islamaumaroc

التوحيد وتحرير الضمير الإسلامي تحت ضوء الإسلام -3-

  دعوة الحق

137 العدد

2 ) علم التوحيد عند السلفية
ج - توحيد العبودية
ها نحن أمام المظهر الثالث والأخير لفكرة التوحيد عند شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو المظهر التوحيدي المتعلق بالإنسان والخاص به وحده. إذا كان توحيد الألوهية يدلنا على وحدة الذات والوجود الإلهيين، وإذا كان توحيد الربوبية يهدينا إلى وحدة الفعل الإلهي الخلاق في مستوى الطبيعة وفي مستوى ما فوق الطبيعة - أعني وحدة الفعل الإلهي في مستوى الوجود ومستوى كمال الوجود-، فإن توحيد العبودية يحدد لنا طبيعة موقف المرء تجاه مبدأ الكون والحياة الأعظم، وهذا مصداق ما قررنا سابقا من أن حقيقة التوحيد عند السلفية هي حقيقة إلهية وإنسانية في وقت واحد، وهي فكرة كلية شاملة تلتقي في ظلالها، عظمة الخالق وعظمة المخلوق.
إن هذا اللون الفريد من التوحيد - وأقصد به توحيد العبودية - يكشف عن الصلات القائمة بين المرء وخالقه، أو التي يجب أن تقوم بينهما على نحو منسجم. كما أنه يعين ماهية الوشائج المتحققة بين العبد والرب، أو التي ينبغي أن تحقق بينهما على أساس صحيح ودائم. إن توحيد العبودية يقوم على مبدأين ثابتين هما معيارا الكمال الإنساني في سائر مظاهره، وهما مداه الأقصى البعيد في جميع معانيه: فهو من جهة ينتظم فكرة وحدة العبادة: ووحدة العبودية ووحدة العبادة هما أساسا وجود الفرد في الحياة، وهما مقوما شخصيته الذاتية، وهما ينبوعا ضميره الحي الخالد.
إن الحقيقة الأولى، أو المبدأ الأول لتوحيد العبودية هو وحدة العبودية لله، وهذه الوحدة الخاصة تتطلب من المرء أن تكون ثقته بخالقه وحده، وأن يكون اعتماده عليه فحسب، في جميع الأمور. وذلك لا يتم إلا عندما يعي الإنسان بوضوح طبيعة الروابط التي تصله بموجده الأعظم. فعند ذاك - وعند ذاك فقط - ينكشف أمام عينيه أنه من الله، لا من غيره، يستمد عناصر حياته، وبه، لا بغيره، يتلقي فيوضات أنواره، وإليه، لا إلى غيره، تتطلع أعين رجاله، وفيه، لا في غيره، يستقر حصن ولائه وجواره.
وفي الواقع إن وحدة العبودية لله تعالى هي التي تحرر الضمير البشري من كافة القيود التي تسيطر على المرء في الخارج ومن الخارج. وهي التي تنقذ الفرد من سائر الأغلال التي يرزح تحت أعبائها في داخل ذاته وفي نطاق كيانه. إن العبودية لله وحده ليست في الحقيقة إلا العبودية للحق المطلق والكمال المطلق والوجود المطلق، أليس الله، في ذاته ومن ذاته وبذاته: هو الحقيقة المطلقة، والمحبة المطلقة، والكمال المطلق، والوجود المطلق؟ أليست العبودية لهذه "الأقانيم العليا" هي الضمان الأوفى لكل سلام، ولكل حرية، ولكل تحرير؟
أما الجانب الثاني أو الوجه الثاني لمفهوم "توحيد العبودية" في المدرسة السلفية، فهو ما يسميه شيخ الإسلام ابن تيمية بـ "وحدة العبادة". وهو المظهر الخارجي لتوحيد العبودية، وثمرته العملية الإيجابية. إذا تقرر وثبت أن عبوديتنا في الحقيقة إنما هي لله لا لغيره، فيجب أن يكون الله - سبحانه - هو الموضوع الأسمى، لا غيره، لجميع ما يقدمه الفرد في الحياة، من خبرات ومبرات وقربات، - ويصرح شيخ الإسلام ابن تيمية (وهو في ذلك أمين كل الأمانة على تعاليم القرآن والسنة النبوية) أن معنى "العبادة" في الإسلام يشمل جميع ضروب النشاط الإنساني، ويستغرقها من سائر أقطارها: سواء أكان النشاط أو العمل فرديا أم اجتماعيا، إن في الحقول الدينية، أو في الحقول الدنيوية، على شريطة أن يتوفر في ذاك النشاط أو في هذا العمل أمران اثنان: الأول أن يرتكز العمل والنشاط على أساس صحيح من التجربة والمعرفة، الثاني أن يكون القصد من وراء ذلك كله مرضاة الله، أي خدمة الإنسان لأخيه الإنسان.
