء معلوم في الطب الإسلامي حيث أن مقاديرها وأغوارها تختلف.
فهناك الموضحة التي أوضحت عظم الرأس والجبهة والخدين وان كابرة والحارصة وهي التي شقت الجلد، والسمحاق – الجراحة التي كشطت الجلد، والباضعة التي شقت اللحم، والمتلاحمة – غاصت فيه وسواها من الجراحات التي تعرض لها فقهاؤنا في أبواب الدماء وعلى رأسهم خليل – ذلك لمعرفة الديات الواجب أداؤها على الجاني حسب تقدير الطبيب بمحرافه وعلى ضوء تلك الجراحات مخوفة أو سهلة يقدر ارش الجراحة وديتها.
ومن بين هذه الأسطر الموجزة نرى إلى أي حد بلغت دقة الإسلام في المقاييس الطبية وتحديد دياتها تشريعا يحفز الجناة إلى الإحجام عن اقتراف ما يمس بكرامة الإنسان وحرمته (ولكم في القصاص حياة).
ومن هذا الباب حرف فلان لعياله بحرف كسب – والحرفة الصنعة التي يتعاطاها الشخص رغبة في كسب قوته وقوت أهله – وهي بطبعها تستدعي من المحترف جهدا وقوة – جاء في التوراة «يا ابن آدم وخبزا تاكل من عرق جبينك، ويقولون: المنساق والتعب خير من المنساق بلا تعب إذ يجد الإنسان له لذة – كالرياضي الذي يتعب في مشكلة من المشاكل فإذا ما ظفر بحلها ارتاح ونشط لنجاح مجهوده. ومن فقهاء اللغة من يجعل الفاء في – حرف – مبدلة من ثاء مثلثة فيكون من حرث أي كسب وجمع. ومنه أي من الباب:
حرف عينه – كحلها أنشد ابن الأعرابي:
بزرقاوين لم تحرف ولما
      يصبها عائر بشفير ماق
أراد لم يحرفا فأقام الواحد مقام الاثنين. وهو أسلوب مطروق عند العرب له نكتته البلاغية.
والاكتحال من سنن الإسلام قال ابن العربي: الكحل يشتمل على منفعتين إحداهما – الزينة فإذا استعمل بنيتها يكون مستثنى من التصنع المنهى عنه – والثانية التطيب فإذا استعمل بنيته قوى البصر وأنبت الشعر – وكحل الزينة لا حد له شرعا وإنما هو بقدر الحاجة، وأما كحل المنفعة فقد وقته الشرع – فجعله كل ليلة – عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اكتحلوا بالأثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر – وكم رأينا من شيوخ وأساتيذ كانوا يكتحلون خاصة أيام الجمع، وغالب اكتحالهم للزينة افتداء بالرسول الأكرم عليه السلام – والمخاطب بقوله اكتحلوا – هم الأصحاء – أما العين المريضة فقد يضرها الأثمد وهو عبارة عن حجر معدني معروف يكتحل به، ومعدنه بالمشرق يوجد كثيرا بمعادن أصفهان وهو أسود يضرب إلى حمرة، وكثير من الناس يجلبونه من الشرق خاصة حجاج بيت الله الحرام ويقدمونه فيما يقدمون من هدايا إلى الأقرباء والأصدقاء.
ومن العجب الغريب حجر تدمى به أرجل، وآخر يحتضن ويوضع في الأعين – فما كان أشبه بالإنسان في خلقه وسلوكه – خشونة في الطبع وليونة فيه – يقول الأديب الأخلاقي:
الناس كالأرض ومنها هم
      فمن خشن الطبع ومن لين
فجندل تدمى به أرجل
      وأثمد يجعل في الأعين
وقد تستغني العيون عن الكحل – بكحلها الطبيعي – وهو أن يعلو بنابت الأشفار سواد خلقة – قالوا: ليس التكحل الكحل. يقول محمد بن سعيد البوصيري المديح في الدالية:
قل للذين تكلفوا زي التقى
      وتخيروا للدرس ألف مجلد
لا تحسبوا كحل العيون بحيلة
      ان ألمها، لم تكتحل بالأثمد

الحـــــرف:
عبارة عن صوت له مقطع من الفم – حيث يتكون اللفظ منه ومن أجناسه الهجائية – ففي اللفظ تقطيع الصوت ببعض الحروف كتقطيع اللحم – ذلك أن الهواء الخارج من داخل الإنسان – إن خرج منه بدافع الطبع يسمى نفسا، وإن خرج بالإرادة وعرض له تموج بتصادم مخصوصة لأسباب معلومة سمى حرفا.
