islamaumaroc

يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا آماناتكم وأنتم تعلمون

  دعوة الحق

137 العدد

أيها المسلمون في كل مكان السلام عليكم ورحمة الله - وبعد فقد كان نبي المسلمين صلى الله عليه وسلم يتخول الناس بالموعظة، ويتعهدهم بها مرة بعد مرة، ويتجنب الإكثار الذي يوجب الملال ويورث الكلال، وذلك أن الغاية من الوعظ والإرشاد – هو أن يقع موقعه، وينفع صاحبه، ولا يكون ذلك إلا إذا روعيت مقتضيات الظروف، وتطلعات النفوس.
وهذا الشهر العظيم الذي اقبل بنفحاته، وأطل ببركاته، مناسبة للتحدث إليكم والتحادث معكم – لعلنا نجدد إيماننا، ونهييء نفوسنا فتصطلح على الخير والبر والتقوى، ولعلنا نحاول بعد ذلك أن نميز في أعمالنا بين الخير والشر، ونفرق في أحكامنا بين الحق والباطل – ونعود إلى الله بقلوبنا، فيما كان من أغلاطنا وأخطائنا، فإن البشرية من شأنها أن تصيب وتخطئ ,إن تحسن وتسيء – وليست العبرة في الحياة بمجرد التخطيط والتنسيق، وإنما العبرة أن يصحبك الإخلاص والتوفيق، فلابد من الامتداد بأسباب النجاة والفلاح وذلك صدق الإيمان بالله والتوحيد، والتشبت بالعمل الصالح المفيد، ولابد من اعتماد أبواب الحياة والنجاح، وذلك تحضير الاموال، وتقدير الأعمال، وتحقيق خبرة الرجال.
ثم إن الإنسان الذي سماه الأقدمون بالعالم الأصغر، قد رفعه الله على غيره بما وهبه من العقل والتدبير، والرأي والتفكير.
واجمع العلماء والحكماء أن جميع الأمور محتاجة إلى العقل، وان العقل محتاج إلى الرياضة والتجربة، وأن من طرق العقل الحميدة، المروءة ومكارم الأخلاق، فإن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وأكثرهم بالله تعلقا، ومن طرقه كذلك القناعة والرضى بقسمة الله فإن الطمع قد يحول بين الحق وأهله، ويجعل التملق خلقا لصاحبه.
ومن طرقه أيضا العفة والطهارة، فإن ركوب الشهوات النفسية، من شأنه أن ينشر العفونة والرعونة في الأوساط الشعبية – وقد قال وصى العبد الصالح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام – لنضلة الأنصاري مبعوث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما في حرب القادسية، وقد ظهر له من جبل كان قد التجأ اليه نضلة وأصحابه – اقرؤوا عمر مني السلام وقولوا له : إذا ظهرت هذه الخصال في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فالهرب الهرب إذا  استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وانتسبوا إلى غير مواليهم ولم يرحم كبيرهم صغيرهم ، ولم يوقر صغيرهم كبيرهم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلم ينه عنه، وتعلم عالمهم العلم ليجلب به الدنيا، وكان المطر قبظا، والولد غيظا، وطولوا المنارات، وفضضوا المصاحف، وزخرفوا المساجد، وأظهروا الرشا، وشيدوا البناء، واتبعوا الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، وقطعت الأرحام، ومنعت الأحكام، وأكلوا الربا، وحاز الغنى عزا والفقير ذلا، وخرج الرجل من بيته فقام
إليه من هو خير منه فسلم عليه، وركبت الفروج السروج – إذا ظهرت هذه الخصال فالهرب الهرب.
أيها المسلمون في كل مكان – اعلموا أن أصل الفتن والمحن والمنازعات، هو انعدام الثقة بين الأخوة والأخوات، ورواج الغش والنفاق في المجتمعات، وأن سبب وجود القلق والكساد. هو انحراف الناس وانتشار الفساد، وأن اختلاف الصفوف في الصلاة. علة اختلال الصفوف في الحياة، ومن أجل هذا كله باءت بالفشل الوساطات والمؤتمرات، التي عالجت وحدة الصف وعملت على إزالة الحزازات، وإن وصفت بجو الصراحة والتفاهم في البلاغات، فالاختلاف قائم، والتفرق لازم، وإذا كان المظهر يعجبك، فإن المخبر يفزعك، وإذا كانت القلوب مغشوشة، فإن الصفوف غير مرصوصة، ومن لم خطبت الخطوب وطوحت الطوائح بين من تجمعهم وحدة اللغة وقرابة العقيدة.
روى الإمام البيهقي في الشعب عن مالك بن دينار قال : مثل أهل هذا الزمان مثل رحل نصب فخا فجاء عصفور فوقع في فخه، فقال : مالي أراك مغيبا في التراب. قال : للتواضع.. قال : نعم حثيث؟ ...قال : من طول العبادة ! .. قال : فما هذه الحبة ؟ .. قال : أعددتها للصائمين ! .. فلما أمى تناول الحبة فوقع الفخ في عنقه فحتفه فقال العصفور : إن كان العباد الله يخنقون خنقك فلا خير فيهم، وهذا قيل في زمان مضى انقضى، فكيف بزمان اقل ما يقال فيه(عد عما ترى).
فجددوا أيها المسلمون إيمانكم بالله، وأقيموا الصلاة واتوا الزكاة. وطهروا مجتمعكم من الأوساخ والأدناس، واعملوا فيما بينكم من صدق وإخلاص، وانصروا الحق ينصركم الله، وأنكروا الباطل واتقوا الله، واجمعوا أمركم، ووحدوا صفكم، فإن العدو رابض، وإن الشر كامن، ولا تنافقوا في دينكم ودنياكم، ولا تخونوا أمانة الله وأمانتكم، ولا تشمتوا بكم أعداءكم، ولا تتخذوا من الكافرين وليا، ولا من المومنين عدوا، ولا تنابزوا بالألقاب، ولا تتبادلوا السباب، ولا ترجعوا كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض – فإن ذلك قضاء على إخوتكم ووحدتكم وشقاء لوطنكم وأمتكم، وشماتة لكثير من أعدائكم "وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين".

