islamaumaroc

المغرب الإفريقي الاختيار المغربي في دبلوماسيته الإفريقية -3-

  دعوة الحق

137 العدد

حاولت في العرضين السالفين مرتكزا على مختلف الاعتبارات والأحداث أن أوضح ان الأسلوب الديبلوماسي المغربي الواضح الذي خطه المغرب لنفسه، والذي يرتكز على التفاهم والتعاون المتبادل، ويستقطب التعايش السلمي قد مهمد له الطريق، وأوضح له المسالك مما جعل ديبلوماسيته تحقق له خطوات منظمة ولو تبدو أنها هادئة.
وعلى أساس هذا لاتجاه، واستعدادا من روحه في العمق والشكل، انطلقت ديبلوماسية المغرب الجديد.. ومنها استوحى أهدافه البعيدة بعد أن فجر انطلاقة افريقية سنة 1961 ...وسار في المقدمة يخطط لتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، ويبلور أهدافها، وينطلق منذ البدء في تحقيق أغراضها، وجعل مراميه القريبة والبعيدة حقيقة واقعة. .
وإذا كانت الضرورة التي دعت إلى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية هي ضرورة الوحدة التي تؤمن بها شعوب افريقية، وهي الضرورة التي تمهد لهم الطريق للاجتماع حول دائرة مستديرة واحدة، فإن الاجتماعات التي تعقدها هذه المنظمة منذ ابتدأت حتى الآن لها عاملان أساسيان لهما أثرهما في :

- البعث الإفريقي.
- وفي القضاء على المخلفات الاستعمارية.
والذين تتبعوا أعمال كل المؤتمرات الإفريقية منذ وضعت الخطوط الأولى لاجتماعها لا شك أنهم لا حظوا الخيوط الجديدة التي نسجتها أعمال هؤلاء الأقطاب في هذه المؤتمرات، وهذه الخيوط تمس مختلف الجوانب التي استطاعت دول إفريقية المستقلة والمنطلقة أن تحقق فيها الخطوات المطلوبة لتركز استقلالها وتخليصها من التبعة الاستعمارية ...ومما لازال يهيمن عليها أو يحاول السيطرة عليها من الإيديولوجيات المتصارعة بين الشرق والغرب بغية أهداف أخذت مراميها تتضح للعيان.. وتتكشف مخططاتها..
وإذا كان المغرب ينتهج أسلوبا دبلوماسيا يعتمد في عمقه أنه جزء من افريقية، بل صلة وصل بين هذه القارة وبين العالم الخارجي.. فإن هذه القاعدة تفرض عليه أن يرتكز أسلوبه الديبلوماسي على الوفاء لهذا المبدأ في كل الحالات، وعلى جعله أساس النهج الذي يسلكه الديبلوماسي المغربي في أي بقعة من بقاع العالم، وعلى أي حال يوجد في مركز من حيث  هو صلة وصل، وملتقى بالنسبة لكثير من الاعتبارات.

