islamaumaroc

حول [كتاب] الكامل للمبرد -1-

  دعوة الحق

العددان 133 و134

يقول ابن خلدون في مقدمته : «سمعنا عن شيوخنا في مجالس التعليم، ان أصول هذا الفن، يعني الأدب، وأركانه أربعة دواوين، وهي:
أدب الكاتب لابن قتيبة.
وكتاب البيان والتبيين للجاحظ.
وكتاب الامالي لأبي علي القالي البغدادي.
وكتاب الكامل للبمبرد... ه»
وقد انتهى إلى المبرد علم العربية بعد طبقه الجرمي والمازني، فقد كان المبرد حسن المخاضرة، فصيحا، بليغا، مليح الأخبار، كثير النوادر، فيه طرافة ولباقة...
وكتاب الكامل لا زال إلى اليوم مصدرا أدبيا، وموردا عذبا سائغا للأدباء وعلماء اللغة والبيان، ويدرس في كليات الآداب بمختلف الجامعات العلمية...
ويقوم بتدريس الكامل في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس الأستاذ محمد الناصر الكتاني، وتمتاز أماليه بتعليقات والتفاتات وحواش تنم على اطلاع واسع، ومقدرة كبيرة...
وقد رجونا من اخوته ان يمدنا ببعض منها لإدراجه في أعداد مجلتنا، فتفضل سيادته مشكورا..

ترجمة المبرد:
أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي البصري المبرد، ولد بالبصرة سنة عشر ومائتين 210، كان اماما في النحو واللغة والأدب، وكان كثير الأمالي حسن النوادر حسن الملاحظة فصيحا بليغا، وكان من العلم، وغزارة الأدب، وكثرة الحفظ، وحسن الإشارة وفصاحة اللسان، وبراعة البيان، وملوكية المجالسة، وكرم العشرة، وبلاغة المكاتبة، وحلاوة المخاطبة، وجودة الخط، وصحة القريحة، وقرب الافهام ووضوح الشرح، وعذوبة المنطق على ما ليس عليه أحد ممن تقدمه أو تأخر عنه (1)، وكان إلى ذلك جميلا ولاسيما في صباه، ثقة فيما يرويه، فيه ظرافة ولباقة، وكان لكثرة حفظه للغة وغريبها يتهم بالوضع فيها، فاتفق بعض إخوانه على أن يسألوه عن مسألة لا أصل لها لينظر ماذا يجيب، وذكروا بيت الشاعر:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
      حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وتردد على أفواههم من تقطيعه ق بعضنا، فذهب أحدهم إلى المبرد وسأله:
أيدك الله ما القبعض عند العرب، فقال هو القطن، وفي ذلك يقول الشاعر:
كان سنامنا حشي القبعضا
      فعجب القوم من إجابته واستشهاده عليها.
قال ابن خلدون (2): سمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن – يعني الأدب – وأركانه أربعة دواوين وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب الامالي لابي علي القالي البغدادي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها.
وهو المبرد بكسر الراء غيره الكوفيون ففتحوا الراء.
ولا نعلم لكتاب الكامل شرحا مطبوعا سوى كتاب رغبة الآمل من كتاب الكامل لسيد بن علي المرصفي، وهو شرح وجيز يعني في أغلب أحيانه بشرح بعض كلماته اللغوية أو العلمية او التاريخية، فإذا ورد في الكامل بيت استشهد به المبرد ساق المرصفي ذلك الشعر مع القصيدة التي ورد فيها برمتها ثم تعقب كلماتها اللغوية فشرحها بيتا بيتا وهذا أهم ما في الشرح. وقد شرح الكامل من الأقدمين ابو إسحاق البطليوسي، وتوجد منه نسخة في المكتبة العامة بالرباط.
وكان المبرد ممسكا بخيلا يقول: ما وزنت شيئا بالدرهم إلا ورجح الدرهم في نفسي: هذا مع السعة التي كان فيها، وكان أبوه ممن يكسح الارض بالبصرة وكان يقال له: حيال السورجي.
للمبرد من التصانيف الكامل وهو أشهر كتبه، والمقتضب في النحو وهو اكبر مصنفاته وأنفسها، قال أبو علي الفارسي: نظرت في المقتضب فما انتفعت منه بشيء إلا بمسألة واحدة وهي وقوع: «إذا» جوابا للشرط في قوله تعالى: «وان تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون». ومن تصانيفه: الروضة والمدخل في كتاب سيبويه، ومعاني القرآن ويعرف بالكتاب التام وكتاب صفات الله تعالى الفاضل (3) والمفضول وكتاب ما اتفقت (4) ألفاظه واختلفت معانيه في القرآن وكتاب العبارة عن أسماء الله تعالى في تصانيف أخرى.
ومن شعره، وكان له شعر جيد كثير لا يدعيه ولا يفتخر به.
حبذا ماء العناقيـــ
      ـد بريق الغانيات
بهما ينبت لحمي
      ودمي أي نبات
أيها الطالب أشهى
      من لذيذ الشهوات
كل بماء المزن تفـا
      ح خدود الفتيات
نزل بغداد وتوفي فيها سنة ست وثمانين مائتين 286 ودفن في مقابر باب الكوفة في دار اشتريت له وصلى عليه ابو محمد يوسف بن يعقوب القاضي.
وكان ابن الجواليقي كثيرا ما ينشد:
وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسه
ان كانت الأنفاس مما يكتب
قيل انه لثعلب وقيل لأبي بكر العلاف.
ترجك له ابن خلكان، وياقوت في معجم الأدباء، والقفطي في أنباه الرواة، وابن الجوزي في المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، والسيوطي في بغية الوعاة، وأبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد. وتنظر جريدة مراجعة في انباه الرواة ج 3 ص 241.

