islamaumaroc

منهج التاريخ للأدب العربي

  دعوة الحق

137 العدد

يظل التاريخ المكتوب للأدب العربي بلا وشاح قوي، يربطه بكيان الأمة العربية، ما دامت العناية فيما كتب منه – منذ فجر هذا القرن، حتى السنوات العشر الأخيرة منصبة على الابطال المحظوظين من أدباء الشعر والنثر العربيين. لأن الاستفادة من أدب هؤلاء، مهما كانت قيمة ونافعة، فإن أدبهم ليس وحده الصورة الكاملة الشاملة للأدب مراحل الحضارة العربية والإسلامية جميعها.
وقد كان محتملا أن لا تفرد أسماء هؤلاء اللامعين من الشعراء والكتاب ولو أن المحدثين من مؤرخي الآدب العربية أخذوا بمنهج غير المنهج المتبع منذ العالم المستشرق الألماني بروكلمان في أوائل القرن الحالي حتى السنوات المعاصرة، إذ الرغبة في تفسير التطورات السياسية للدولة الإسلامية من ناحية. والرغبة في تقييم أصالة اللغة وقواعدها وبلاغتها من ناحية أخرى، ثم الرغبة إلى ربط هذا وذاك بالأعراف والقيم الاجتماعية، تجاوبا أو انفلاتا، كأن كل ذلك هو الذي تحكم في منهج القدماء عند الكتابة عن بيئة الأدب لديهم. وقد استخدم المحدثون هذا المنهج نفسه مقتفين به المقاييس التي كان الفقهاء والساسة معا يعتمدونها في تمييز الأدب الجدير بالحفظ من سواه. فنشأ منهج هؤلاء المحدثين في كتابتهم لهذا التاريخ الأدبي يحذو حذو أولئك الأقدمين في تقديريهم وتقييمهم.
ومقاييس الأقدمين كان يحفزها ذوق محدود القيم في نظرته إلى الأدب. فإن الذي كان يحظى بالذيوع والشيوع بين أشياع الذوق القديم هو الأدب الذي يقف مع أو ضد الأعراف والقيم الاجتماعية واللغوية. فالأدب الذي ينصر أو يخذل بندا منها أدب مآله الشهرة والذيوع أما أن يرفع من شأنه إن كانت نظرته إلى الأصول الثلاثة نظرة المناصر، وأما أن يحط من قيمته إن كان موقفه معاكسا أما الأدب للأدب، ذلك الذي إذا نظر للأمور فبعين الأديب المحض وبذوق الإنسان في انفعالاته بمسراتها وأتراحها فإنه كان أدبا خاملا لديهم، لا أمل له في الشيوع لأنه لا يميل هؤلاء ولا إلى هؤلاء. وربما كانت هذه النظرة التقييمية للأدب قديما نظرة شبيهة بنظرية الالتزام تهدف إلى خدمة جماعية بينما نظرة الأقدمين في التقييم تهدف إلى إرضاء طبقة خاصة.
وقد حفز على اقتفاء منهج الأقدمين في التاريخ للأدب – لدى المحدثين الدين كتبوا في هذا التاريخ – عدة عوامل من بينها :
أولا : أن النظام الاجتماعي لدى الشعوب العربية لم يتغير أسلوبه عما كان عليه إلا في الشكل.
ثانيا : أن جلاوزة الأعراف والقيم ما تزال نظرتهم إلى الأدب هي السائدة.
ثالثا : أن العموديين من حدثه اللغة العربية صرفوا اهتمام المؤرخين المحدثين للأدب إلى نوع من الخدمة في حقولهم، كما قد ساعد على تطبيق المنهج القديم في التاريخ الحديث للأدب القديم، عدم توافر المادة الخام، للكتابة عن هذا التاريخ بحرية من جاذبية المنهج القديم. ونعني بذلك عدم توافر المخطوطات او المخطوطات التي تشكل جبالا مكومة على بعضها في كل مكتبات العالم ما تزال برغم كثرتها مجهولة وفي حكم المفقود ويرجع سر الجهل بها إلى تلكم العناصر
الثلاثة التي عددناها من جملة الحوافز على اقتفاء منهج الأقدمين بين الذين كتبوا عن التاريخ الأدبي القديم .
فالأعراف، والقيم، واللغة هدف غالي كان الكبار والأقدمون ينشدونه من وراء الأدب. لأن المجتمع يومئذ كان في خدمة الأبطال، يقدرهم ويشيد بهم، ويخطو في أثرهم. وكانت هذه العناصر الثلاثة جمالية عظمى يحميها رجال السلطة بشتى الوسائل بمنح المنتجين عنها أموالا أو جاها أو نفوذا. وقد كانت الحماية لا تنقلب إلى زراية بها عندما يعكس الأدب الوجه الآخر غير المساند، والخاذل. وكانت الطبقة المثقفة من الجمهور منقادة في هذا النظام لطبيعته، فهي ترى البطل بعين غيرها، بينما غمر الأدباء المعاكسون تحت وابل من الألقاب المزرية، فدعوا بالصعاليك تارة وبالموسوسين طورا وبالمعتوهين او المجان أحيانا، وبالزنادقة والشعوبيين تارة أخرى أو أنهم – على الأقل- لم يصنفوا ضمن الطبقات المرموقة من الشعراء.