وأسمى مظهر لـ "وحدة العبادة" في المدرسة السلفية، هي "وحدة المعرفة" و"وحدة المحبة". ووحدة المعرفة هي التي تحقق التكامل العقلي والفكري في الشخصية الإنسانية، كما أن وحدة المحبة هي التي تيسر للفرد تكامله الإرادي وانسجامه المعنوي وتطوره الأدبي والروحي، ووحدة المعرفة ستنتهي بالمرء إلى وحدة المحبة، كما أن وحدة المحبة ستفضي بالإنسان إلى وحدة المعرفة. فالمعرفة في أعلى قممها هي محبة، والمحبة في منتهى ذراها هي معرفة، فوحدة العبادة في أخص معانيها وفي أرفع جوانبها هي وحدة المعرفة التي هي محبة، وهي وحدة المحبة التي هي معرفة.
إن وحدة المعرفة، التي هي أسمى مظهر لوحدة العبادة في العقل والفكر، تبرز آثارها وتتحقق معانيها في مجالين اثنين متميزين ومتكاملين: في مجال الكتاب الإلهي التكويني، ففي ثنايا الكتاب الأول (الكتاب التكويني) وعلى صفحاته يكتشف العقل الإنساني سنة الله الخالدة في الكون والحياة والمجتمعات البشرية، وعن هذا الاكتشاف وبسبب هذه المعرفة يتوفر للإنسانية، أفرادا وجماعات، وسائل التطور والتقدم في حياة أمثل وأفضل، كما يكون في قدرتها أن تساهم، على نحو إيجابي، في سير ركب الحضارة والمدنية، وبذلك تتحقق الخلافة الإلهية في الأرض، ويصبح الإنسان عاملا في رقى الحياة وكمالها وتجميلها.
أما وحدة المعرفة في مجال الكتاب الإلهي المدون فتكون في تأمل المؤمن المسلم لكلام الله الأزلي، وفي فهم معانيه فهما عميقا يملأ جميع كيانه، ويستغرق سائر مقومات شخصيته ووجدانه. - إن المعرفة المكتسبة عبر الكتاب الإلهي المكون تيسر للمرء الحصول على الحكمة المخلوقة، وبالتالي تهيئ له وسائل الكمال البشري المنشود. بيد أن المعرفة الموهوبة من خلال تأملات المؤمن المسلم لصفحات الكتاب الإلهي المدون، توفر له (أو بتعبير أدق: تمنحه) الحكمة اللامخلوقة، وتسمو به إلى مصاف الكمال الإلهي الأتم.
وأخيرا وحدة المحبة التي هي الجانب الوجداني والروحي لوحدة العبادة، تبدو آثارها وتظهر حقائقها في مجالين اثنين، متميزين ومتكاملين أيضا. فوحدة المحبة تبرز أولا في مجال الضمير، ويكون ذلك في صورة الاستجابة المباشرة التلقائية، رغبا لا رهبا، وطوعا لا كرها، لصوت الناموس الإلهي المستقر في أعماق الكيان والوجدان، ووحدة المحبة تتجلى ثانيا في مجال الوحي الإلهي الخالد، ويكون ذلك في صورة اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان لجميع أوامر الشريعة السماوية المنزلة. اعتقاد وإقرار وعمل، صادر عن إسلام فإيمان فإيقان فإحسان: سلم قيم عليا، أولى درجاته التسليم، وأعلاها العيان!

3) التوحيد في حقول المعارف الصوفية
إذا كان التوحيد عند المعتزلة مشكلة عقلية وأخلاقية، وإذا كان عند السلفية مشكلة دينية واجتماعية، - فهو في نظر رجال التصوف، قبل كل شيء، مشكلة روحية تتعلق بتحرير الضمير البشري من سائر القيود المادية والنفسية والفكرية.
