islamaumaroc

[كتاب] أوصاف الناس في التواريخ والصلات، للوزير لسان الدين بن الخطيب -8-

  دعوة الحق

137 العدد

ومن ذلك في وصف :
76 – أبي عمرو بن عباد – من أهل رندة (1)
صوفي محقق، ومريد من صبوح المحبة مرفق. كان ببلده – رحمه الله – عينا من أعيانها، وقربع بيت من بيوت أحسانها. شام للغرب بارقا، فأصبح لدنياه مفارقا، فنزح عن بلاده، وخرج عن طريقه وتلاده، وشمر لمقارعة الهوى وجلاده. وخاض بحار تلك الأهوال، حتى صارا معدودا في أهل الأحوال. وظهرت عليه سمان الحضرة، وسطعت له أنوار الكرامة الإلاهية. ولم يزل يعبر عن وجده، ويكني بحاجره ونجده، حتى حفظت ( 103 : ب) أقواله، واشتهرت أحواله.
ومن ذلك في وصف :

77 – أبي الوليد بن هاني – من أهل غرناطة
شاعر ينحث من طود، وماطر صاب من الكلام بحود (2)، عدل عن اللفظ القريب، الحوشي الغريب. فإذا أجهد طبعه، ووصف حبه وربعه، وكيف ظعن القطان، وتغيرت الأوطان – قلت : حجازيا فصيحا، أو تميما ينشق لبيان ريحا، ونجديا شكا بثا وتبريحا.
نشأ ببلده غرناطة مطلع نور حسبه الباهر، وروضة بيته الأنيق الزاهر. قشاى حلبة الطلب، وفاز بالغلب، واجتهد وعكف، واستمطر وابل العلم لما وكف، حتى جلى من المشكلات كل حالك، واستظهر موطأ مالك. ثم رمى السفار بعزمته، وخاض القفار بجرفه وجزمته، واستقر بعد اعتساف المجاهل، ومزاحمة المناهل، وخوض العرار، والبشام بحماة الشام (3)، واتخاذها دارا، وارتضاها لفضله مدارا.
( 104 : ا) ومن ذلك في وصف :

78 – أبي عبد الله الكفيف – من أهل مالقة
ضرير زاد نور قلبه فاجتمعا، وكفيف سارت الأمثال بذكره فصدق مرأى منه مستمعا. صادق اللهجة، سلك سبيل الفضل وانتهج نهجه. أدهن من رواد المشكلات وافترعها، وصادم الغوامض فصرعها. وله في علم اللسان قدم راسخة، وفي أحكام المعني آية ناسخة. وكان معري عصره ووارث علمه الذي يعجز عن حصره. وله في العلوم العقلية ذوق، وإلى تلك الفنون شوق، نسبته الألسن، واستقبح منه ما يحسن. ونظمه دون قدره، ومعانيه تكثر عن نفثات صدره.
ومن ذلك في وصف :

79 – الأديب الحاج الرحال أبي إسحاق الساحلي
جواب الآفاق، ومحالف الرفاق، ومنفق سعر الشعر كل النفاق. رفع ببلده راية للادب لا تحجم، وأصبح نسيج (104 : ب) وحده فيما يسدي ويلجم. فإن  نسب حري قلب ما كسب، وان مدح وقدح من أنوار فتنته ما قدح – حرك الجامد، ونظم نظم الجمان المحامد. وان أبز أو رثا غير في وجوه السوابق وحثا.
ولما أنف لكساد سوقه، وضياع حقوقه – أخد بالعزم، وادخل على تعلاته عامل الجزم. ولم يزل يسقط على الدول سقوط الغيث، ويحتل كناس الظبي وغاب الليث. ويركب النجائب، ويتتبع العجائب، حتى استضاف بمصر الكرام، وشاهد البرابي والأهرام، ورمى بعزمته  الشام فاحتل ثغوره المحوطة، ودخل دمشق وتفيا الغوطة (4). ثم عاجلها بالفراق، وتوجه إلى العراق، فحيا بالسلام مدينة السلام (5). وأورد بالرافدين (6) رواحله، ورأى اليمين وسواحله. ثم
عدل إلى الحقيقة عن المجاز، وتوجه إلى مثابة الحجاز. فاستلم الركن والحجر، وزار التراب الكريم لما صدر. وتعرف بمجتمع الوفود بملك السود. فغمره بأرفاده، واستصحبه إلى بلاده. فاستقر بأول أقاليم الأرض، وأقصى ما يعمر هذا العرض، فحل بها ( 105 :  ا) محل الخمر إلى القار، والنور في سواد الأبصار. وتقيد بالإحسان، وإن كان غريب الوجه واليد واللسان.
وقد أثبت من شعره ما شهد بجلالة آدبه. وتعلق الاحسان بأهدابه.
ومن ذلك في وصف :