فلقد أهمل أبو الفرح الأصفهاني مثلا شعراء كثيرين من هذه الفئة فلم يحفل بهم ولم يأخذ بقولهم كما أهما عبد الله بن المعتز ذكر ابن الرومي مثلا حتى في الوقت الذي اهتم فيه ببعض الموسوسين من طبقته.
وماذا كان في وسع المحدثين أن يفعلوه والمادة التي بين أيديهم مشوهة وتالفة. كيف كان يمكن الاستفادة من ابن طباطبا مثلا قبل ظهور كتابه عيار الشعر منذ أربعة عشر عاما. ومثل هذا يقال عن عبد الله بن المعتز قبل ظهور كتابيه البديع وطبقات الشعراء في العقود الأخيرة من هذا القرن وماذا كان يعرفه المحدثون عن أسامة بن منقد وعن ابن أبي الأصبع وابن أبي عون  قبل ظهور كتب هؤلاء في النقد الأدبي مؤخرا. وإن أي وثيقة أخرى من التراث تظهر محققة من شأنها أن تغير مفهوما وتحديدا لتاريخ الأدب العربي. ولكن ما حدث بالتاريخ المكتوب للأدب عما قبل الإسلام كان الإهمال فيه وعدم الإحاطة به أضعاف ما حصل بعديله فيما بعد الإسلام على يد المؤرخين المحدثين لأدب العهود الإسلامية فإن التاريخ المكتوب للعصر الجاهلي صور في شكل يجعله أدبا يخلو من المعاني الإنسانية والروحية على الرغم من أن الباحث فيما هو أصول لهذا الأدب يعثر في غير عناء على جوانب جلى من تلك المعاني الإنسانية والروحية. ولكن امكان الربط بينها وبين الشاعر ومجتمعه يظل في حدود  ضيقة يسبب الضياع الهائل الذي ما تزال فيه الدراسات التاريخية للأدب وعصره.
وبعامل من ذلك كله، فإن المتطلعين من الجيل الجديد إلى التاريخ المكتوب للأدب العربي يجدون فيه ما يصدمهم، ويعرقل تعاطفهم مع البداية التي نشأت فيها ثقافة أمتهم، كما أنهم لا يجدون فيه الصورة التي يمكنها أن تنسجم مع واقع مطامحهم الإنسانية المعاصرة. ولذلك ترى هذا الجيل الجديد من طلبة العلم يعزفون عن تراثهم اعتقادا منهم أن ما كتب عن التاريخ الأدبي لهذا التراث هو انعكاس حقيقي لأصول أدب أمتهم وثقافتها وفن القول لديها. فيتهافت – بسب ذلك الاعتقاد الموهوم – جيل الأدب الجديد على ما يفد عليه من الخارج دون أن يستطيع إلى ربطه بمشاعره وببناء حضارته وذلك بحكم الفرقة الفطرية بين الدخيل والأصيل من المفاهيم الحضارية على الإنسان. فيمتع الذوق من جراء هذا الخلط بين حقيقة التراث وبين ما يعكسه التاريخ المكتوب عنه وذلك أيضا نتيجة لعدم ارتباطه بالواقع المعاش لجيل الأمة المعاصر. وبذلك تضعف الهمة ويتقاعس الطموح إلى الخلق وتفقد الشخصية القومية أصول التماسك بينها وبين وحدة مجتمعها. ثم تتكاثر الأسئلة المشككة التي ترمي إلى التشبيط. وخلفها يتكون مفهوم خاطئ عن أديب ما قبل الاسلام بكونه كان رجلا قاصر المخيلة مادي النزعة، او تكوبن هذا المفهوم نفسه عن اديب ما بعد الإسلام بأنه كان يبتاع بأدبه مجدا أو غنى، والحقيقة في هذا أو ذاك غير ما ينتهي إليها هؤلاء المتطلعون من الشباب، وغير ما وقفت عندها حتى الآن كتبة التاريخ الأدبي لما قبل الإسلام ولما بعده.
فإن في الأدب الجاهلي فصولا من الماديات كما أن فيه أيضا فصولا من المعاني الإنسانية والروحية. بعضها أمكنه التقاطه مما هو معروف من مطبوعات المصادر. وبعضها ما يزال مجهولا ولكن يدل على وجوده الحتمي النزر المعروف منه.
كما أن الشعر في العصور الإسلامية لم يكن استجداء أو استغناء إلا بقدر ما يحتاج الإنسان الحديث المعاصر إلى الشقوق والمال وهو يتعانى الأدب في العهد الحديث والمعاصر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here