وهو من خصائص الإنسان أصالة – فغير الإنسان قد يتوفر صوته على بعض الحروف – كالببغاء وبعض الغربان ولكن على سبيل العروض لا الأصالة.
وعددها في المشهور – تسعة وعشرون حرفا باتفاق علماء البصرة إلا أبا العباس المبرد وبعض
اللغويين فجعلوها – ثمانية وعشرين حرفا بإسقاط الهمزة – لأنها عنده وعند مذهبه ليست حرفا بل شكلا كالضمة.
واذكر هنا قصة الحكيم أبي العلاء شاعر المعرة مع الغلام – والشيء بالشيء يذكر كما يقول الأدباء – (ذكرت ريق حبيب بذكر شرب تعطر).
لقيه الغلام في الطريق فسلم عليه وقبض على يده طارحا السؤال التالي. أيها الشيخ الحكيم – أأنت القائل في لاميتك:
واني وإن كنت الأخير زمانه
      لآت بما لم تستطعه الأوائل
أجابه نعم. قال الغلام: ان الأوائل – وضعوا تسعة وعشرين حرفا – فهل لك أن تزيد علها حرفا يتوقف عليه اللفظ العربي – أن تنقص منها حرفا تستغني عنه اللغة العربية – أجابه في توتر قائلا له: اذهب فغنك لا تعيش. وفعلا قضى الغلام بعد أيام – وتلك آفة من آفات الذكاء إذا ما جاوز الحد الوسط أن يصاب صاحبه عياذا بالله تعالى. (والشيء إذا زاد على حده رجع إلى ضده) وللحرف  - مخرج معين كعبارة عن حيز مولد له أو موضع ظهوره وتمييزه عن غيره – فهو بهذا المفهوم مقطع محقق يعتمد على جزء معين من أجزاء الحلق واللسان والشفة أو مقطع مقدر – كهواء الفم – فهذا الألف نجده لا معتمد له في شيء من أجزاء الفم بحيث ينقطع في ذلك الجزء وهذا ما نحسه عند النطق به كما. لهذا يقول علماء العربية واللغة فيه – انه لا أصل له ولا ذاتية يقف مستقلا بها كبقية الحروف –
فألف ما ان تراه أصلا
      بل زائدا، أو مبدلا كيصلى
كما أنه لا يصوف لا بترقيق ولا بتفخيم بل يجري مجرى ما يتقدمه ترقيقا وتفخيما، والمخرج المتحدث عنه – يرجع إلى نوعين – حقيقي وتقديري –
فالحقيقي تسعة وعشرون مخرجا بعدد حروف المعجم أو الحروف الهجائية إن شئت – فيكون لكل حرف مخرج خاص به. والتقديري ستة عشر مخرجا كما لابن الحاجب في شافيته موزعة على الحلق، واللسان، والشفة. توزيعا قارا يؤيده العمل والإحساس.
وهناك قاعدة جامعة تذلل كل صعوبة قد تعترض الناطق بالحرف فتصرفه عن معرفة مكانه بالضبط – تلك: أن يأتي بالحرف فيسكنه ثم يدخل عليه همزة الوصل مكسورة وينطق به مثلا الباء سكنها وصل بها همزة الوصل: أ ب. وهكذا مع بقية حروف المعجم.