إن التوحيد على ضوء الاختبار الصوفي، وفي صعيد التجربة الذاتية، امتحان شاق عسير، من خلال الدموع والآلام، لمبدأ "الوحدانية" أو "الواحدية". إنه إدراك ذوقي لمفهوم "الوحدانية" ووعي تام بالواحدية: داخليا في أعماق الكيان، وخارجيا في كل ما يحيط بالإنسان. إن غرض الصوفي في حياته - بل غرضه الوحيد في الحياة - هو اكتشاف "طريق النجاة"، والسير عليه دأبا وفي إخلاص. و"طريق النجاة" هو "طريق الوحدانية": وحدة الخالق ووحدة المخلوق في الخالق وبالخالق وللخالق! أليس عن " الوحدة" صدر كل شيء؟ بلى! فالتوحيد إذن هو كل شيء، بل إنه كل الشيء في الشيء، لأنه الشهادة الصادقة عن "الوحدة" الصادقة، الخالصة، المقدسة!
قال يوسف بن الحسين: قام رجل بين يدي ذي النون المصري، فقال: "أخبرني عن التوحيد ما هو؟ فقال: هو أن تعلم أن قدرة الله في الأشياء بلا مزاج، وصنعه للأشياء بلا علاج، وعلة كل شيء صنعه، ولا علة لصنعه. وليس في السماوات العلى ولا في الأرضين السفلى مدبر غير الله. ومهما تصور في وهمك شيء فالله - تعالى- بخلاف ذلك ."
وسئل الجنيد عن التوحيد الخاص، فقال: "أن يكون العبد شبحا بين يدي الله - تبارك وتعالى! تجري عليه تصاريف تدبيره، في مجاري أحكام قدرته، في لجج بحار توحيده، بالغناء عن نفسه، وعن دعوة الحق له، وعن استجابته لحقائق وجود وحدانيته في حقيقة قربة، بذهاب حسه وحركته لقيام الحق له فيما أراد منه.
"( والتوحيد الخاص أيضا) هو أن يرجع آخر العبد إلى أوله: فيكون كما كان من قبل أن يكون!".
 وقال رجل للشبلي: "أخبرني عن توحيد مجرد، بلسان حق مفرد". - فقال: "ويحك! من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد! ومن أشار إليه فهو ثنوي! ومن أومأ إليه فهو عابد وثن! ومن نطق فيه فهو جاهل! ومن سكت عنه: فهو غافل! ومن أوهم (أنه إليه) واصل فليس له حاصل! ومن قال إنه قريب: فهو(منه) بعيد! ومن تواجد (فيه) فهو فاقد! وكل ما ميزتموه بأوهامكم، وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم فهو مصروف، مردود إليكم، محدث، مصنوع مثلكم!
وهذه نقمة جديدة في "أنشودة التوحيد" ما سمعناها من قبل، لا عند المعتزلة المتقدمين، ولا عند السلفية المتأخرين.
إن النص الأول المنسوب إلى ذي النون المصري، يبدي لنا بوضوح تام مدى سريان الألفاظ "الكيميائية في البيئة الصوفية، منذ العصور الأولى للإسلام، ومدى تفتح رجال التصوف لها، وتآلفهم معها، واستيعابهم إياها. إن كل جملة في الجواب المنسوب إلى ذي النون، بل كل كلمة فيه، تنطق بالدلالة على هذه الظاهرة الفذة: "القدرة في الأشياء" ، "مزاج" ، "الصنع في الأشياء"، "علاج" ، "المدبر". فهذه جميعها مفردات "كيميائية " مشهورة في أوساطها العلمية، معروفة لدى أهلها.