80 – القائد أبي جعفر أحمد بن خير
قائد مليح الشيبة، المباسطة بالهيبة. يجمع بين الدعابة والوقار، ويدير من الفكاهة كؤوسا تزرى بكريم العقار. وله أصالة قامت على العلم أركانها. واشتهر – بحمص أعادها الله – مكانها، ووسائل إلى السلف الكريم عظم ذمامها، وتبتث أحكامها. وخطوة ظفر منها بالأمل، وارتضع أخلافها بين القيادة والعمل.
تناول خطة المدينة فأجراها، ورأس نبل الأحكام وبراها، وبشرى بشار أولى الفساد وفراها، وفرق بين الجفون وكراها. فكم عاشق انتجز للوصل ميعادا، وارتقب للسعد إسعادا، وظفر مثير غرامه، وموقد ضرامه. في مجلس تجلت فيه عروس الكناس، على فرس الورد والآس، وعند سجود الإبريق، ومزج المدامة بالريق – وتب ابن خير هذا وثوب الليث، وسقط عليه سقوط العبث، لا سقوط الغيث، فراع غزال ذلك الكناس. حتى ذعرت القلوب لسطوته، وتشدقت الآذان إلى إحساس خطوته. كل ذلك بعدل ميزان قائم  وجزالة لا يشتبها في الحق  لا ثم. وبسالة تشهد المواقع بمضائها، وتثنى عليها السيوف عند انتضائها.
واصطنعه المقام اليوسفي (7) أعلاه الله وارتضاه – للأمانة العظمى، وقلده حفظ أبواب معلقة الأسمى. فأعطى القوس باريا، وقلد الخطة حساما فاريا. وهو لطيف المحل لديه، وحظي بين يديه، يستظرف نادرته العذبة، ويبدي له القبول والمحبة.
وله أدب عذب الجانب، سهل المذائب، لا يزال ينفث يضربه، ويستقر عند نظمه عوائد طربه.
ومن ذلك وصف :

81 – أبي جعفر بن غفرون – من الجند
(106 : ا) نير ما طلع حتى أفل، وما وجد في حلل الفضل رقل. ألطف الناس في معاشرة الأكفاء، وثاني السمول ابن عاديا في الوفاء. إلى حمل لا يضيق له صدر، وعهد لا يتطرق لحماة نكث وغدر. ونفس عظيمة النفاسة، وأخلاق مولعة بذكر الحماسة.
توجه مع الحصة إلى حراسة ثغر بيرة (8) وقد اشتعلت نيرانه، وكلب جيرانه. وكانت من المسلمين جولة في بعض المواقف، ميز الله بها الخاص من الزائف. ولم يرض حاجينا – رحمه الله – على الفرار أمام الكفار، ولم يزل يقدم إقدام الغضنفر، ويقيم هامته مقام المغفر (9) فقضى شهيدا مقداما، وشرب للحمام كأسا كانت لها السعادة مداما.
ولم اظفر من كلامه إلا بنزر، ولا حطت من مداه إلا على جزر.
ومن ذلك في وصف :