والمخارج في مرماها – كثقب الغيطة والمزمار كل ثقبة منها تعطي نغمة غير ما تعطيه ثقبة أخرى من النغم – وكنقرات أوتار العود الموسيقي كل جسة ونقرة في وتر من أوتاره تبرز من النغم غير ما يخرج من نقرة الوتر الآخر، فمخارج الحروف بقطع النظر عما لها من قيمة في تجويد الكتاب المبين لها في العلوم العربية مكانتها – كعلم البيان في الفصاحة وعلم الصرف خاصة أبواب الإدغام.
لذا كان علم التجويد جزءا من علم الأصوات وفرعا من فروع فقه اللغة – تجب العناية به حتى في مطلق الحديث حيث تبدو صولة اللغة العربية، وتتجلى للأسماع في صور قواها الحرفية وضخامة مخارجها. وبالطبع يعظم المتكلم والخطيب في عين سامعيه، ونتيجة لذلك يتأثر السامعون بقوله لا محالة، وتأييدا لهذا الرأي – ما دار بين أبي العباس أحمد المارغني التونسي رحمه الله وبين طائفة من علماء القطر – من مسائل في القراءات والنحو واللغة – وأثناء المذاكرة قال أحدهم للمارغني مازحا أو متهكما: أيها الشيخ أكانت العرب تقول: ان زيدا قائم – بغنة نون ان ، وتنوين زيدا، ومد قائم آ أجاب أبو العباس قائلا ما أجهلك بلغة قومك. فقال له كيف ذلك آ وهل يخاطب مثلي بمثل هذا الكلام؟ فقال له: هل قرأت شرح الأشموتي أو أقرأته؟ قال: أتستهزئ بنا؟ قال معاذ الله، وإنما أريد إيصالك للجواب على سبيل التذكير أو إرشادك للصواب. قال: راجع الأشموني على الخلاصة تلف ما يشفي الغليل فيما سألتني عنه – فإنه ذكر الغنة وأحكام النون الساكنة والتنوين وصروبهما ولغاتها بما يقرب مما ذكره علماء القراآت. وأيضا لولا أن الغنة مأثورة عن العرب ما ذكرها فقهاء اللغة والنحو والصرف، وما وردت القراءة بها، إذ كل ما قرئ موجود في اللغة ولا عكس، ولاسيما والقراء كلهمأخذوابها أداء، فهي من المتواتر قطعا – فكيف يستريب أحد من المثقفين في وجودها لغة وقياسا، وهي لغة القرآن والحديث ولغة أهل الحجاز وفصحاء العرب ودهاقينهم – فقد أثر عنهم أنهم كانوا يترنمون في كلامهم بالغنة حينما يجتمعون في أسواقهم كعكاظ وغيره.
وقد لا ينحصر صوت الناطق في عنة النون ورنته بل يعم سائر (حروف المعجم) التسعة والعشرين -.
حروف المعجه: سميت بهذا الإسم لأنها منقطة أعجمية أي أنها لا تفهم حتى يضاف بعضها إلى بعض وتعجم أي تنقط، والنقط عندهم الشكل – وقد يقال لهذا النقط المعروف عندنا، والشكل الضبط والحركات – وأصله التقييد، تقول شكلت الكتاب شكلا أي قيدته وقبضته منه شكل الدابة والطائر إلى آخر ما جاء في الجزء الأول من كتاب – ألف با لأبي الحجاج البلوي – ص 71.
ثم «حروف المعجم» بصيغة المتضايفين وقع فيهما نقاش كبير لابن جنى وغيره من علماء اللغة – وصوبوا ما درج عليه أبو العباس المبرد من أن المعجم مصدر بمنزلة الأعجام كما يقال: أدخله مدخلا وأخرجه مخرجا أي أدخالا وإخراجا – فكأنهم قالوا: هذه حروف الأعجام.
فإن قيل أن جميع هذه الحروف ليس معجما فكيف استجازوا تسمية جميع هذه الحروف – حروف المعجم؟ الجواب عن ذلك – أن الشكل الواحد إذا اختلفت أصواته، فأعجم بعضها وترك البعض الآخر – علم أن المتروك بغير إعجام هو غير الذي من شأنه أن يعجم (2).

