islamaumaroc

شعر الدعوة الإسلامية بين الضعف والقوة

  دعوة الحق

العددان 133 و134

يكاد يكون من الصعب تحديد الصفات العامة لشعر الدعوة الإسلامية في جملة عابرة او حكم سريع، لأن الأمر يتطلب دراسة مستفيضة وإلماما شافيا بمختلف جوانب الموضوع. وبالتالي استطرادا منهجيا يعتمد بالدرجة الأولى على ما بأيدينا من نصوص شعرية لحسن ابن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وغيرهم ن شعراء الدعوة الإسلامية، ولعل الأمر يتطلب إلى جانب ذلك عرضا مختصرا لبعض ءاراء النقاد والدارسين والمؤرخين عموما، أولئك الذين بذلوا محاولات طيبة في سبيل التعريف بشعر الدعوة الإسلامية من جهة، وفي سبيل دراسته ووضعه على بساط النقد والتحليل من جهة ثانية.
يبدو بديهيا في ضوء ذلك كله أن دراستنا لشعر الدعوة الإسلامية ستنحصر في مناقشة بعض أقوال الدارسين ووجهات نظرهم حول هذا الشعر، وفي مناقشة رأي الأصمعي بصفة خاصة حول ضعف الشعر الإسلامي، وستنحصر أيضا في تحليل ضعف الشعر لبعض شعراء الدعوة الإسلامية. ونصل بعد ذلك – بالضرورة – إلى زبدة ختامية نوضح خلالها حكما عاما نستخلصه من الدراسة ككل.
تشعبت الدراسات حول الشعر الإسلامي، واختلفت ءاراء الباحثين في أمره، وتعددت الأحكام من دارس إلى ءاخر، وأصبح الأمر يتعلق بقضية هامة – ان لم نقل مشكلة – مطروحة على مختلف المستويات، فمن رأي الأسمعي حول ضعف هذا الشعر إلى وجهة نظر ابن خلدون حول أسباب ضعفه وخفوته، إلى يحيى الجبوري الذي أخرج كتابا في الموضوع (الإسلام والشعر)، وإلى غيره من المحدثين كشوقي ضيف ومحمد عبد العزيز الكفراوي وأحمد الشايب وغيرهم. وكل هؤلاء اجتهدوا اجتاهادا محمودا في الموضوع، وأيد كل واحد منهم وجهة نظره ببراهين وأدلة متباينة مختلفة.
ويهمنا جدا في هذا المجال ما ذهب إليه الأصمعي حول ضعف شعر الدعوة الإسلامية، إذ أكد أن (الشعر نكد بابه الحشو، فإذا دخل في الخير ضعف، وهذا حسان من فحول الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط شعره)، وكأنه يريد أن يرمي من وراء ذلك إلى أن الشعر تنحصر مهمته في تناول قضايا عابثة لاهية ومضامين خيالية متباينة، وموضوعات مستقاة من خيال الشاعر لا من واقعه، تعتمد أول ما تعتمد على قدرة إبداعية وملكة شعرية خارقة. والأمثلة على ذلك كثيرة لا تعوزنا بأية حال من الأحوال، إن حياة الشاعر الجاهلي وما كانت تزخر به من ليالي حمراء ساخنة وحياة عابثة ماجنة لخير دليل وأفضل شاهد على ذلك، وقد كان من الطبيعي أن تنعكس هذه الحياة الماجنة اللاهية المضطربة في نتاج الشاعر الجاهلي فأنشد في تصويرها ومحاكاته قصائد عصماء طويلة..
إلى هنا يظل الشعر – في رأي الأصمعي – ساميا مرتفعا يسمو إلى المرتبة الجليلة ويرتفع إلى المكانة العلياء... ولكنه يسقط ويهوى – لا محالة – إذا خرج من نطاق الشر إلى الخير وأصبح تعبيرا عن عواطف حادة صادقة، ومضامين حية واقعة، وقضايا إنسانية خصبة تتناول الناس والحياة والمجتمع...
وهو يورد اسم حسان بن ثابت كنموذج لذلك، وكصورة صادقة ينطبق عليها قوله تمام الانطباق..إن حسان فحل من فحول الجاهلية وعلم من أعلامها
المعروفين، ولكن انبثاق نور الإسلام كان سببا مباشرا في سقوط شعره وأقول نجمه...؟
لقد كان حسان شاعرا جاهليا يعايش الملوك والامراء وينادمهم ويشاركهم حياتهم العامرة بشتى أصناف اللهو والمجون ومختلف أشكال الترف والرخاء، وينشد القصائد الطويلة في مدح المناذرة والغساسنة، وكان شعره لذلك يتوفر على خصائص هامة ولمسات فنية فريدة، ونفثات روحية خالدة، ولكن مجيء الإسلام وانتظامه في صفوف المسلمين شاعرا من شعراء الرسول يرد عنه هجمات الكافرين ويمدحه بقصائد صادقة حية، ويشحذ عزائم المسلمين، كل ذلك جعل شعره يبدو ضعيفا خافتا، ليس في مستوى شعره الجاهلي بأي شكل من الأشكال...