82 – أبي جعفر الروية – من أهل بليش
ناظم الفقر الشاردة ومنتضى المعاني الصادرة والواردة، وصاحب قريحة ملتهبة الوقود، وبديهة منتظمة العقود، وبيت ينمي إلى مجد، وأصالة أطيب من عرار نجد (10).
نشأ ببلده ( 106 : ب) بليش قرارة ميلاده، مقتصرا على انتجاع تلاده. صان بذلك وجهه عن أراقة مائه، وهتك حجاب حياته.
ولم أظفر من شعره - على استرساله – إلا يقول يهني السلطان – أبده الله – بأحد أولاده.
ومن ذلك وصف :
أبي عبد الله العبدري المالقي أديب نار ذكائه يتوقد، وعارض لا يعترض كلامه ولا ينفد. وأما الهزل فهو طريقته المثلى. التي ركض في ميدانها وجلى، وطلع في افقها وتجلى. فأصبح علم أعلامها، وعابر أحلامها إن أخذ بها في وصف الكأس، وذكر الورد والآس، وألم بالربيع وفصله، والحبيب ووصله، والروض وطيبه، والغمام وتقطيبه – شق الجيوب طربا، وعل النفوس اريا وضربا (11). وان أشفق لاعتلال العشية، في فرش الربيع الموشية، ثم تعداها إلى وصف الصبوح، وأجهز على الزق المجروح، وأشار إلى نغمات الورق، وقد اشتعلت في عنبر الليل نار البرق، وطلعت بنود الصباح (107 : ا) في شرفات الشرق – سلب الحليم وقاره، وذكر الخليع كاسه وعقاره. وحرك الأشواق بعد سكونها، وأخرجها من وكونها، بلسان يتزاحم على مورده الخبال، ويتدفق من حافاته الأدب السيال. وبيان يقيم أود المعاني، ويشيد مصانع اللفظ محكمة المباني، ويكسو حلل الإنسان جسوم المثالث والمثاني. إلى نادرة لمثلها يشار، ومحاضرة يجنى بها الشهد ويثار.
وقد اثبت من شعره – وإن كان لا يتعاطاه إلا قليلا، ولا يجاوره إلا تعليلا – أبياتا لا تخلو من مسحة جمال على صفحاتها، وهبة طيب تنم في نفحاتها.
ومن ذلك في وصف :

84 – أبي القاسم الشريف الحسني (12)
ما شئت من قدره وايد، ليس من عمرو ولا زيد. أكرم من عمر للبلاغة مجالا، وأطوع من دعا
أبيات المعاني فجاءت عجالا، وأبرع من أدار كؤوس البيان المعتق، ولعب بأطراف الكلام المشقق روية وارتجالا، وأجل من أشار إليه الشاعر بقوله :
"وخير الشعر أكرمه رجالا"
قدم على ( 107 : ب) الحضرة على هذا القاضي الشريف، وقذف بدرته النفسية لها الريف. روض أدب وظرف، لما شئت من حسن وعرف. يدير من الحاضرة جريالا، ويسحب للبدائع والروائع أذيالا. ذا نفس كريمة، وأخلاق كالروض غب انسكاب ديمة.  وقعد بمسجدها فدرس وحلق، و سطع نوره في أفقها وتألق. واستأثرت به الكتابة السلطانية لأول وروده وسبغت عليه من الاحسان سوابغ بروده. وترشح بخلاله المرتضاة، إلى قضاء القضاة. وهو –الآن- قاضي الجماعة وأمامها (13)، وقيم الشريعة الذي في يديه زمامها، بلغت به تلك المثابة أمالها، واستأنفت بعد الكبرة جمالها، وقالت له : هيت لك (14)فلم تكن تصلح إلا له، ولم يكن يصلح إلا لها. وألقت له الخطابة قيادها، فأنسى قسها، ووسم بعد الأغفال بسيمة الاحتفال جمعها وأعيادها. واما شعره فينازع الرضى نسيبه، فخره وتشبيبه.
(108 : ا) ومن ذلك في وصف :

85 – الشريف ابي عبد الله بن الحسن الحسني
كريم الانتماء، مستظل بأغصان الشجرة الهاشمية الممتدة الأفياء، التي أصلها ثابت وفرعها في السماء(15). من رجل سليم الضمير، ذو نفس أصفى من الماء النمير وبشهامة تثني عليها الرجال، إذا ضاق المجال، وتقوضت الآجال، وله في الشعر طبع يشهد بعروبية أصوله، ومضاء نصوله. وقد اثبت من شعره ما يتضح في البلاغة سبيله، ويشهد بعتق الجواد صهيله.
ومن ذلك في وصف :

86 – أبي القاسم بن الرئيس أبي زكرياء العزفي (16)
فرع تأود من الرياسة في دوحة، وتردد ما بين غدوة في المجد وروحه. نشأ والرياسة العزفية تعله وتنهله (17)، والدهر ييسر أمله الأقصى ويسهله. حتى اتسقت أسباب سعده، وانتهت إليه رياسة سلفه من بعده، (108 : ب) فألقت إليه رحالها وحطت، ومتعته بقربها بعد ما شحطت وشطت. ثم كلح له الدهر بعدما تبسم، وعاد زعزعا
نسميه الذي كان يتنسم. وعاق هلاله عن تمه، ما كان من تغلب ابن عمه. واستقر بهذه البلاد نازح الدار، بحكم الأقدار، وان كان نبيه المكانة والمقدار. وجرت عليه جراية واسعة، ورعاية متتابعة.
وله أدب كالروض باكرته الغمائم، والزهر تفتحت منه الكمائم. رفع منه راية خافقة، وأقام له سوقا نافعة. على تدفق أبهاره، وكثرة نظمه واشتهاره – فلم أظفر منه إلا باليسير التافه، بعد انصرافه.
ومن ذلك في وصف :