قال المبرد:
قال رسول الله صلى لله عليه وسلم للأنصار: «انكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع»
وهو حديث أخرجه العسكري في الأمثال عن أنس رضي الله عنه قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين فتسامعت به المهاجرون والأنصار، فغدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر حديثا طويلا فيه، وقال للأنصار انكم ما علمت، تكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع.
«كنز العمال» ج 7 ص 136 من كتاب «حياة الصحابة» للداعية الإسلامي الكبير محمد يوسف ج الأول ص 376.
قال ابن العربي المعافري: أصح ما في الأنصار حديث البراء بن عازب: لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، وحديث أنس: لو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها. أخبر أنه لا يفارق صحبتهم، ولا يزال دارتهم، وأنهم جماعته وموضع سره في قوله: الأنصاري كرشي وعيبتي، وان الناس سيكثرون ويقلون فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم زاد النسائي: قضوا ما عليهم، وبقي الذي لهم، وقوله: في كل دور الأنصار خير. «عارضة الأحوذي ج 13 ص 266».
قال المبرد: «والفزع في كلام العرب على وجهين: الذعر والاستنجاد».
وفسره الراغب بأنه انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف، وهو من جنس الجزع ولا يقال فزعت من الله كما يقال خفت منه وهذا لأن الفزع فيه انتفاض وتطلع إلى الإنقاذ، وشعور بالاعتداء من ذلك  الشيء المخيف وهذا يستحيل أن يكون إحساس العبد من الله، والخوف فيه خشوع ورهبة وخضوع وذلة واستكانة، وهذه صفات العبد بين يدي خالقه والقائم المهيمن عليه.
وفي لسان العرب مادة فزع:
الفزع الفرق والذعر من الشيء وهو في الأصل مصدر فزع منه وفزع فزعا، وأفزعه وفزعه أخافه وروعة فهو فزع، ومنه قول سلامة بن جندل:
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع
      كان الصراخ له قرع الظنابيب
قال المبرد: معناه: إذا ما أتانا مستغيث كانت إغاثته الجد في نصرته أ ه
وقال الراغب: الصارخ الذي أصابه الفزع، ومن فسره بان معناه المستغيث فإن ذلك تفسير للمقصود من الكلام لا للفظ الفزع.
قال الأزهري: والعرب تجعل الفزع فرقا، وتجعله اغاثة للمفزوع المروع، وتجعله استغاثة.
وقرع الظنابيب كناية عن الاستعداد للقيام بنصر هذا الخالف قيام جد لا هوادة فيه، والقرع الضرب، وقد سار هذا مثلا يضرب في هذا المعنى.
قال أبو الفضل أحمد بن محمد المعروف بالميداني المتوفى سنة 518 في كتاب «مجمع الامثال» ج 2 ص 27 يقال قرع له ظنبوبه إذا جد فيه ولم يفتر اه
ويقال: قرع ظنانيب الأمر أي سهله، والظنبوب حرف عظم الساق مقدمه.
قال المبرد: ويشتق من هذا المعنى أي الاستنجاد وطلب النجدة، أن يقع فزع في معنى أغاث كما قال الكلحبة اليربوعي واسمه هبيرة بن عبد مناف والكلحبة أمه:
فقلت لكأس الجميها فانما
      حللت الكثيب من زرود لافزعا
أي لنغيث وننجد من استغاث بنا. وفسر الزبيدي في تاج العروس كلام المبرد هذا فقال: أصل الفزع الخوف ثم كنى به عن خروج الناس بسرعة لدفع عدو ونحوه إذا جاءهم بغتة وصار حقيقة فيه اه.
قال المبرد: وكأس اسم ابنة الكلحبة، والكئيب هو من الرمل ما اجتمع واحدودب. وزرود اسم لرمال بطرق الحاج من الكوفة.
قال المبرد وهو يأمرها بالجام فرسه أي استعدادا للنجدة والغياث. ويقال فزعت إليه فأفزعني أي لجأت إليه من الفزع فأغاثني وهو من الأضداد: أفزعته إذا أغثته، وأفزعته إذا خوفته وكذلك الفزع: المغيث والمستغيث فهو من الاضداد كذلك، والمفزع الشجاع والجبان فهو من الأضداد وكذلك قولهم للرجل أنه لمغلب وهو غالب ومغلب وهو مغلوب، وقد قرئ قول الله تعالى: «وأصبح فؤاد أم موسى فارغا فازعا» أي قلقا يكاد يخرج من غلافه فينكشف وهي قراءة فضالة بن عبد اله والحسن وأبي الهذيل كما في الشواذ لابن جني اه من تاج العروس.

