islamaumaroc

جوانب من السيرة…لا إله إلا الله

  دعوة الحق

137 العدد

نفس كريمة، وروح عظيمة، وشخصية فذة، أعدها الله رب العالمين لحمل رسالته السماوية إلى الناس أجمعين، تعرفهم بجلاله و كماله، وتذكرهم بالعامة وإمداده وأفضاله، وتخضهم على ابتغاء مرضاته، في العقيدة وفي الأخلاق وفي السلوك وفي المعاملات، تلك هي نفس خاتم رسله وروح النبي العربي الكريم سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، أصل هذه الدعوة المحمدية هي شهادة أن لا إله إلا الله يعني الإيمان بخالق الكون، ووحدانيته والاعتراف بعظيم قدرته، وباهر حكمته، التي تجلت في نظام هذا الكون، الذي فتحت الاكتشافات العلمية في عصور هذا العالم من آفاق عظمته ما لم يكن يخطر على بال إنسان، فتحققت معجزات آيات وحي الله فيه بأجلى مظاهرها، تجلت لكل باحث متبصر، ودارس متفكر كما يلفت القرآن نظر الكافرين بربهم إلى النظر والاعتبار في آياته "أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما، وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم، وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون، وجعلنا السماء سقفا محفوظا، وهم عن آياتها معرضون، وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون.
إن أمثال هذه الآيات الكونية التي وردت في وحي الله المنزل، على قلب نبيه المرسل، وهو ذلك الأمي الذي ولد وتربى في أمة أمية لا تكتب و لا تحسب ولم يدخل مدرسة أو يسمع محاورة بين علماء أو حكماء لكافية تلك الآيات للدلالة على صدق هذا الرسول وأمانته، حيث مرت عليها وعلى أمثالها أربعة عشر قرنا، وتطورت بين البشر العلوم، وزكت الفهوم، ولم يزدها البحث العلمي والاكتشافات الفضائية إلا قوة وحجة، ونصاعة في الدلالة، ولم ينقص منها العلم عروة واحدة، بل تحقق عند المفكرين فيها قول الوحي الكريم في آية أخرى.
" سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكف بربك انه على كل شيء شهيد، إلا أنهم في مرية من لقاء ربهم، ألا إنه بكل شيء محيط".
وفي آية أخرى : "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا"، وان العلم ليؤيد مضمون هذه الآيات الكونية القرآنية بما وقع اكتشافه من الجاذبية المحيطية بالكواكب والأفلاك مع الدقة في نظامها وسيرها حتى تأخذ الدهشة بمجامع فكر الباحث التبصر في أمرها، و لا يزيد عصر العلم و الذرة واكتشاف الفضاء معانيها العالية إلا جلاء ووضوحا، وتأكيدا ورسوخا، واعترافا بحكمة صنع الرب سبحانه في عالم الخلق والإبداع  يقول الفيلسوف ابن رشد رحمه الله " من اشتغل بعلم التشريع ازداد إيمانا بالله" و لا غرو في صحة هذا القول فان في الانسان من دقة الصنع ما يبهر كل العقول ويشهد شهادة قاطعة بعظمة خالقه سبحانه كما ترشد إلى ذلك الآية الكريمة "وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون" وقد شغلت الإذاعات العالمية في السنيين الأخيرة إسماع الناس بما جرى من عملية استبدال قلب إنسان مخلوق الله بقلب إنسان آخر وهي أقصى ما وصل إليه علم الطب أو سيصل إليه، وقد يرفض الجد الثاني القلب الذي لا يشاكل استعداده في خلقه، وبذلك يزيد المومنين اعتبارا وتقديرا لحكمة الخلاق العظيم الذي خلق هذه القطعة من اللحم من صدر الإنسان تشتغل عشرات السنين بتسيير الأجسام ولا تتوقف عن العمل في نوم ولا في يقظة دقيقة واحدة " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد".
إن من يقرا ويطالع أي صفحة من عوالم الأكوان ويتفكر في خلق السماوات وعظمتها وفي الأرض وما عليها من حيوان ونبات وما في باطنها من معادن وثروات وما في أرجاء هذا الكون من أثير وسحاب مسخر بين السماء والأرض لتأخذه الدهشة من دقة نظامها وعظمة صنعها سواء في مجموعة النظام الشميس الذي نعيش ضمن جزء صغير بالنسبة لأجزائه الأخرى أو فيما وراء ذلك من العوالم فلا يسع الإنسان العاقل إلا الاعتراف بعظمة قدرة خالقها على غير مثال سابق لأنها البراهين القاطعة في الدلالة على حكمة الخلاق العليم، وأن الجهل أكثر الناس موقع العبرة منها كما قال الله تعالى : " لخلق السماوات والأرض اكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون" وليست هذه العوالم بأنظمتها الدقيقة نتيجة الصدفة بوجه من الوجوه كما يدعي من لم يكلف نفسه اقل نظرة في نفسه، أو فيما حوله من سنن الكون ونظامه، إن الاعتراف بوجود الإلاه ووحدانيته وعظيم قدرته ولطيف حكمته وشمول علمه لم يبق محل نظر وتردد بعد تقدم العلوم والاكتشافات، فكل من له ممسكة من عقل ولمحة من فكر يتيقن بوجود الخالق العظيم وجلاله وكماله ووجوب تقديسه وطاعته إن طوعا أوكرها كما قال الله تعالى مخبرا عن نفسه وعظيم قدرته " ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض  ايتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طالعين" وقوله ايتيا هو من الأمر التكويني الإلهي الذي تستحيل مخالفته والاستجابة لأمر الله على عظمته تجعل كل باحث متبصر بتعجب مع الشاعر العربي ممن يجحد الالاه أو يعصيه و لا يقدسه.