صراع الوضوح
وإذا كان السلوك الديبلوماسي المغربي منذ عشر سنوات أو أكثر.. أي منذ سنة 1956 قد
أوضح وجود وضوح في الاختيار منذ البدء فإن الموقف المغربي كنا نتأكد مسبقا – وقد أكدت التجربة ذلك – من أصالته أولا، لأننا وكما عودتنا الحياة والتجربة أن لا نقف موقفا لا يتفق والواقع الإنساني والوضوح لأسباب مفروضة في اختيارنا الموروث إيمانا من المغرب بأنه يعلم ويحس بأن موقفه دائما هو موقف كل مواطن إفريقي، وهو طريق إفريقية، وما دام الاعتقاد هو الوصول إلى النتائج التي تنتظر البعث الإفريقي المنتظر إيمانا منه أن طريق المستقبل هو طريق الوضوح والعمل الجدي، وهو الطريق الموصل الذي يحتم علينا أن لا نترك الفرصة لاستعراض الأساليب والخطب والأصوات مرة أخرى خصوصا وان تأسيس منظمة للوحدة لا يعني التجمع أو التهدئة، ولكنها تعني الوحدة المنشودة، وتركيز البعث، وتخليص القارة بمفهوم إفريقي وأسلوب منبعث من أعماقها..
وتلك هي حقيقة الاتجاه المغربي دائما، وحقيقة أسلوب عمله الذي رفض المواقف الاستعراضية في كل المؤتمرات التي يشارك فيه، أو المرتجلة..
وعلى كل حال فالذي يجب أن لا ننساه، كيف ينظر العالم اجمع وعالمنا الثالث إلى هذه المؤتمرات التي تدعو إليها والتي تجمعنا على مختلف المستويات إلى نتائجها؟
إننا ونحن نتأهب دائما لاجتماع جديد لابد أن نذكر أن المؤتمر الأخير أكد أنه :
1 ) لا يوجد بين الدول الحديثة أكثر من الرغبة في تحرير الآخرين..
2 ) وكان الهدف الرئيسي في الخطابات والقرارات تستهدف الحملة على الاستعمار
3 ) وبدأت جهود جديدة لحمل جميع البلدان الافريقية على قطع علاقتها الديبلوماسية والتجارية مع جنوب إفريقية والبرتغال.
4) ثم إن منظمة الوحدة الأفريقية وضعت وسيلة طيبة على أي تدخل أجنبي، ولعزل القارة عن الحرب الباردة..
5) ولتحقيق الاستقرار الذي تحتاج إليه افريقية للتخلص من القبلية والفقر.
وهكذا ستبقى أهمية منظمة الوحدة الإفريقية لا تمكن فيما تفعل أو تتحدث عنه، وإنما في وجودها الإفريقي المخطط بوضوح لنصل إلى ما تهدف من ورائه حتى تكون لهذه المنظمة الفعالية والقدرة الممكنة للوصول إلى الأهداف المخططة نحو قيام وحدتنا الحقيقية.
قبل ميلاد منظمة الوحدة :
وإذا ما انتقلنا لتحديد مواقف المغرب من المشاكل الافريقية قبل ميلاد منظمة الوحدة الافريقية التي تبلورت فيها مختلف المواقف، وتوحدت فإننا نجد أن للمغرب مواقف محددة نحو هذه المشاكل قبل ميلاد المنظمة :

