islamaumaroc

دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تربية الشعور بالمسؤولية

  دعوة الحق

137 العدد

لعل أحدا منا قلما يهتم بإلقاء هذا السؤال : لماذا طالبنا القرآن الكريم بأن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وجعل هذا مبدأ أساسيا في تربية المسلمين وتكوين المجتمع الإسلامي؟ والواقع أننا نبحث عن عوامل قوة الشخصية الإسلامية، في المجتمع الإسلامي الأول – وهي شخصية تمتاز بقوة الإرادة، وقوة الشعور بالمسؤولية، وقوة الرقابة الاجتماعية – نجد أن هاته القوات الثلاثة التي تتفاعل وتتكامل في إبراز قوة الشخصية الإسلامية إنما هي ثمرة لأسلوب التربية الذي أقامه الإسلام على أساس مبدا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو المبدأ الذي يجعل من المسلم مواطننا ملتزما يجلب الخير – كل خير – للمجتمع، ودفع الشر – عنه، وهو التزام ديني وخلقي لم تستطع وسائل التربية في الحضارات القديمة والحديثة غير الإسلامية تحقيقه أو وضعه في المستوى الذي وضعه فيه الإسلام تحقيقه أو وضعه في المستوى الذي وضعه فيه الإسلام وهو مستوى الإيمان.
لقد عنى علماء الاجتماع اليوم بتحليل الدور الذي تلعبه الرقابة الاجتماعية التي تفرض على الشخص أن يتعلم ويستجيب لتخطيط السلوك المصادق عليها من طرف المجتمع. ذلك أن الأشخاص والتخطيطات يسيران معا بطريقة تجعل المستطاع تلقائيا متابعة نوع من الحياة. والرقابة الاجتماعية هي الآلية التي تديم هذا السير الاجتماعي بفضل حرسها وتمسكها بأن يتطابق الناس مع النماذج العامة لقواعد السلوك. وبتحليلينا للضغط الاجتماعي نلاحظ الطرق التي يمارس بها هذا الضغط. فالرقابة الاجتماعية توجه ثقل ضغطها على الأفراد ليتطابقوا مع أنواع النماذج، ومع الأدوار والعلاقات والمؤسسات الاجتماعية التي تقدسها حضارة المجتمع.
ويزداد بناء المجتمع قوة وتأصلا، ويستقيم سير أفراده مؤسساته، كلما عظم شعور أفراده بمسؤولياتهم، وقويت الرقابة الاجتماعية فيه، وازداد إحساس الناس بضغطها على حياتهم اليومية. ففي بلد يقدس النظافة مثلا، لا يستطيع الفرد فيه أن يلقي بالأزبال في الشارع ليس خوفا من رجال الشرطة، ولكن خوفا من رجل الشارع الذي لا يقبل ضغط رقابته من سلطة رجال الشرطة،عن هذا الرجل – أي رجل يراك تلقي بالأزبال – سيكون أول من ينكر عليك عملك المشين، لأنه يتنافى مع حضارة المجتمع وقيمه التي تقدس النظافة.
وفي مجتمع تحرم ديانته شرب الخمر تكون الرقابة الاجتماعية فيه أكثر ضغطا واشد تخويفا على شارب الخمر من ضغط القانون أو تخويف رجل الشرطة، ذلك أن القانون نفسه إنما وضع تنفيذا لرغبة الرقابة الاجتماعية، وقد جاء رجل الشرطة فقط ليحمي الذي فرضته الرقابة الاجتماعية نفسها.
إن الرقابة الاجتماعية تلعب أخطر دور في التنشئة الاجتماعية للأفراد، وفي إلزامهم بأن يتطابقوا مع نماذج السلوك المهذبة للمجتمع، ويتعودوا على القيام بأدوارهم الاجتماعية على الوجه الأكمل، ويعملوا على تحسين علاقاتهم الإنسانية، واحترام قيم المؤسسات التي يتكون منها بنيان الأمة.
لذلك كان لزاما لقيام أية أمة بالمعنى العلمي الصحيح، أن تتوفر هذه الأمة على وجود رقابة اجتماعية تحمي كيان مؤسساتها من أخطر الانحرافات والمنكرات، سواء تمثلت في صورة الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض، أو في صورة انتقاص الحقوق وعدم أداء الواجبات، فكل عمل يسيء إلى أخيك المسلم سلبا أو إيجابا، ظاهرا أو باطنا، أو يمس بسلامة المؤسسات وقيمها ووظائفها، مسا يضر بمصالح المجتمع، او يتعارض مع مقدساته الاساسية، هذا العمل يعتبر اعتداء يسميه الاسلام منكرا، أي شيئا ينكره المجتمع كله ولا يقبله، لما ينطوي عليه من أخطار على حقوق أفراده، وسلامة مؤسساته.
ولكي تضمن الأمة الإسلامية لنفسها الوجود والاستقرار والاستمرار ولأعضائها العدل والأمن والكفاية، كان لابد من أن تتكون لديها رقابة اجتماعية تمارس ضغطها بقوة الانحرافات و المنكرات، وهكذا ظهرت معجزات الإسلام في خلق وتكوين هذه الرقابة، وتربية المسلمين على ممارستها بكامل الحربة حتى تصبح خلقا من أخلاق المومنين، وسلوكا اجتماعيا من خصائص حضارتهم، قال تعالى : "ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"