أيها المسلمون :
ألا فاتقوا الله في أنفسكم وفي دينكم وفي حياتكم – واتركوا الشعارات التي تفرق بينكم، والتي لا تمت إلى الإسلام بصلة، وإنما هي من كيد الأعداء ووحي الأهواء- وانظروا كيف كانت حياتنا تطبع بطابع إسلامي شريف. – وكيف أصبحت اليوم تتفرق وتتمزق، فمنا من ينعت بالتقدمية والاشتراكية. ومنا من يوصف بالرجعية والجمودية، بينما الإسلام يدعونا جميعا إلى تصفيف الصفوف وتأليف القلوب وهو ثورة ضد الظلم والردة والفساد، ودعوة إلى التقدم والعدل والسداد، ولكنه حبب إلينا أن نشتغل بالقشور ونتشبع بالشكليات، ونشتط في القول، ونبعد في السير، حتى وقعنا في غمرات شديدة، وعثرنا عثرات بعيدة، وأمواج الأعداء تهددنا، وأهواء النفوس، تدفعنا، ولو قال قائل إن هذا غلو في القول وفرط في الأمر لقلنا له – لم يكن الإسلام في أصله ومبدئه يعتمد على عدو من أعدائه. و لم يكن الإسلام في عزته وشرفه يستغل في تدعيم الشعارات الكاذبة والتيارات الفاسدة.
وان خوف ما يخاف المومن – أن يملي الله لنا بنعمه، ويستدرجنا سبحانه بمتنه، حتى يأخذنا بحكم عدله، وإن أخذه أليم شديد – روى الإمام أحمد في مسنده عن عقبة ابن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد الدنيا على معاصيه ما يحب قائما هو استدراج ثم تلا قوله تعالى : "فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون".
أيها المسلمون مما هو معروف في الشرائع إن هناك حياتين حياة أولى وهي حياة العمل وحياة أخرى وهي حياة الجزاء – وذلك قوله تعالى "ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون" فقوله تعالى : بما كنتم تعملون إشارة إلى حياة العمل وهي حياة الدنيا. وقوله تعالى ادخلوا الجنة إشارة إلى حياة الجزاء وهي حياة الآخرة.
ولا مراء أن الله سبحانه وتعال لا يأمر إلا بالعمل الصالح، ولا يتقبل إلا الدين الواضح، وإنه سبحانه حرم الظلم على نفسه، فلا يظلم أحدا من عباده، وقد فال سبحانه في كتابه "فمن يعمل
مثقال ذرة خيرا يره، من يعمل مثقال ذرة شر يراه" كما قال : "إلا لله الذين الخالص" وكما قال : "واعملوا صالحا، غني بما تعملون بصير".
وإنه ليسير على المومن أن يمتثل أمره، وعسير عليه أن يجتنب نهيه، فاجتناب النواهي اشد على النفس من امتثال لأوامر.

أيها المسلمون في كل مكان
لذلك كان من العزم والحزم أن يجاهد المرء نفسه حتى يتخلص من النواهي، ومن سائر النواهي – وذلك كالرشوة التي انتشرت وسيطرت فإنها تطيح المجتمعات، وتضيع الأمانات وإنها خراب الذمم، وسقوط الهمم، وإنها مدعاة إلى إبطال الحق وإحقاق الباطل – وقديما قالوا : البراطيل تنصر الأباطيل – وكأم الخبائث التي شاعت في النوادي، وذاعت في البوادي، وتربى بها الصغير، وتغدى بها الكبير، وفتحت أبواب الجرائم والاغتيالات، وسهلت أنواع السرقة ولاختلاسات، جاء في سنن ابن داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله عز وجل حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه.
وجاء في المستدرك للحاكم عن أبي أمامه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يبيت قوم من هذه الأمة على طعام وشراب ولهو – فيصبحون وقد مسخوا خنازير – وليخسفن الله بقبائل منها ودور منها حتى يصبحوا فيقولوا قد خسف الليلة بدار بني فلان وليرسلن عليكم حجارة كما أرسلت على قوم لوط – وليرسلن عليكم الريح العقيم – بشربهم الخمر وأكلهم الربا ولبسهم الحرير واتخاذهم القينات وقطعهم الرحم ثم قال حديث صحيح الإسناد ولقد كان من مآثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه عزل بميسان لما بلغه قوله :
إذا كنت ندماني فالأكبر اسقني
                      ولا تسقيني بالأصغر المتثلم
لعل أمير المؤمنين يسؤوه
                    تنادمنا بالجوسق المتهدم
 فقال عمر رضي الله عنه : وأيم الله لقد ساءني ذلك ثم عزله – فلما قدم عليه سأله فقال ما كان من هذا شيء وما شربتها قط، فقال عمر رضي الله عنه : أظن ذلك ولكن لا تعمل لي عملا أبدا – ولا غرابة في هذا فقد مات ولده رضي الله عنه في حد الخمرة تحت السوط. وهكذا كان الناس يحرصون على حماية الأخلاق المحمدية، والأهداف الإسلامية، ولا يفتحون بابا للفساد، ولا يشجعون على الشر والعناد، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة، أنك أنت الوهاب" لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here