islamaumaroc

انطفأ النور

  دعوة الحق

العددان 133 و134

فارق غرناطة – آخر الحواضر الإسلامية الكبرى التي بقيت بيد المسلمين – مفارقة نهائية، ولم يقعده عن هذا الفراق لا رعاية زوجة، ولا محبة ولد، ولا أبهمة وزارة، ولا جاه وظيفة، كما لم يزعجه ان يترك من ورائه المال العريض والعقارات المتعددة والقصور الفخمة... انه يريد، بعد كل ما فات، أن يخلد إلى السكينة والاستقرار، وأن ينصرف إلى كتبه وأوراقه ومحابره في أرض المغرب الطيبة، بجوار السلطان في مدينة فاس أو في سلا غير بعيد عن مثوى (أبي الحسن المريني) الخالد الذكر.
وكعادته المتأصلة فيه منذ فتوته، استيقظ في الصباح باكرا، وأقبل ينجز عملا بعد عمل، بحيوية تامة ونشاط وافر، لا يكاد يقعد به العياء الذي انهك جسده النحيل، ولا تكاد تؤثر في نفسه النواعج الأليمة.
أشرف – داخل القصر – المجعول رهن إشارته -  على أعمال البستانيين ومروض الخيول، وعلى أعمال المكلفين برعاية البلابل في أقفاصها، والدواجن في خممها، وأسراب النحل في خلاياها، والحيتان الملونة في أحواضها... ثم انقلب بعد إفطاره – إلى مكتبه لاستقبال العرفاء والمقاولين، الذين أسند إليهم عملية الإشراف على بناء قصوره ومنتزهاته ومخازنه واهرائه وفنادقه: ناقش التصاميم، وفحص العينات، وعدل الأثمان، ووقع الصكوك، وسلم الدراهم وتسلم العقود...
وخصص ما بعد الظهر – اثر نومة القيلولة -  للوقوف مباشرة على أعمال الصناع، بنائين وجباصين وفسيفسائين ونجارين وحدادين، الذين كانوا منكبين بهمة وعزم على توسيع الجناح الأيمن من قصره الذي خصصه له السلطان الأبي المرحوم (عبد العزيز بن أبي الحسن المريني) وفعلا وجد كل واحد منكبا على القيام بمهمه، بحسن ذوق، ورهافة حس وإتقان وضبط. كان بعضهم من صناع مدينة فاس الاصلاء، وبعضهم من الصناع الواردين من العدوة الشمالية، من أولئك الذين ساهموا في إرساء دعائم قصر الحمراء الزاهر، وتحقيق آيات الفن النادر في جنباته، وفي غرفه وابهائه. انهم كلهم يعرفون عن مستخدمهم (الوزير ابن الخطيب) رغبة قوية وحرصا شديدا على الإجادة والاتقان والتفنن...
وحل المساء، وأخذت حرارة (فاس) تخف، وهبت نسمات رقيقة منعشة، حركت سواكن الأغصان، تمازجها ذرات المياه المتدفقة في سواقيها أو المنيجة من أنابيب النافورات المتالية، وحضر المشهد عديد من أنواع الطيور الغريدة الصداحة وأسراب من الحمام الأبيض والملون الذي انطلق يتقافز أو يحوم في الفضاء الفسيح، متجنبا الاصطدام برؤوس أشجار السرو والإجاص والنخيل غير المتمر... وهنا طاب (للوزير ابن الخطيب) ان يخرج من طور العمل المجهد إلى طور التمتع بالطبيعة السخية، فاتخذ مكانه في الظل الوارف، تحت الكرمة واستوى
على الأريكة الوثيرة، بينما الجوزى العبيد واقفون بين يديه في إجلال واحترام...
وتقدم منه ناسخه الخاص وقدم له كتابا مخطوطا أوشكت صفحاته أن تتم تسويدا، وهو من مؤلفات الوزير الأديب نفسه، إلا أنه عدل عن ذلك الكتاب وأقبل على ورقة ينقح ما كتب عليها، وكانت الورقة تضم عدة أبيات، وكلما نقح ووصل إلى آخر شطر أمدته القريحة بأبيات أخرى، فيروح يخطها في الحين بحماس ودون توقف، وعندئذ كان يرى لعينيه بريق خاطف وعلى محياه اهتمام، وتلوح في شفتيه اختلاجات وتمتمات وهمسات، ولا يدري احد لمن هي تلك الهمسات والتمتمات والاختلاجات...!؟
وكلما عاد الشاعر وقرأ من شعره كرة أخرى – أيقن بحق أنه شاعر مفلق، وتأكد فيما بينه وبين نفسه أنه شاعر بارع أكثر مما هو ناثر ساجع، واعتقد – من أجل ذلك – أن هذا أجدى، لأن الشعر أبقى على الألسن، وأثبت حفظا في الصدور، وأحلى تغنيا في الشفاه، وأدعى إلى تفريج الهموم، وإلى التعبير عما يخالج النفس من المشاعر والأحاسيس والأوهام...