87 – أبي عبد الله بن الشيخ الحاجب بتونس أبي الحسن بن عمر
عدي نعمة هامية، ورقي رتبة سامية تقلد أبوه حجابة الخلافة بتونس – وهي ما هي من سمو المكان، ورفعة الشأن – فصرف إليه الوجوه، ولم يبق إلا من يخافه أو يرجوه. (109 : ا) وبلغ ابنه مدة ذلك الشرف – الغاية في الترف. ثم قلب لهم الدهر ظهر المجن، واشتد بهم الخمار عند فراغ المدن. وبزتهم الأيام بزتها، واسترجعت عزتها ولحق صاحبنا هذا بالمشرق بعد خطوب مبيرة، وشدة في البحر كبيرة. فامتزج بسكانه وقطانه، ونال من اللذات ما لم ينله في أوطانه، واكتسب الشمائل العذاب، وكان كإبن الجهم بعث إلى الرصافة (18) ليرق فذاب.
ثم حوم على وطنه تحويم الطائر، وألم بهذه البلاد إلمام الخيال الزائر. فاغتنمت صفقة وده لحين وروده، وخطبت موالاته على انقباضه وشروده.
فحططت منه على درة تقتنى، وحديقة طيبة الجنا، فبالله من ساعات أنس قطعناها، ولذات أطاعتنا وأطعناها !! ما كانت إلا كأحلام نائم، أو إفاقة هائم ! رحلن وما بقين إلا الأسى، والتعلل بعسى ...
والفقيه أبو عبد الله هذا ذو فهم حديد وفضل سديد، وباع من الأدب مديد. ولو تفرغ للتحصيل بمقتضى( 109 : ب) طبعه الأصيل – لعلت قداحته، وكان بحرا لا يساجل ضحضاحه.
ومن ذلك في وصف :

88 – أبي عبد الله ابن الحاجب بتونس أبي عبد الله بن العشاب
جواد لا يتعاطى طلقة، ولا يماثل بالفجر قلقة. كانت لأبيه – رحمه الله – من الدول التونسية منزلة لطيفة المحل، ومفاوضة في العقد والحل. ولم تزل تسمو به قدم النجابة من العمل إلى الحجابة. ونشأ ابنه هذا مفدى بالأنفس والعيون، مقضى الديون، حالا من الضمائر محل الظنون. والدهر ذو ألوان، ومارق حرب عوان، والأيام كرات تتلقف، وأحوال لا تتوقف، فالوى بهم الدهر وأنحى، ولد الغمام جود بعقب مال له صحا. وشملهم الاعتقال، وتعاورتهم النواب الثقال، واستقرت بآخره بالمشرق ركابه، وحطت به أقتابه. فحج واعتمر، واستوطن تلك المعاهد وعمر، وعكف على كتاب الله فجود الحروف، (110 : أ) وقرا الخلف المعروف. وقيد وأسند، وتكرر إلى دور الحديث وتردد.
وقدم على هذه البلاد فدوم النسيم البليل، على كبد العليل. ولما استقر بها قراره، واشتمل بجفنها أغراره – بادرت إلى مؤانسته، وتابرت على مجالسته.فاجليت للسرور شخصا، وطالعت
ديوان الوفا مستقصى، وعلمت معنى الكلام تأويلا ونصا. فحيا الله زمن اقترابه، فلقد جاد وأجاد، وأفاد ما لا أخاف عليه النفاد.
وأما شعره فليس بحائد عن الاحسان، ولا غفل عن غرر البيان.
ومن ذلك وصف :