ويلاحظ في هذه الآية الكريمة :
أولا – إن القرآن جعل مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلا من أصول الدين الأساسية، وعنصرا من عناصر الإيمان لا يتم الإيمان إلا به، بل هو يقدمه حتى على الواجبات الدينية العينية الأخرى، ويفرده بالذكر عن عموم طاعة الله ورسوله. وذلك في قوله تعالى : "والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم".
ثانيا- أنه سعى الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أمة باعتبارهم أنهم الذين يمثلون الكيان الاجتماعي المتماسك والمراقب للأمة العامة، وضمن هذه التسمية دعوة بأن يكون عدد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من الكثرة والضخامة بحيث يكون وحده أمة بكل معنى الكلمة، أي وليكن بينكم عدد يعادل في أهميته وضخامته عدد أمة. وهذا التفسير عندي ابلغ وأصوب من تفسير الأمة بالجماعة.
ثلثا- أنه حصر المفلحين قيمن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهذا يعني أن غيرهم لن يفلحوا ، ولو حافظوا على بعض الطاعات الأخرى.
رابعا – أنه يعتبر الأمة التي تؤمن بهذا المبدأ وتطبقه في سياستها وحياتها اليومية خير الأمم على الإطلاق، لقوله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله".
خامسا – إن القرآن إذ يقف هذا الموقف الصارم في تدعيم الجانب الإيجابي للنهي عن المنكر، يقف نفس الموقف بالنسبة للجانب السلبي إذ يقول : "لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون"
وقد جاءت السنة النبوية لتشرح وتؤكد موقف القرآن من هذا المبدأ الاجتماعي الخطير، فقد روى الترميذي  عن حديفة أن النبي (ص)  قال : "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم". وروى عن أبي بكر الصديق أنه قال بعد أن قرأ قول الله تعالى : "يأيها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذ أهديتم" وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل ألا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده".
وقال الإمام الغزالي : "أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الذين وهو المهم الذي ابتعث الله به النبيئين أجمعين، ولو طوي بساطه، وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوءة، واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الظلالة وشاعت الجهالة واستسرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد وهلك العباد وقد كان الذي خفنا أن يكون فإنا لله وإنا إليه راجعون".
إن هذا الاهتمام الكبير الذي أولاه الإسلام لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفسره من جهة طبيعة الصعوبات التي تكتنف أحيانا ممارسة هذا المبدأ إذ هو يتطلب قدرا غير قليل من العلم ومن الشجاعة ومن الإيمان، ومن جهة أخرى طبيعة المنكرات التي تشبه الجراثيم في عدواها وسرعة انتشارها، فإذا سكت المسلمون عنها ولم يكافحوها فإنها توشك أن تصبح خطرا على مجموع الأمة، ولهذا اعتبر الإسلام الساكتين عليها شركاء في إذاعتها ونشرها بسكوتهم، ويستحقون بموقفهم السلبي هذا نفس العقاب، ويدل لهذا قوله تعالى : "كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه" وقوله تعالى
 "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".
وقد جعل الإسلام كفاح المنكر على درجات يقاس بها إيمان المؤمن فقال عليه السلام : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
بهذه المباديء وهذه الأسس تكونت الأمة الإسلامية الأولى، وقامت مؤسسات المجتمع الإسلامي بقوة وحيوية لم يعرف التاريخ مثيلا لها في أمة أخرى. ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى توجيه أنفسنا، وتربية أبنائنا وأجيالنا على أساس حب الخبر للناس، ودفع الشر عنهم باليد واللسان والقلب. وإلى أن نلتزم بهذا المبدأ في سلوكنا وعلاقتنا ومواقفنا وحياتنا اليومية كجزء لا يتجزأ من إيماننا بالله. وامتثالنا لرسالة نبيه الكريم، أن هذا الالتزام وحده يمكن أن يعيدنا كما كنا خير امة أخرجت للناس، وما ذلك على الله بعزيز.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here