وعند اقتراب منتصف الليل – حيث الطبيعة ساكن، وكل حي ركن إلى الانطواء والاختباء، اللهم إلا ما كان من الخفافيش، وديوك (الأرامل) التي تنعب صائحة بين الحين والحين – عندئذ شعر (الأديب الوزير) بأن لبدنه عليه حقا، وانه جدير بأن يركن إلى الارتخاء والنوم، ولكن واأسفاه، أين السبيل إلى النوم؟ وأحداث هذه الأيام لا تبشر بخير. وإذا كان هناك من شخص عليه ان يتوجس شرا من الأحداث فهو هذا الوزير المستكين من استسلام تحت الكرمة الملتفة الأغصان.
ان البقية الباقية في أرض الأندلس المسلمة من الرجال كلها تتحرك، سعيا وراء رأس (الوزير ابن الخطيب)، وشمال المغرب ثار وقامت فيه دولة جديدة، هدفها الأول القبض على (ابن الخطيب) وأمراء البيت المريني يتعاركون، إما دفاعا عن (ابن الخطيب) أو سعيا في الإيقاع به!!
وتساءل:
(إلى هذا الحد، هو ابن الخطيب السلماني مهم عندهم؟ ألم يترك لهم أرض الأندلس بما يوجد عليها؟ ألم يخرج منها بلا مال ولا اهل؟ ألم يسلم في منصب الوزير الأول بكل ما فيه من جاه ورفعة؟ ألم يغادر غير مخاصم ولا معارك ولا دساس؟ شيء واحد بقي، وهو الأمل الوحيد في الدنيا، ذلك  أن ينعزل محسودكم (ابن الخطيب) ويعود إلى معتزله في (سلا)، في دار ولو بسيطة، من حيث يرجع إلى إنتاجه العلمي والأدبي، ان هذا الانتاج هو أبقى على مر الدهور من مناصبكم وقصوركم وأبهة مناصبكم. اتركوه، اتركوه، انسوا أن هناك شخصا في الوجود يسمى (ابن الخطيب) لينس من أسدى إليه خيرا أنه ممنون له، لئلا يشعر إزاءه بأي نقص، ولينس الذين سبق ان مسهم بسوء أنه ما زال ذا سلطة تمكنه من الإمعان في مباشرة ضرره وسوئه، إنه – اليوم – عاجز، مسلوب الجاه، مجرد عن كل عز، لا رغبة له – وقد مضت ستون من الأعوام – إلا أن يركن إل ركن في بيت زاخر بالمجلدات والمخطوطات والقصاصات الشعرية والزجلية... اما هذا الذي يبنيه والذي يشيده والذي يسهر على تنميته وازدياده هو مستعد للتسليم فيه عند أول طلب، من أول طالب..!)
وكأنما كانت هذه الهواجس الداخلية الصاخبة تنبأ عن القدر المقدور، فلقد طرق باب حجرة النوم على (الوزير السابق) ليقول له وصيفه: أن الذين كانوا ساهرين على ضياعك ومنتزهاتك في أرياض المدينة قد وصلوا الساعة، وهم يخبرون أن جنود السلطان (أحمد بن أبي سالم) المريني، ومعهم جنود أندلسيون من حاشية (ابن الأحمر) دخلوا تلك الممتلكات، وعانوا في أشجارها ومغروساتها، وأفسدوا السواقي وفتكوا بالدواب والدواجن، وطاردوا الحراس والعمال، بل قتلوا بعض من دخل معهم في جدال من أجل ذلك.
قام (ابن الخطيب) من فراشه مرتاعا، فاقدا كل سيطره على نفسه وعلى أطراف جسدهن ووجد أن الموقف أمامه قد تحرج للغاية. وتجمد كل ما يوجد معه في القصر، فالخدم فاغرة أفواههم مرتعدة أيديهم وأرجلهم، والنسوة توارين باكيات نادبات، والحرس قد أخلى أمكنة حراسته حين دبت وقد جاءت جادة، قاصدة دار (ابن الخطيب) للقبض عليه.