89 – صاحب القلم الأعلى بالمغرب أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي (19)
الفذ الذي يعدل بالألوف، والبطل المعلم عند مناجزة الصفوف، والمتقدم بذاته وأدواته تقدم الأسماء والحروف.
نشأ بسبتة – حرسها الله – بين علم يفيده، ومحل يشيده. وطهارة يسحب مطارفها، ورياسة يتفيأ وارفها. وأبوه رحمه الله – (110 : ب) قطب مدارها، ومقام حجها واعتمارها. فسلك الحزون من المعارف والسهول، وبذ – على حداثة سنه – الكهول. ولما تحلى من الفوائد العلمية بما تحلى، وبرز في ميدان المعارف وجلى، واشتهر اشتهار الصباح إذا تجلى – تناقست به همم الملوك الاخائر، واستأثرت به الدول – على عادتها – في الاستئثار بالذخائر. فاستقلت بسياستها ذراعه، وأخذم السيوف والذوابل يراعه (20). وهو –الآن – عينها التي تبصر، ولسانها الذي تسهب به وتختصر.
وقد تقدمت له – إلى هذه البلاد – الوقادة، وجلت به لديه الإفادة. وكتب عن بعض ملوكها، وانتظم في سموطها الرفيعة وسلوكها.
وله في الأدب الراية الخافقة، والعقود المتناسقة. فما شئت من لفظ طاب عرفه، ومعنى سحر الألباب ظرفه. وقد أثبت من كلامه في "ريحانة الكتاب" ما تتمناه النحور بدل قلائدها، وتجعله الحور تمائم على ولائدها.