الاعجـام والنقـط:
كانت الحروف أول الأمر دون نقط ولا شكل – فكان القارئ يعتمد في قراءته على ذهنه ومعرفة السوابق واللواحق من فقر النصوص مهتديا بطريقة البساط الكلامي إلى المفهوم المراد من المكتوب، وإذا لم يتيسر هذا لكل تال وقارئ – فكر العرب في إبداع طريقة تسهل على القراء ما يقرأون – فابتكروا النقط والشكل وكان السابق للنقط رجل عرفناه واضع النحو ومخطط تقسيماته الأولى – هو أبو الأسود الدؤلي هو ظالم بن عمرو من التابعين. وجاء في صبح الأعشى – أن أبا الأسود – وضع الحركات والتنوين لا غير. ت: 69 ه 688 م خاصة نقط حروف القرآن – فكان مصحف عثمان خاليا من النقط والشكل مما جعل القراء يختلفون اختلافا كبيرا في بعض الحروف – ويجنحون بعد الحيرة والاضطراب ليستقل كل واحد بالنقط والشكل للنص على مقتضى معاني الآيات، وعلى سبيل المثال – فيعلمه – يمكن أن يقرأها الواحد – يعلمه – وآخر: نعلمه أو تعلمه أو بعلمه إلى قريب من هذه القراءات المتعاورة على الكلمة الواحدة حسب تأويل القارئ وما يستطيع الوصول إليه من فهم – مما فسح المجال لكل قارئ في اختيار النقط والشكل الذي يرتضيهما للحرف وكانوا يميزون بين النقط والشكل – فيضعون النقط باللون الأسود، والشكل باللون الأحمر رفعا للالتباس الذي قد يحصل فيهما.
على أن نقط الحرف القرآني أولا قد وقع فيه اضطراب بين الصحافة والتابعين منهم من كره ذلك كراى منه في إدخال شىء جديد على الكتاب المقدس، ومنهم من أجازه وعليه الجمهور من المسلمين وأئمتهم تسهيلا على القارئ ورفعا للبس.
فالنقط كالاعجام مرادفان – ومجموع النقط من الحروف 15 غير أن حرفي الفاء والقاف وقع في نقطهما نوع مخالفة في خطى الشرق والغرب – ففي الشرق يضعون للفاء نقطة من فوق – وللقاف نقطتان من فوق كذلك – أما في الخط المغربي فيضعون للفاء نقطة من أسفل، وللقاف نقطة واحدة من أعلى وهذا أبين وأسهل – أبين في الفرق نقطة من أسفل وأخرى من فوق – وأسهل إذ نقطة واحدة فوق القاف لا تأتي لها تشغل القلم باعثة الكاتب على الوضع أهون، والغريب من الكاتب المغربي كيف يتنكب السهولة فينقط القاف نقطتين كتقليد منه في ذلك – مع أن التقليد يتجلى في اقتباس الأحسن والأسهل لا العكس الذي نراه اليوم يغزو الشباب فيميل على جمال خطه المغربي.
أما الحركات الموضوعة على الحرف من فتح وضم وكسر – فالفتح منها عبارة عن ألف مبطوحة – ممتدة فوق الحرف – والضم عبارة عن واو صغير عليه، والكسر عبارة عن ياء صغيرة من أسفل.

متى تثقل الحروف في النطق:
يقول ابن دريد في كتاب الجمهرة: أعلم أن الحروف إذا تقاربت مخارجها كانت أثقل على اللسان منها إذا تباعدت، لأنك إذا استعملت اللسان في حروف الحلق دون حروف الفم، ودون حروف الذلاقة (3) كلفته جرسا واحدا وحركات مختلفة الا ترى أنك لو ألفت بين الهمزة والهاء والحاء لوجدت الهمزة تتحول هاء في بعض اللغات لقربها – نحو قولهم (ام والله) هم والله وكما قالوا في أراق: هراق الماء، ولوجدت الحاء في بعض الألسنة تتحول هاء كمدحه ومدهه.