لم يفر الوزير، ولم يحاول الفرار، بل إن الفرار لم يخطر له على البال، وبقي واقفا أمام حجرته منتظرا الزوار غير الكرام الذين اقتحموا عليه منزله، تطل من أعينهم الشراسة والقسوة، ويفوه الأندلسيون، من بينهم، بأقوال بذيئة لقنها لهم رؤساؤهم وشرع البعض بقيد اليدين بالحبال، والآخرون يكبلون الرجلين بسلاسل الحديد، وطوق كبيرهم عنق الرجل بحبل متين وشرع يجره جرا إلى الخارج.
وبقي أبناء الوزير الكبار – الواردين أخيرا – مذهولين، والصغار زائغي الأبصار، وهم جميعا يرون أباهم الذي كان يتلقى يوما من الأيام من كل هؤلاء الجنود تحيات عميقة كبيرة بعبارات من الولاء مع الدعاء بطول العمر ودوام العز والشأن... هؤلاء الجنود – الليلة يقومون بجبر الوزير نفسه إلى الحبس، ويدقون بقبضاتهم على ظهره، ويشدون دون احترام على طوقه من الخلف، وهو على استعداد للهجوم ببعض الركلات والضربات... والواقع أن تكديس القيود والاغلال على أطراف (الوزير المحبوس) ليس له من دليل إلا كونه تعبيرا عن الحقد الشديد، على الرجل الذي ما وجدوه متلبسا بجريمة، أو خارقا للقانون، أو متحديا لاولياء أمر، إنما هي أحقاد السادة ينفذها الأعوان بأقصى عنف... وطلع الفجر على فاس الناعسة التي لا علم بما جرى من قبض عنيف على ضيفها (الوزير) ثم أشرقت الشمس – شمس غشت – وهبت معها لفحات من أعماق الجحيم الحامية، وفتح السكان نوافذ حجراتهم التقاطا لنسمات قد يجود بها الطقس القاسي، وتمتعا بمنظر الخضرة الناضرة التي تمتاز أشجار مدينة فاس، وانصاتها إلى رقرقة المياه التي تنحدر في كل زاوية وعند كل زقاق في مدينة فاس، أما السجين (ابن الخطاب) فلا نسمات ولا مناظر ولا ما يمتع السمع او يسر النظر... إنه لم يعد يهتم بأية متعة، ولم يعد يهمه من شؤون الدنيا شيء، ولم تعد له الارغبة واحدة قبل مفارقة الحياة، الحياة لا شط أنه مفارقها، سوى ان يتمعن هذه المناظر الدنيوية الدالة على الكثير من أفكار الناس وأغراضهم ومباذلهم... إنها مناظر مؤسية، لم أمهله الأجل لسجلها للتاريخ، وهنا غالبته عواطفه الفياضة فردد من شعره:
قل للعدا ذهب ابن الخطيب
      وفاتن ومن ذا الذي لا يفوت
واغرورقت العينان بالدموع، وفاض الصدر بآهت حرى، خرجت كأنها لهيب من كانون مشتعل، ولكن دون إحساس باى الفراج، ان القوم متألبون، الأندلسيون منهم بالتحديد – عامتهم وخاصتهم- يريدون رأس (ابن الخطيب) ليعلق في ساحة من ساحات غرناطة، جزاء فراره من سلطانه واحتمائه بالمغرب، والخاصة يريدون مثل ذلك جزء ما كتب عن (زندقة) في تآليفه...
لو علموا وتأملوا لفهموا أن الفرار كان من أجل تجنب المشاكل، والدخول مع الأقران – رجال القصر السلطاني بغرناطة – في صراع ودسائس ومكر، تكون نتيجتها حتما اغتيالات أو قتل على رؤوس الاشهاد، أو نفي مرير في أماكن خالية من البراري والقفار، ولهذا فضل (ابن الخطيب) أن يترك ذلك الجو المسموم المشحون بغضاء وانصرف إلى حال سبيله دون إذاية لأحد...
