islamaumaroc

اندحار التراث والأخلاق

  دعوة الحق

137 العدد

حين كشف "جان بول سارتر" الفيلسوف المعاصر الأحول، عن أدواء البشرية في دروبها. وجد القلق يعمها، ويضع الشوك في دروبها. وعاش القرن العشرون حتى يومه هذا متميزا بهذا الداء العياء. والقلق إذا استولى على المرء سد عليه منافذ الأمل، أقعهده حسيرا كسيرا، لا يدرب ما يفعل، ولا يعرف ما يريد.
كان "سارتر" مثل متطيب جراح ماهر نقا القرح الدامي لكنه لم يخرج منه الصديد ولا وصف الدواء لدى الداء، فكشف للبشرية المعاصرة أنها في عمرها هذا وأجيالها المتعاقبة فيه قد ابتليت بداء اجتماعي وبيل، وهو القلق، وأنها لا تعلم كيف ستشفى من ويلاته على الزمان ! ...
وكنت أحاضر في جامعة "مكة" وجامعتي "دمشق ولبنان" فتناولت في محاضراتي، حين كانت تسنح السوانح لمثل هذا القول في غير استطراد، قلق الأمم في عصرها الحديث. لكني لم ألبس حلة "سارتر" الذي حير الناس، ونسي المبضع في الجرح وخاطه عليه، وإنما هداني الفكر السبيل إلى أن القلق حادث نفسي يهدم الراحة الإنسانية ويقلب المرء على الفراش من جنب إلى جنب، ويستولي على العيون فتظل سادرة، وعلى الأفكار فتبقى حائرة، وإذا بي، وأنا اهجم على هذا الموضوع النفسي العسير اتلوا آيات من " القرءان الكريم" كأنها خلقت سبيلا لمحاربة القلق بل هي سلاح ابتكره الخلاق لإبادة هذه الظاهرة المبيدة ودحرها والشفاء من مرضها العصي المخوف، فجعلتني أردد : "هو الذي أنزل السكينة في قلوب المومنين ليزدادوا إيمانا" . "فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأتابهم فتحا قريبا". "ثم أنزل سكينته على رسوله والمؤمنين" . "فأنزل سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها". وتلكم آيات بينات من سورتي الفتح والتوبة في القرآن.
ولقد وجدت في هذه الآيات البينات طمأنينة الروح وراحة النفس والهدوء والسكينة ورحت أعنق بالحنق على فلاسفة من عهد أرسطو  "الإغريقي" حتى "بيرغسون" اليهودي، وعلماء وأدباء وشعراء بأن نقرأ أحزوا بالبشرية وجرحوها، وكانوا سبيلا إلى إفساد معتقداتها القويمة ونظمها الرتيبة البانية و مواريثها الخالدة. وعاش فيهم فريق بغير رسالة فكر أو مقصد نبيل، فكانوا معلمين ولكنهم مفسدون، وكانوا مرشدين ولكن إلى طريق الضياع والضلال وسببوا الإنسان الذي اتبعهم صنوف العذاب في الحياة والوجدان.
إن كبار اللصوص يعلمون تلاميذهم فش الصناديق، وكسر المغاليق والأقفال، وفتح الأبواب الموصدة ويدلونهم كيف ويدلونهم كيف يستطيعون أن يتسوروا الحيطان وكيف ينشلون من الجيوب محافيظ الدراهم، بل كيف يقدرون على أن يسحبوا الإسورة من أيادي النساء والخواتم من أيادي أصحاب الزينة،  من الرجال، وكانت تعاليمهم كتعاليم ذلك اللص الأعظم في وليفر توبست في رواية ديكز الرهيبة.
وما من أمة ابتليت بهذه الأدواء لا يحق عليها الوبال، وأدركاها الفناء و وطلها عدوها في عقر دارها.
وأحدق بها الدمار من كل جانب.