(1) مازالت المدينة تحمل نفس الاسم بالإسبانية ronda تقع غرب مالقة، وقد كانت من أهم القواعد الأندلسية، وتعتبر الحصن الذي يحمي مالقة من ناحية الغرب، ونتيجة لهذا فإنه عندما سقطت رندة في أيادي الإسبان في جمادى الأولى 890 هـ ( ابريل 1485  م) أضحى الطريق سهلا وممهدا لاستيلائهم على مالقة، وهكذا سقطت هذه الأخيرة في أيدي القشتاليين بعد قليل ( شعبان 892 هـ/ أغسطس 1487  م).
وتشرف المدينة فوق منطقة عالية من الربى، ويشقها من وسطها وادي ليبين guadehebin ولم يفت ابن بطوطة أن يتناول المدينة بالوصف حينما زارها خلال رحلته إلى الأندلس عامل 1350  م فقال عنها :
" وهي مدينة من أمنع معاقل المسلمين، وأجملها وصفا". ويبلغ سكان رندة حاليا أكثر من 35.000  نسمة، فهي مدينة متوسطة المساحة، تبدو عليها مسحة القدم والبساطة، ويغلب عليها الطابع الأندلسي.
أما أهم المعالم والآثار الأندلسية الباقية بها، فهي أطلال القصبة العربية الشهيرة، والقنطرة العربية الواقعة عند مدخل المدينة من الناحية الغربية، وهي ذات عقد واحد بالغ الارتفاع، ثم الحمامات العربية التي لم يبق منها إلا أطلال دراسة بالقرب من الكاتدرائية العظمى كذلك من آثار المدينة "المنارة" عند نهاية البلدة، وهي ذات ارتفاع يبلغ حوالي 12 مترا، ويرجع بعض المؤرخين أنها من العصر الموحدي، لتقارب هندستها المعمارية مع هندسة العصر في المآذن، ومنم آثارها أيضا قصر الأمير أبي مالك، وباب المقابر. هذا، وينسب لهذه المدينة الفقيه ابن عباد الرندي.
راجع : ما كتبه بروفتسال عن هذه المدينة الإسلامية في :    ENC, ISI, III, p. 1254  ثم مجلة الاندلس. ص :  492   عام  1949م.
(2) حود : بفتح فسكون، مصدره حاد، بمعنى : الميل.
(3) حماة :  مدينة لها شهرتها وأصالتها في سوريا، تقع على النهر العاصي، إحدى المراكز التجارية، تتبعها كمحافظة من المحافظات سليمة ومصياف، ويبلغ تعداد سكانها حوالي 395.000  نسمة، ويرجع تاريخها إلى القرن الألف الخامس قبل الميلاد تقريبا، احتلها الميتانيون عام 1.550  ق.م ثم الآراميون نحو 1.100 ، ثم دمرها الحيشيون ثم الآشوريون عام 720 ق.م، ولكن الحياة عادت غليها في عصر السلوقيين، اللذين دعوها "إييفانيا"، حتى احتلها الرومان عام 64 ق.م وتلاهم البيزنطيون، وأخيرا دخلت التاريخ العربي عندما فتحها القائد أبو عبيدة عام 639م. هذا، وتشتهر حماة بنواعيرها، ومن آثارها المعروفة الجامع الكبير، وجامع أبي الفداء.
راجع : د.إبراهيم العدوي وآخرين في " تاريخ العالم العربي وحضارته" ص 238  وما بعدها .. طبعة القاهرة 1965م.
(4)  الغوطة : هي مجموعة من البساتين المحيطة بدمشق، ترتوي من نهر بردى، تشتهر بوفرة وجودة مشمشها، وكانت هذه الجنات قديما سكنا للغساسة.
(5) مدينة السلام : بغداد.
(6)  الرافدان دجلة والفرات.
(7) المقام اليوسفي نسبة إلى يوسف الأول ابن الحجاج ابن الأحمر سلطان غرناطة، وسابع ملوك بني نصر ( 733 – 755 هـ - 1333 – 1354  م)
(8) بيرة : تدعى الآن في الإسبانية Vera تقع شمال غرناطة، وهي بلدة مرتفعة، تشرف على ساحل البحر المتوسط مما أكسبها أهمية بحرية حربية.
وصفها ابن الخطيب في " معيار الاختيار"  مشيرا إلى مجاورتها للنصارى، وما كان من تعرضها لمناوشاتهم، وانتهاك حرمتها بين حين وآخر، حيت يقول : " .. إلا أنها قليلة المطر، مقيمة على الخطر. مثلومة الأعراض والأسوار، مهطعة لداعي البوار" هذا بالإضافة إلى فتنها بالداخل " قليلة الوجوه والصدور، كثيرة المشاجرة والشرور، برها أنذر برها في المعتمر والبور، وزهد أهلها في الصلاة شائع في الجمهور".
(9) المغفر والمغفرة : ج مغافر، عبارة عن زرد يلبسه المحارب تحت القلنسوة لاتقاء الضربات.
(10) العرار : واحده عرارة، وهو بهار ناعم أصفر طيب الرائحة. وعرار نجد الذي يلمح إليه المؤلف هو الذي عناه الشاعر قديما بقوله :
  تمنع من شميم عرار نجد                     فما بعد العشية من عرار
(11) الأرى : بفتح الهمزة وسكون الراء مصدر اري، واري النخل : عمل العسل، فالأري ( فتح الهمزة وسكون الراء) هو : العسل.
(12) هو الشيخ محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الحسني السبتي. ولد بسبتة في 6 ربيع الأول 697 هـ ( 22 ديسمبر 1297  م) حيث نشأ بها، وقرأ القرآن، وتملأ من العلوم، وأخذ بحظ وافر من المنظوم والمنشور، ثم انتقل إلى غرناطة، حيث التقى بشيخ الكتاب ابن الجباب، الذي ضمه إلى الكتابة الديوانية، وهو أحد الشيوخ ابن الخطيب المعدودين في مفاخر صفحاته العلمية.