أ) في مجال مقاومة الاستعمار في افريقية :
يسجل بكامل الفخر، وبكل اعتزاز للدبلوماسية المغربية إدراكها المبكر الدور اللي كان على المغرب أن يقفه من القضايا الإفريقية على اختلافها، ولذا فقد سجلت الديبلوماسية المغربية مند سنة 1956 :
أولا : مساندتها المطلقة للحركات الوطنية والوطنية في جميع نقط القارة الإفريقية على الصعيد الدولي ودافع عن حقها في التخلص والسيادة.
ثانيا: لم يتأخر المغرب عن تقديم أي عون مادي أو معنوي إلى هذه الدول بدون قيد أو شرط " والعالم كله يعرف ما قدمه المغرب للجزائر في كفاحه الطويل، وما عاناه من متاعب ومضايقات انتقاما منه لمساندته هذا الكفاح(21)" مما لا يتسع  له المجال في هذه الدراسة.
ولقد اتسمت مواقف المغرب دائما في هذا المجال كما حددها كتاب وزارة الخارجية المغربية: "الديبلوماسية المغربية في عشر سنوات من مارس 1956 إلى مارس 1966 " بواقعية وبروح واضحة في مرماها وأهدافها وهو ما جعل مساعدته "للحركات التحريرية الوطنية الإفريقية شاملة عامة، ففي الوقت الذي كان يؤيد ويمد الجزائر بالعتاد والمال والغذاء، ويرفع صوته عاليا من أعلى المنابر الدولية في الدفاع عن حقها في الاستقلال والحرية، لم يفته أن يولي نفس العناية لإخوانه الإفريقيين في أنجولا، وفي موزمبيق وكينيا، وروديسيا كلها، إيمانا منه بوحدة الكفاح، ووحدة المصير.
ففي كينيا أبى صاحب الجلالة المعظم الملك محمد الخامس – قدس الله روحه – إلا أن يرسل تعليماته الخاصة إلى سفير جلالته في لندن بالاتصال المباشر مع وزير خارجية بريطانيا لسراح الزعيم الإفريقي جوموكنياتا في سنة 1960 ، وساهم جلالته بقدر مهم من المال في الحملات التي نظمت في بريطانيا للدفاع عن هذا الزعيم، وعلى هذي هذه السياسة، وجه صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني -  نصره الله – وفدا للمشاركة في أعياد استقلال كينيا، والاعتراف بها، وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها".
وقد توج جلالة الحسن الثاني بزوغ عهده بالرعاية التي شمل بها "مؤتمر المنظمات الوطنية للمستعمرات البرتغالية، الذي عقد في الدار البيضاء 18 - 28  أبريل 1961 ، وكانت رعايته لهذا المؤتمر أكبر مشجع للمكافحين الإفريقيين الذين ما زالوا يرزحون تحت نير الاستعمار البرتغالي على الاستماتة في الكفاح، ومنذ ذلك اليوم حققت هذه المنظمات انتصارات عسكرية، وسياسية، في أنجولا، وموزمبيق، ولذلك يعتبر تاريخ هذا المؤتمر نقطة تحول وانطلاق في كفاح هذه المستعمرات.
ثم استقبل المغرب في مناسبات مختلفة، زعماء روديسيا ، ومد إليهم يد المساعدة المادية، وأعلن تأييده لهم في مقاومتهم للاستعمار(22)"
ولم يرتكز اهتمام المغرب على نوع من المساعدات المادية والأدبية لحركة التحرير، بل اهتم إيمانا منه وثقة بالمصير المختار – بتكوين الإطارات التي ستملأ المراكز المحتلة من طرف الأجانب بعد تخليص البلاد فقدم لهم منحا دراسية(23) لمتابعة دراستهم في المعاهد والجامعات المغربية مخططا بذلك آفاقا جديدة نحو تعزيز الأواصر والتعاون الثقافي مع الأقطار الإفريقية دفعت المغرب إلى الاستمرار في تخصيص المنح الدراسية، واستقبال وفود الطلبة لعدد من الدول الإفريقية وهي السينغال والسودان والجزائر ومالي وغينيا ونيجيريا والصومال والحبشة وكينيا والنيجر.
وفي نطاق تركيز هذا الهدف السامي البعيد الأهداف والمرامي أمر صاحب الجلالة نصره الله الوفد المغربي في المؤتمر العام لليونسكو (24) أن يطلب إنشاء "مركز إفريقي للتكوين والأبحاث الإدارية من أجل التنمية" بالمغرب بالتعاون مع هذه المنظمة وأيدت هذا الملتمس تسع دول إفريقية وهي : الجزائر وتونس والسينغال والكمرون، والجابون ، وغينيا ، ومالي والجمهورية العربية المتحدة. وقد تم الاتفاق بين المغرب يوم 13 مارس 1964 وبين اليونيسكو على الوجود القانوني لهذا المركز الذي يحمل اسم "المركز الإفريقي للتكوين والأبحاث الإدارية من أجل التنمية". الذي تقرر إنشاؤه بمدينة طنجة حيث تم عقد أول مؤتمر دولي له مابين 23 – 27 مارس 1965 وكانت الغاية من هذا المؤتمر التدشين الرسمي له، وقضية مشاركة الدول الإفرقية في الاتفاقية المؤقتة (13 مارس 1964) بين الحكومة المغربية وبين اليونيسكو ودراسة موضوع تطبيق ترتيبات الإدارة العامة في إفريقية على أعمال التنمية" (25)