معنى الحديث الكريم
والنبي صلى الله عليه وسلم يثني على الأنصار بمكارم الأخلاق، فهو ينوره بشجاعتهم ونصرتهم للضعيف، وتكاثرهم عند النجدة بأشرف تعبير يمكن أن يؤدي هذه المعاني السامية بأقوى أسلوب وأكرم أداء، ويثني عليهم بالعفة وكرم النفس والعزوف عن دنيا الناس والترفع عن الحرص والطمع. والتعبير وتقلون عند الطمع أداء لمعنى عدم وجود الطامع الحريص فيهم فالقلة لمعنى عدم الوجود هنا، وهذا أشرف وأغلى أسلوب تؤدى فيه هذه المعاني التي ترفع من شأن الجماعة وتعلي مقدارها وتجعلها في الصف الاول قبلة للجماعات الإنسانية التي تطلب الرشد، وتسعى إلى الكمال، وترنو إلى الملائكية في صفوف البشر.
والطمع نزوع النفس إلى الشيء شهوة له، من طمع فيه وبه طمعا حرص عليه ورجاه وتعلقت به نفسه، ولما أكثره من جهة الهوى قيل الطمع طبع والطمع يدنس الاهاب، ومن هنا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعلمن أن الطمع فقر، وأن اليأس غنى.
ويقال على التعجب: طمع الرجل فلان أي صار كثير الطمع، وخرجت المرأة فلانة إذا كانت كثيرة الخروج، وقضو القاضي فلان...
كذلك التعجب في كل شيء، لأن صور التعجب ثلاث:
ما أحسن فلانا! اسمع به، كبرت كلمة، وقد شذ عنها نعم، وبئس..
وينبغي أن يكون الفعل الذي يتعجب منه مباشرة ثلاثيا تاما، مثبتا مبنيا للمعلوم، متصرفا، ليس الوصف منه على أفعل، قابلا للتفاوت..

1) القفطي في الباه الرواة ج 3 ص 242.
2) مقدمة ابن خلدون تحت عنوان علم الأدب ص 553 ط مصطفى محمد.
3) طبعة دار الكتب المصرية.
4) طبع بالمطبعة السلفية بمصر

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here