تقدم للقضاء في أنحاء شتى من الأندلس، ثم اختير قاضيا للجماعة بغرناطة، وخطيبا للمسجد الأعظم فترة من الوقت، ثم عزل، ثم أعيد مرة أخرى، كما جدد السلطان الغني بالله الولاية له بعد وفاة أبيه السلطان أبي الحجاج. وللمترجم له مؤلفات ما زال معظمها مخطوطا لم ير النور بعد، مثل "الجواهر الثمينة، في صفات القاضي العادل" وكذا مؤلفه الضخم" رقع الحجب المستورة، عن محاسن المقصورة" شرح بها مقصورة أديب المغرب الإمام أبي الحسن محمد القرطاجني التي مدح بها المنتصر بالله ابي عبد الله محمد الحفصي، وذلك في مجلدين كبيرين.
وتوفي هذا الفقيه بغرناطة في 21 شعبان 760 هـ ( 18 يوليوز 1359  م) عن 63 عاما.
راجع : يوسف الأول ابن الأحمر للمحقق ص 78 – 79 ( لجنة البيان العربي القاهرة 1969  م)
(13)  جرت عادة الأندلسيين أن يختاروا من بين قضاة المدن "قاضيا للجماعة" وهو المعروف "قاضي العاصمة" أو " قاضي الحضرة الملكية" وبعد منصبه من أرقع المناصب الدينية، ولهذا يراعى اختيار صاحبه السمعة الطيبة، والكفاءة والتبريز في ميدان القضاء، إلى جانب التأليف في هذا، والشهرة في الفتاوي، فلم يكن ليشغل هذا المنصب سوى العلماء المشهورين، أو الفقهاء الكبار، مثل الشريف السبتي، وأبي البركات بن الحاج البلفيقي. ويقوم قاضي القضاة عادة بالخطابة في المسجد الاعظم بالعاصمة، ويتم هذا الاختيار السامي  بمقتضى ظهير ملكي خاص، حيث تقام حفلة تنصيبه بالمسجد الأعظم أو مسجد الحمراء، وقد أورد ابن الخطيب في كل من " الإحاطة واللمحة البدرية" اسماء من تولوا القضاء بالحضرة الملكية، وخاصة من عاصرهم، مرتبا ذكرهم غالبا حسب تاريخ اعتلائهم هذا المنصب.
راجع : المصدر السابق، ص 74 .
(14)  اقتباسا من قوله تعالى : " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب، وقالت : هيت لك، قال : معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي، انه لا يفلح الظالمون". سورة يوسف، آية 23 .
(15)  اقتباسا من قوله تعالى : " ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء" سورة إبراهيم، آية 24 .
(16) نسبة إلى بني العزقيين المتآمرين بسبتة في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي).
(17) العل : (بفتح العين) شرب الخمر المرة تلو المرة. والنهل : (بتشديد النون مع الفتح) أول الشرب
(18) مدينة في بادية الشام، تيعد بنحو أربعين كيلومترا من نهر الفرات، لما أصالتها وشهرتها، حيث وردت في الكتب والآثار القديمة، وقد سكنها الغساسنة قبل الفتح الإسلامي، كما أقام بها الخليقة الأموي هشام بن عبد الملك (724 – 743 هـ).
أما ابن الجهم هذا فهو علي بن السامي القرشي، كان شاعرا مجيدا، سخر شطرا كبيرا من شعره في هجاء آل ابي طالب والأغراء بهم، فسخط عليه الخليفة المتوكل لذلك ولكثرة سعايته بين القوم، فنفاه إلى خرسان، وهناك قبض عليه بن عبد الله بن طاهر الحسين، وصلبه يوما كاملا مجرد ثم حسبه، فقال شعرا فيما حدث له من صلب وحبس، وتوفي مقتولا عام 863م بيد أعراب يني كلب، وكان طريقه من حلب إلى العراق. وهذا، وينسب إليه بهذه المناسبة قوله :
عيون المها بين الرصافة والحسر                   جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
(19) هو الأستاذ الرئيس أبو محمد عبد المهيمن بن محمد بن عبد المهيمن بن محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن محمد الحضرمي النسب، السبتي النشأة، يتصل نسبه بالصحابي العلاء بن الحضرمي، وقد وفدت الاسرة من اليمن إلى الأندلس، ثم نزح والد المترجم له إلى سبتة، حيث شغل منصب القضاء بها على عهد بني العزفي أمرائها. وفيها ولد صاحبنا عام 676 هـ، ولما شب عن الطوق وحفظ القرآن الكريم قرأ على شيوخ المغرب البارزين، أمثال ابن رشيد والغافقي وابن الغماز وغيرهم، حتى بلغت مشيخته نحو الألف. وقد تولى منصب الكتابة بالمغرب للسلطان ابي علي بن أبي سعد المريني عام 712 هـ. وصفه الأمير أبو الوليد ابن الأحمر بقوله : " بيته بيت علم سحب من التحصيل ذيلا، وتضوعت من عرف عرفاته نواسم التفنن نهارا وليلا، وطوقته المفاخر طوقا، وأذاقه الفهم من حلاوة العلوم ذوقا"
توفي – رحمه الله – بتونس بمرض الكاعون الجارف في 12 شوال عام 749 هـ.
راجع : أبي الوليد ابن الأحمر في " في مستودع العلامة، ومستبدع العلامة .. تحقيق محمد التركي التونسي، ص 50 (ط  معهد مولاي الحسن للبحوث بالمغرب 1964م).
وكذلك : الأستاذ عبد الله كنون في "ذكريات مشاهير رجال المغرب – عبد المهيمن الحضرمي"
نشر دار الكتاب اللبناني ( بيروت ط 1 مايو 1960م)
(20) يعني بالعبارة، أن قلمه جعل السيوف، والذوابل  تقر بالذل وتسكن، كناية عن رفعة الشأن

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here