ب – وقوفه في وجه الميز العنصري :
أعلن المغرب استنكاره لسياسة الميز العنصري في كل من جنوب إفريقية وروديسيا واتخذ هذا قراره بهذا الموضوع في مؤتمر ميثاق الدار البيضاء، كما أيد المغرب الوطنيين الإقرقيين في حقهم في الحياة الكريمة في بلادهم، وكان صوت المغرب دائما بجانب الحركات المضادة للميز العنصري في الكتلة الإفريقية الأسيوية، في منظمة الأمم المتحدة وفي منظمة الوحدة الإفريقية مما لا يتسع المجال له في هذا العرض.

ج – استنكار التجارب الذرية في افريقية :
عندما أجرت فرنسا تجربتها النووية في الصحراء سحب المغرب سفيره من باريس، وكان لهذا السحب أثر على العلاقات المغربية الفرنسية وقد كان المغرب يرمي إلى تسجيل احتجاج صارخ ضد القيم بتجربة ذرية في افريقية التي يجب أن تنأى أن تكون حقلا للتجارب الذرية، ولأن استعمال دولة أجنبية أرضا افريقية للقيام بتجاربها، مساس بكرامة إفريقيا كلها وكان لموقف المغرب أثر محمود في إفريقيا كلها(26)

التبادل الدبلوماسي :
الملاحظة التي تمتاز بها الدبلوماسية المغربية وتسجل لها هي أن المغرب يسارع دائما إلى توسيع تمثيله الدبلوماسي مع كل دولة افريقية بمجرد إعلان استقلالها رغبة منه في خلق مجال واسع للتعاون. حيث تربطنا اليوم علاقات وطيدة بأغلب الدول الإفريقية على اختلافها، ولم تقف علاقاتنا بهذه الدول عند حد، بل تشهد تطورا محسوسا في مختلف المجالات ومتطورا يجعل المغرب قريبا منها، ومواكبا لكل خطواتها.

الزيارات المتبادلة فيما بين دول القارة والمغرب
ولقد ابتدأ تبادل الزيارات فيما بين المغرب والدول الإفريقية وبين الدول الإفريقية والمغرب منذ سنة 1958 ، وكان أول رئيس يزور المغرب هو رئيس جمهورية غانا الذي زار المغرب في يوليوز سنة 1958 ، وتختلف هذه الزيارات المتبادلة حسب الظروف والمقصود منها ونوع الوفود التي تقوم بها مما يطول عنه الكلام في هذا المقام، ويعتبر المغرب هذه الزيارات ذات فائدة ملموسة لأنها تستطيع أن تحدد نوع الاتصال وقيمته في كل أبعاده وتعتبر الديبلوماسية المغربية الحديثة تبادل الزيارات من أهم الاتصالات التي يرتكز عليها تطور المفهوم الديبلوماسي.

(21 ) كتاب" الدبلوماسية المغربية في عشر سنوات" صفحة : 65
(22 ) كتاب" الدبلوماسية المغربية في عشر سنوات" صفحة : 67
(23 ) مثلا سنة 1961 قدم 200 منحة للطلاب الأفارقة: 20 منحة للتعليم العالي و150 للتعليم الثانوي بالإضافة إلى 25 منحة أخرى خصصتها المدرسة الإدارية المغربية لهذه الغاية.
(24 )  في اجتماعه الثاني عشر سنة 1962 
(25 ) كتاب" الدبلوماسية المغربية في عشر سنوات" صفحة : .67
(26 ) نفس المصدر مشيرا إلى أن الوزير الأول التونسي السيد الحبيب بورقيبة (رئيس الجمهورية) زار المغرب في 6 مارس 1957 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here