كنت أحاور نفسي، وحوار النفس غنية موهوبة من الخالق للإنسان، ولقد يرى صاحبها ساكنا هادئا في ظاهره وجسمه، لكنه يكون آنئذ متحرك في داخله تموج خواطره بالفكر والنقاش يجيل الأقوال ويشهد الأفعال. وكان من دابي أن أخلو مثل هذه الخلوات النفسية كلما حدث حادث جلل أو نغصني أمر شديد الواقع، مربك. وحين أصيبت أمتنا – صان الرحمن شانها وحفظ تراثها وخلقها حتى كانت خير أمة أخرجت للناس – بوكسة وكبوة مثل كبوة الحصان المغوار النبيل، جعلتني أبكي بشعري حزنا عليها، وتأليما، كما صنعت بقصيدتي "الصوت الحزين" المنشورة يومذاك في مجلة "الاديب" ببيروت نشرها أديب الشرق الأستاذ الصديق البير أديب. ولما رقات دموعي، دخلت إلى نفسي وأنشأت التحاور معها بقولي لها :
- بم تعللين يا نفس، هذه الكارثة الحاطمة وكيف يمكن أن تصل نتائجها بعد أن أدركنا أسبابها؟
- لئن تجردنا من قيود الثقاف رحت أقول :
- وماذا تقولين؟
- إن أسبابا عدة أخلاقية وثقافية واجتماعية تعمل على الاندحار.
- و ماهي؟
- أولا - التربية الخلقية و الوئام الاجتماعي وذلكما هما التكاثف الأخوي في الشعب الواحد. وهيهات، فإني أجد في الأسرة الواحدة تفككا فكأي من والد أو صاحب دار كان خصما عنيدا في داره فهو يعد المرأة ربيطة ولد أو سلعة حبور ويعيش بأهله عليهم ضنينا، وقد يكون غنيا وكأي من امرأة قاسية الفؤاد مجردة من الحنان والمودة تقلب البيت إلى جحيم. ولقد كنت رأيت في عالم المحامات إذ كنت ناشئا أتمرس بها، حوادث ودعاوي يشيب لهولها الأطفال في خصومات على المال والأنساب والطلاق والزواج تعج بها المحاكم. وإذا شئت أن نحكم على أخلاق أمة وأحوالها في الأمور المدنية والجزائية فادخل محاكمها ولقد شاهدت من يدعي النكران فيحلف اليمين الغموس كذبا، وقد جاءه الخلاص، ومن يدعي بالباطل على ذوي الحقوق، ومن يأكل مال اليتيم، ويقدف المحصنات، ومن تدعي جاهدة على زوجها ناشزة منه وفي انتظار طلاقها زوج عنيد. ومن اجترح الجنايات وروع الأحياء في البدو  و الحضر، ثم قالت لي النفس في مجرى تحاورنا :
لم تذكر أسباب الخذلان في الأمم في مجال الفنون والثقافات فاستدركت أقول :
من غناء الأمة وتطريبها نحكم عليها، أنظري إلى الموسيقى العظيم "دفورجاك الصربي" فلقد رأى أغاني أمته تسيل انحدارا ولا يرجى بها علاء، فجال في بلاده يجمع أغاني الشعب وروق تلك الأغاني بأنغام وطنية بث فيها القوة والشرف، وشوق بالمجد فأحيا أمته واستدركها قبل الممات.
وماذا تقول في غنائنا وطربنا نحن العرب المعاصرين.
ما زلنا ننتظر مثل "دفورجاك" ولقد عرفت في غنائنا المزري ما يخجل المجد الذي ورثناه، لما فيه من الهوان والذل والخنوع وما يصور من الركوع الواني بين يدي الحبيب المستبد الهاجر ولم أجد له مثيلا في غناء الأمم المعاصرة، وأن معازف (الجازبيد) الصاخبة تدور خفافة بالشهوات لكنها ما كانت لتسف إلى مثل تلك المهانات الروحية في الغناء الذي عم البلاد وأظلها بلحونه البكاءة الندابة. فادخل الضيم على العربية وأثر تأثيرا سيئا عميقا في روح الأمة وشعورها فضعضع جدها ووضع مكانة المهازل.
وماذا أيضا فديتك !