هذه باختصار نظرة تحليلية سريعة إلى قول الأصمعي، وقد يكون من الضروري التعليق عليه وإبداء وجهات النظر حوله. ويستحسن قبل ذلك ان نشير إشارة خاطفة إلى بعض الآراء الهامة في الموضوع والمتعلقة بالشعر الإسلامي بين الضعف والقوة بصفة عامة.
وقد يكون من الصعب الإلمام بمختلف وجهات النظر والآراء التي قيلت في الموضوع جملة وتفصيلا نظرا لتشعيها وتعدد اتجاهاتها. إلا أننا سنكتفي ببعض هذه الآراء، لنعود بعد ذلك إلى دراسة قول الأصمعي والتعليق عليه.
ذهب بعض الباحثين إلى أن الضعف الذي اعترى الشعر الإسلامي كان ناتجا عن تشاغل العرب بأمر الدين والنبوة ودهشتهم أمام أسلوب القرءان وبلاغته وخصائصه الفنية الفريدة، ولعل هذا بالضبط هو ما أشار إلهي الدكتور محمد نجيب البهبيتي في (تاريخ الشعر العربي) حيث قال: (والعرب قوم ذوو لسمن، وذوق قولي ممتاز. فلم يلبثوا أن أخذهم القرءان بجماله، كما أخذتهم بالدهشة تلك الشريعة الكاملة، المبأة من النقائص التي كانت تصيب الشرائع الأخرى. فشغلوا بالقرآن، وسكت الشعراء ليستمعوا إلى كلمة الله) (1).
وقد أكد محمد عبد العزيز الكفراوي أن سلطان الكتاب الجديد على العرب كان أقوى من أن يدع لهم فرصة للتفكير في سواه: فقد سئل لبيد بن ربيعة أن ينشد شعرا فقرأ سورة (البقرة). وقال: ما كنت لأقول شعرا بعد أن علمني الله سورة (البقرة) و(ءال عمران).
ويرجع محمد بن سلام الجمحي ضعف الشعر الإسلامي إلى اتجاه المسلمين وجهة علمية وتشاغل العرب بالجهاد وغزو فارس والروم.
ولعل هؤلاء – وغيرهم – يلتقون في قضية هامة تشكل جانبا أساسيا من جوانب الموضوع، وبالتالي سببا وئيسيا من أسباب ضعف الشعر الإسلامي.
ولكن رأي الأستاذ أحمد الشايب المعتدل يكاد يكون أقرب إلى الحقيقة وأدنى إلى الصواب نظرا لاعتبارات واضحة معروفة، فهو يؤكد أن الشعر الإسلامي توفرت له عدة عناصر وعوامل ليكون قويا، وان كنا لا نعدم بعض جوانب الضعف في هذا الشعر. ولعل أسباب الضعف ناتجة عن الارتجال وانتحال الكثير من الشعر الذي (قيل) في هذه الفترة، وعدم وصول الكثير مما قيل خلالها. وهو يؤكد بعد ذلك أن هذا الشعر (شعر الدعوة الإسلامية) كان قويا حماسيا لأنه (شعر العواطف المتعارضة التي تتصادم حول أعز ما في هذه الحياة: الدين والحرية والسيادة، ولأنه شعر النهضة الفائرة).
ويتخذ باقي الدارسين أمثال شوقي ضيف وأحمد الحوفي ويحيى الجبوري مواقف خاصة تجاه الشعر الإسلامي، وقد لا نشير إلى هذه المواقف والآراء، لأننا يجب أن نعود إلى مناقشة رأي الأصمعي من جهة، ولأننا أشرنا إشارات خاطفة إلى ءاراء بعض الباحثين الآخرين من جهة ثانية.
ويبدو أن الأصمعي كان ينظر إلى الشعر ككل من جهة نظر خاصة، من خلال مقاييس محدودة أيضا، إذ أن ما ذهب إليه حول ضعف الشعر الإسلامي (لأنه خرج من الشر إلى الخير) يحتاج إلى إعادة نظر، ووقفة طويلة ومناقشة شافية كافية.
وليس معنى ذلك قط، أنه رأي شاذ غريب، لأن الكثيرين ممن جاءوا بعده تبنوا وجهة نظره لسبب أو لآخر، واتفقوا معه – من قريب أو بعيد – فيما يذهب إليه، وان كان بعضهم قد أورد ذلك في صورة أنضج وأوسع وأكثر وضوحا، ولعل ما أثاره الأصمعي
حول الخير والشر في الشعر بصفة عامة، هو ما يثار اليوم تحت شعار (الصدق الموضوعي والفني عند الشاعر) أو التزامه لقضية معينة وتناولها بطريقة خاصة يلتزم خلالها (الصدق) بكافة أشكاله وألوانه..