أما القدوم للمغرب فليس فيه من بأس، فرغم فاصل الضيق فالمغرب والأندلس كأنهما أرض واحدة، والتربة تشهد أن تمازجا قويا يجمع بين ذرات الأجساد الفانية لسبعة قرون خلت، فكلما أحس هذا الجانب بنازلة مهلكة إلا واستغات بالجاني الآخر، لطالما كان الشاطئ الجنوبي مغيثا كريما سخيا أبيا... فإذا كانت الجماعات تستغيث، فلماذا يا ترى لا تستغيث الافراد؟ لقد استغيث بالمغرب فكان نعم المغيث المضيف، ونعم النصير، ونعم الشهم... الا حفظ الله المغرب، وأبقاه ملاذا للإسلام وذرية الإسلام... وزاد ابن الخطيب قائلا (والآن وقد أوشك أن ينتهي كل شيء فلأفتح العينين ولأرهف الأذنين، فالحياة تأبى إلا أن تلقن دروسها حتى النهاية فمرحبا بدروسها مهما كانت قاسية وعسيرة عن الفهم، وبعيدة عن الإدراك).
- منظر السجن الرهيب، العابس الخرب، الشحيح الضوء، القليل العيش، الخبيث الشراب، مأوى الجرذان والخنافس والهوام، السام منها وغير السام... اين هذه الحقارة من قصور غرناطة، وقصور فاس... رحمة الله على الماضي الزاهر..
- منظر الحراس الخالين من كل لياقة، الذين يظهرون جبروتا ما عليه من مزيد، ويشددون الخناق أكثر ما يشددونه على اللصوص والسفاكين والمجرمين حتى إذا جاءهم وزير سجين احتاروا ماذا يفعلون، إذ الأوامر تلزمهم بارتكاب أساليب العنف والاضطهاد، وهم يستحقون أن يفعلوا !
- منظره هو نفسه وقد أخذ إلى حضرة (العلماء) ليحاكم على أفكاره وتعابيره وتخطيطات قلمه، وقصد الخصوم أن يتبثوا عليه تهمة الزندقة والمساس بالمقدسات.
- منظر تلميذه وربيب نعمته (ابن زمرك) وهو يشرف على المناقشة والمحاجة، معاندا مكابرا متطاولا، ساعيا في تضييق الخناق على أستاذه، ولا يرعوي عن أن يهين أستاذه بالإشارة أو بالقول، وأن يحفر تحت قدميه ليوقعه في حبائل الاعتراف.
- منظر السارد هو يسرد (صك الاتهام) الذي حرره قاضي الجماعة (السيد النباهي) النباهي الذي جثا يوما من الأيام على ركبته يطلب من (ابن الخطيب) منصبا، فلما أعطيه سجد شاكرا، ذاكرا الفضل، والمنة التي عليه والتي ستبقى في عنقه مدى الدهر.
- منظر الحراس وقد تكاثروا وتكاثفوا واحتلقوا يطوقون (الوزير السجين) وهو بحضرة العلماء، العلماء رفقاء الأيام السالفة، الذين كانوا من المعترفين له بالفضل والسبق والتفوق، انهم يتعجلون اللحظة التي يؤخذ فيها من حضرتهم إلى ظلمات السجن.
- منظر السجن الموحش، الخبيث الرائحة، القليل النور، المتعفن الهواء الذي صار لوزير سابق مقرا، بعد عز القصور الباهرة، والرياض الرائعة من حيث تغرد البلابل، وتعبق العطور، وترق النسائم، ويحلو الانسجام مع الهدوء وجمال الكون...) حتى السجن يوجد به هدوء، ولكن هدوء الان تزعجه حركة، حسبها السجين فأرة جاءت تتسلل لتضايقه في حصته القليلة من الطعام، إلا أن الحركة كانت خطوات متطفلين دخلوا يقصدون شيئا باستعجال، ومن شدة عجلتهم ارتفعت أطراف ملابسهم الفضفاضة فانطفأ المصباح، ومع ذلك لم يخطئوا قصدهم، فتقدموا إليه، وتحسسوا جسده فعنقه غير المتين، وشرعوا يغرزون أظفارهم في حنجرته.
أحس الوزير الأديب بشدة الضغط عليه، وبحرص المغتالين على أن يخنقوه، وأن يقتلعوا الروح من بين جنبيه، فقاوم بآخر جهد بقي لديه، ولكنهم تقاسموا عملية الإجهاز عليه، هذا شد على الشعر وألصق الرأس بالأرض، والآخر زاد ضغطا على اليدين بالإضافة إلى ضغط القيد، وثالثهم جلس على الفخذين بكل ضخامته وأخذ يدق البطن الواهن بعنف... وعندئذ لم يسع الرجل إلا أن يستسلم للقدر، وأن يغالب سكرات الموت إلى أن فاضت الروح.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here