القول الذي يسمونه بالشعر الحديث وهو للمراهقين هدهدة ووباء من المفسدين وأخشى أن يطفي ويستبد ويستتري فيذهب برونق الشعر الجيد المبين في تراث العروبة والإسلام الذي ورثنه منذ أمريء القيس وحسان بن ثابت إلى يوم شوقي وحافظ ومطران، وفي ذلك يقول شاعر العصر الخالد أحمد شوقي :
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
                  فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وكنت أجول في نقد ذلك النوع من الكلام ولم يكن نثرا ولا شعرا، وقد نشز وشد عن القافية والوزن.  وكان صديقي الشاعر العظيم عزيز أباظة يضرب ذلك الشعر بسوط من حديد لا هوادة فيه ويبرأ إلى الله من أن يمت إلى شعر العرب بسبب، ولو مهين. ومن غريب ما عاينت  في سهرة يكاد ازدحم فيه المراهقات وبينهن المراهقون، فاقتعدوا الكراسي حتى غض بهم المكان يسمعون متشاعرا غرا أخذ يقول من ضروب أقواله ما يفت في مقومات العروبة والتراث الفكري العريق، فخرجت من الحفل وأنا أقول لبئس هذا الأمر الذي يردي الأمم في الهوة السحيقة.
وبم تعلل هذا التهافت الأدبي؟.
ولست أشك في أن وراءه عوامل دافعة له ومغرية به من صميم الاستعمار وفواتك الأعداء وراء حدودنا في دنيواتها وراء البحار لإدخال الضيم والهوان على الشعر العربي لمكين وعموده القويم وتراثه المجيد وبذلك يبلغ الأعداء ما يريدون لامتنا من الضعة في الفكر والشعور، وكنت أزعم ثم نهض بي الزعم إلى البرهان الساطع بأن النثر العربي منذ عهد القرآن الكريم ظل منيعا رفيعا على أيدي كتابه العظام كعبد الحميد بن يحي وسالم مولى هشام وابن المقفع ثم الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وأمثالهم من كتاب العرب المراسلين الذين برئوا من الكلفة والصناعة وذميم السجع ، حتى تناوله كتاب العجم بالصناعة اللفظية والتلاعب الشكلية، واشاعوا فيه السجع المقيت حتى كتبت الكتب في أخبارها وتواريخها وفي فقهها وأدبها مرصوف الجمل بالسجع. وكان أئمة أولئك المفسدين للبيان العربي عدوه الاكبر الصاحب بن عباد قاهر الأدباء وسيده أبو الفضل بن العميد، وسائر كتاب فارس في زمنهما ومن بعدهما، فافسدوا النثر العربي القويم وأوردوه موارد الخوف حتى ظل يتسكع بالسجع ممتدا إلى عصرنا، فخلا من الفكر وازدحمت فيه جمل التصنع اللفظي المسجوع.
تلك هي عوامل القلق والتصدع الحنقي  والفساد في الغناء والبيان التي سببت تشتت الشمل وأعانت على الاندحار والخسران، وهي أدواء نفسية وأمراض ذاتية حاربت الإنسان العربي في عقر داره قبل أن يحاربه عدوه اللذوذ الجاثم على الحدود.
ثم أحسست في هذا الحوار الداخلي أن صخبا سيقوم في وجهي، وأن أقوالا شدادا أخذت تترامى من بعيد ومن قريب، وواحد منها يقول لي :
- ما أشبهك في التطبيب والتشريح بجان بول سارتر الذي كنت عنيفا في نقده وقد أشاع القلق في إنسان القرن العشرين وفتح عن جراحاته ثم تركها دون تضميد ! ...
-  كلا يا عزيزي، لست مثل الفيلسوف الأحول المعاصر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، فالدواء في صيدليتي جاهز في الضماد المهيأ فارجع إلى مقومات العروبة والإسلام وغرش بشعر أحمد بن الحسين المتنبي وسنجد في هذه العقاقير الثلاثة بلسما للجراحة وترميما للضمائر والقلوب وطمأنينة تذهب بالقلق إلى غير الرجوع وسيأتي غد كالأمواج الندايا ونسيم عليل بليل، فتشرق شمس جديدة على الأمة العربية وبيدها أقلام الفكر السديد وقد اتسحت بالخلق المكين وتسلحت بالقوة والمال، لكي تتم كتابة تاريخها المجيد العظيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here