وفي الواقع الصلات وثيقة بين علم الكيمياء وعلم التصوف، أو بتعبير أكثر دقة: الروابط، في الحقيقة، جد وثيقة بين كيمياء المعادن وكيمياء النفوس والأرواح. أليس غرض علم الكيمياء تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، وذلك عن طريق التدبير والعلاج الخاصين؟ أليس غرض علم التصوف السمو بنوازغ الشر في الإنسان إلى نوازع الخير، بأسلوب ومنهج خاصين، تترقى الشخصية الإنسانية، آنذاك، من حضيض النفس الأمارة بالسوء إلى مستوى النفس اللوامة، الواعزة المراقبة، إلى أوج النفس المطمئنة، الراضية المرضية؟
و جواب الشبلي، حين سئل عن "التوحيد المجرد" ، يشير إلى التميز الدقيق بين الوحدة الإلهية من حيث هي هي (ولسان هذه الوحدة هو التوحيد الذاتي)، وبين الوحدة الإلهية من حيث نعوتها التخصيصية وشؤونها التخصيصية ( ولسان هذه الوحدة هو التوحيد الفعلي). - فالتوحيد الذاتي لا قدم للعقل الإنساني فيه مطلقا: "إذ هو توحيد قائم بالأزل، اختصه الحق لنفسه، ولا يستحقه لغيره" (منازل السائرين للشيخ الأنصاري الهروي). فكل من أجاب عن مثل هذا التوحيد فهو ملحد، وكل من أشار إليه فهو وثني، وكل من أوما إليه فهو عابد وثن ..
أما توحيد الأفعال، أو التوحيد الفعلي، فهو الذي يصح صدوره من الإنسان، وهو ميدان فكره وعقله الذي يصول فيه ويجول. ومع ذلك، فهذا
النمط الخاص من التوحيد هو الذي عناه ذو النون المصري بقوله: "مهما تصور في وهمك شيء فالله تعالى بخلاف ذلك" وهو الذي أشار إليه الشبلي: "وكل ما ميزتموه بأوهامكم، وأدركتموه بعقولكم )...( فهو مصروف، مردود إليكم".
فالسؤال، أو الإشكال الذي يعتلج الآن في الصدر، يمكن صياغته على النحو الآتي: لماذا كان هذا اللون من التوحيد الفعلي معلولا، محدثا، مصنوعا؟ وبالتالي: لماذا كان هذا التوحيد الخاص مصروفا عن باب الحقيقة، مردودا على وجه الخليقة؟ - ومهما يكن في الأمر من شيء، فإنه يمكن الجواب عن هذا التساؤل من طريقين. الطريق الأول: هو أن قوى الإنسان الحسية قاصرة في طاقاتها، وأن ملكاته المعنوية محدودة في اكتساب معارفه، فالفرد البشري ليس باستطاعته أن يدرك وحده الفعل الإلهي في إطلاقه وشموله وسموه وكماله. فالتوحيد الصادر عنه، في هذه الحالة، هو بالضرورة موصوف بهذه الخصائص البارزة: أي هو توحيد قاصر لقصور قواه الحسية، محدود لحدود ملكاته المعنوية.
الطريق الثاني: هو أن الظواهر الكونية، وهي المجال الرحيب الذي يستمد منه الفكر الإنساني معارفه النظرية، ولا تتوفر لديها - من حيث هي ظواهر فحسب - العناصر الكافية للدلالة على وحدة الفعل الإلهي المطلق، وبالتالي على تصحيح حقيقة التوحيد، فهي - أعني الظاهرات الكونية - حادثة متغيرة، والفعل الإلهي قديم ثابت. إنها متعددة متنوعة وهو واحد مقدس... فالهوة سحيقة، إذن، بين ظواهر الكون والوجود ووحدة الفعل الإلهي الخلاق. فكيف يقام هيكل التوحيد على مثل هذا الأساس؟ أم كيف يشيد بناؤه بمثل هذه المواد؟
وأخيرا تعريف الشيخ الجنيد أو وصفه للتوحيد مرتبط بنظريته الخاصة بالفناء، وقد كان إمام الطائفة أول من صاغ هذه النظرية الهامة، على ما يبدو، في قالب علمي دقيق. ولكن "الفناء الصوفي" في نظر شيخنا، لا يتم معناه الروحي إلا بحقيقة إيجابية، تقابل سلبية الفناء، لأن السلبية في المجال النفسي - بل في كل مجال أيضا - تحدث فراغا في الكائن وفي الوجود، يناقض فيض حياة الروح وتدفق الوجدان. هذه الحقيقة الإيجابية - المقابلة للفناء - هي البقاء بالله وفي الله ولله". أي قيام الحق فيما أراده - سبحانه وتعالى - من عبده: تضحية ونسكا وجهادا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here