وقديما قيل في هذا المجال (أعذب الشعر أكذبه)، ولعل الضعف الذي اعترى شعر الدعوة الإسلامية كان ناتجا عن الصدق الكامل عند الشاعر – في رأي الكثيرين – وعدم إطلاقه سراحه عنان الخيال، يسبح في سماواته ويحلق في فضائه.
ان اشتغال العرب بالحروب والجهاد، وتغلغل الروح الإسلامية في نفوس الشعراء، وظروف الحياة التي كان يمليها الوضع الجديد في الجزيرة العربية، كل ذلك أدى إلى نوع من السرعة والارتجال في عديد من الآثار الأدبية الشعرية التي قيلت في هذه المرحلة، وليس معنى ذلك قط أن التزام الشاعر للصدف في كل ما يكتب وينتج – أو خروجه من نطاق الشر إلى الخير – كما يرى الأصمعي، كان السبب الرئيسي والأولي في ضعف هذا الشعر (وسقوطه)، بل إن هذا الضعف نفسه لا يبدو واضحا جليا في كل ما قيل خلال هذه الفترة من أشعار، بل انه يبدو – لا غير – في عدد منه – كما يرى الأستاذ الشايب – (2)، وهو في جانب آخر يمثل قوة وارتفاعا، ولهذا الضعف أسباب عدة المعنا إلى بعضها فيما سبق.
ونصل إلى قضية هامة نثيرها – بصفة خاصة – على هامش دراستنا لشعر الدعوة الإسلامية، هذه القضية هي مدى تأثر الشعراء بالقيم الإسلامية وتخلصهم من قيم الجاهلية وعاداتها، ونتساءل بالتالي عن الحكم الصائب في هذا المجال.
في سبيل الإجابة عن ذلك نؤكد أن بعض ملامح الحياة الجاهلية ظلت مصاحبة لبعض شعراء الإسلام حتى في حياتهم الإسلامية، ولا أدل على ذلك من أن الفخر ظل ملازما لحسان حتى بعد إسلام وانتظامه في صفوف شعراء الرسول. (3)
وواضح جدا في (بانت سعاد) لكعب بن زهير التي أنشدها في مدح الرسول (ص) أن ملامح الشعر الجاهلي وقيم الحياة الجاهلية تفرض نفسها على الشاعر بصورة تلقائية، فهو يبدأ بالغزل ووصف الناقة، وبمدح النبي (ص) بقيم الجاهلية، ويستقصي خطوات الشعراء الجاهليين في تصوير محنته وتقديم اعتذاره للرسول، وإن كنا لا نعدم ملامح خفيفة من تأثره بالروح الإسلامية.. وقد لا نحتاج إلى تحليل القصيدة وتسجيل بعض أبياتها لأننا قد نجد أنفسنا بعد ذلك نحلل موضوعا جانبيا بإسهاب وتفصيل لا يتطلبهما المقام..
والشاعر يتأثر بما حوله من واقع الحياة ماديا ومعنويا، ولذلك كان طبيعيا ان تظل بعض القيم الجاهلية – وإن كانت طفيفة إلى حد ما – ملازمة لبعض شعراء الدعوة الإسلامية.
ونعود بعد هذه القضية مباشرة إلى الأصمعي مرة أخرى لنؤكد ما قلناه سابقا من ان هذا الضعف لم يكن شاملا، وأن أسبابه كثيرة متعددة لا تنحصر فقط في خروج الشاعر من باب الشر إلى الخير كما يذهب إلى ذلك الأصمعي نفسه. وهو يذهب إلى أن شعر حيان الإسلامي – جملة – كان ساقطا، ضعيفا، خافتا، وهو حكم يحتاج أيضا إلى دراسة طويلة. إذ ان حسان انشد في هذه الفترة شعرا لا يقل من حيث مستواه وقيمتنه عن شعره الجاهلي. وإن كان شعره قد ضعف في قسم منه نظرا لعملية الارتجال والسرعة التي كانت تطبع حياة الشاعر الإسلامي، وهو ما أكدناه غير ما مرة في السابق.
ويبدو أن هناك من أنصفه – نوعا ما – وأشاد بشعره في هذه المرحلة بالذات. ونتذكر هنا الحطيئة الذي قال (أبلغوا الأنصار أن شاعرهم أشعر العرب حيث يقول:
يغشون حتى ما تهر كلابهم
         لا يسألون عن السواد المقبل
وبعد، هذه دراسة تحليلية خاطفة لوجهة نظر الأصمعي حول ضعف الشعر الإسلامي، أتمنى أن أكون خلالها قد وفقت إلى توضح بعض القضايا، المرتبطة أساس بأدب الدعوة الإسلامية بين الضعف والقوة بصفة عامة.

(1) الدكتور نجيب البهبيتي، تاريخ الشعر العربي، صفحة 113.
(2) راجع تاريخ الشعر السياسي لأحمد الشايب.
(3) انظر حديثنا عن (صراع القيم الجاهلية والإسلامية في شعر حسان) العدد 6 من «دعوة الحق».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here