وإذا تباعدت الحروف حسن وجه التأليف.
هذا ولا يكاد يجيء في التركيب ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة لصعوبة ذلك على الألسنة، وأصعبها حروف الحلق.
فأما حرفان من جنس واحد فقد اجتمعا نحو أخ بلا فاصلة، واجتمعا في مثل – احد وأهل وعهد، ونخع (4) غير أن من شأن العرب إذا أرادوا هذا – أن يبدأوا بالأقوى من الحرفين ويؤخروا الالين كما قالوا: ورل (5) ووتدن فبدأوا بالتاء مع الدال، وبالراء مع اللام – فذق التاء والدال ورددهما، تدد التاء تنقطع بجرس قوى، وتجد الدال تنقطع بجرس لين، وكذلك الراء نجدها هي الأخرى تنقطع بجرس قوى، وكذلك اللام تنقطع بغنة أي رنة لا الغنة المعهودة – ويدل لهذا أن اعتياص اللام على الألسنة أقل من اعتياص الراء – وذلك للين اللام.
ثم نجد كثيرا من كلم اللغة العربية يضاهي بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبر بها عنهــــــا (6) ألا تراهم قالوا: قضم في اليابس، وخضم في الرطب – وذلك لقوة القاف وضعف الخاء، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى، والصوت الأضعف للفعل الأضعف، وكذلك قالوا: صر الجندب – فكرروا الراء لما هنالك من استطالة صوته، وقالوا صرصر اليازي فقطعوا لما هنالك من تقطيع صوته، وسمو الغراب – عاق حكاية لصوته، والبط بطا حكاية لأصواتها، ومن هذا أيضا قولهم: « قط الشيء» إذا قطعه عرضا - «وقده» إذا قطعه طولا – ذلك أن منقطع الطاء أقصر مدة من منقطع الدال. كما قالوا: «مد الحبل» «ومت إليه بقرابة» فجعلوا الدال لأنها مهجورة – لما فيه عمل وعلاج، وجعلوا التاء لأنها مهموسة لانما لا مزيد عمل فيه ولا علاج، ويرمي إلى هذا المعنى ما قالوا: «الخذاء» بالهمزة في ضعف النفس. والخذا غير مهموزة في استرخاء الأذن من أصلها على الخدين – يقول العرب في عينه: قذى، وفي أذنه خذى، وحل به كذا، فلم تقذ له عينه، ولم تخذ له أذنه.
ومعلوم أن الواو لا تبلغ قوة الهمزة فجعلوا الواو لضعفها – للعيب في الأذن – والهمزة لقوتها – للعيب في النفس – فعيب النفس أفحش من عيب الأذن فإنها الكل في الكل «أعمد إلى النفس – فاستكمل فضائلها، فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان»

الفرق بين الهمس والجهر والحروف وصفاتها:
فالحروف المهموسة تجري مع النفس لضعفها ولضعف الاعتماد عليها عند الخروج، فالهمس الصوت الخفي ومجموعها عشرة رمزوا لها قصد التقريب بقولهم: «سكت فحثه شخص» واستبان من هذا أن باقي الحروف مجهور – واتضح كذلك أن صفتي الهمس والجهر متضادتان.
الوقوف على الحرف وما ينشأ عنه:

1) وجاء بالفاء – النفر أي الورم أو خروج الدم – والضجم محركة – عوج في الفم والشدق والعنق.
2) وقد أطال الدكتور حسين نصار في الجزء الأول من كتابه – المعجم العربي نشأته وتطوره – الحديث عن هذه الإضافة وما لأئمة اللغة والعربية فيها.
3) الحروف المذلقة – حروف طرف اللسان والشفة وهو اللام والراء والنون والباء والفاء والميم.
4) نخع بحقه اقر.
5) ورل – دابة كالضب أو العظيم من أنواع الوزغ.
6) الضمير يعود لأجراس الحروف. وفى عنها للأفعال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here