فواعجنا كيف يعصي الالا
                     ه أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة
                وتسكينة في الورى شاهد
وفي كل شيء له آية
                تدل على أنه الواحد
إن القرآن اعتنى عناية فائقة بلفت نظر الإنسان إلى نفسه ففيها دليل كاف يرشده من ذاته إلى الاعتراف بربه فقال تعالى : " هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يك شيئا مذكورا، إن خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا"، وقال سبحانه : " فلينظر الإنسان مم خلق ؟ خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب"، وقال عز وجل : "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين". وقال تعالى : "خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين" خصيم لربه جاحد لنعمه من كون جسمه وربى حواسه ونمى تمييزه وعقله، وهيأه لاكتساب العلم وتسخير الأكوان لفائدته كما تقول الآية " الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان"، إلى آخر الآية، فكان من الواجب المقدس على الإنسان أن يشكر مولى هذا النعم وذلك ما دعا إليه الإسلام وفعله المومنون تحقيقا لشريعة الحق من جانب الخلق وامتثالا لآية الكتاب العزيز " والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون".
إن العلم المادي في العصر الحاضر تطور إلى الأمام تطورا قلب الحياة الاجتماعية بمختلف أنواعها وفي شتى المجالات إلى أطوار لا نظمنها خطرت على بال المتقدمين ولكن القيم الأخلاقية والحياة الروحية بوجه عام لم تساير هذه التطورات في الرقي فلم تهذب رعونات النفوس بعد تنوع المغريات وتسهيل نيل الشهوات فتضعضعت معنويات الإنسان الذي خلق ضعيفا أمام نزوات نفسه وغلبة شهواته فكثرت الأطماع لإرضاء الشهوات واختلست الأموال، وشاعت الفواحش بين النساء والرجال، وكثرت الخصومات بفقدان الوازع الديني في النفوس، وانحلت العزائم، وقلت المبالاة بالتربية الدينية والخلقية، فشاع الانحلال الأخلاقي والانحراق الجنسي، وطغيان المادة والاهتمام الكلي بالمصالح الشخصية من غير التفات على أهمية المصالح العامة، وإلى الحفاظ على القيم الروحية والمثل العليا التي تحفظ  كيان المجتمعات من الانهيار، وهذه أدواء المجتمعات الحاضرة مع العناية بالشعارات الفارغة، والاشتغال بسفاسف الأمور دون معاليها مما يحتاج علاج كل هذه الآفات الاجتماعية إلى تربية جديدة جدية للنفوس حتى تراجع سيرة الطهارة في السلوك، والاستقامة والإخلاص في الأعمال التي بها صلاح المجتمعات فإن الآية الكريمة تقول " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
إن عقيدة توحيد الرب وتقديسه وامتثال الاوامر الإلاهية واجتناب النواهي كذلك هذه العقيدة وما تقتضيه من عمل صالح هي التي بعث الله بها خاتم أنبيائه سيدنا محمد عليه السلام وهي التي وحدت وجهت العرب والمسلمين عموما وأعلت شأنهم في الوجود، وبوأتهم بين الأمم مقام الرفعة والخلود ما اتحدوا وتماسكوا وأقاموا شريعة الحق المعبود، ورسالة الإسلام لقنت المسلمين الاعتراف بجميع رسل الله عليهم السلام إلى البشرية في مختلف العصور كجزء من عقيدة الإسلام كمال تقول الآية "وان قرية إلا خلا فيها نذير" من غير تفريق من سمى في القرآن ومن لم يسم فيه كما تقول الآية الأخرى:  " لا نفرق بين أحد من رسله" لأن المذكورين منهم في كتاب الله قليلون كما نعرف ذلك من قول الله تعالى " منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك" والإيمان بجميعهم معقول لأن دعوتهم إلى توحيد الله واحدة كمال قال الرسول عليه السلام :   " نحن معشر الأنبياء ديننا واحد" في أصل عقيدة التوحيد وان كانت بعض فروع الشرائع تتنوع أو يوجد بينها بعض الاختلاف حسب الظروف ومقتضيات الحياة في كل عصر كما ورد ذلك في القرآن " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" على أن شرائع الرسل ترمي في مجموعها إلى إقامة العدل، وتحض على الإحسان والفضل، وتتفق على وجوب حفظ الدين والنفس والنسب والعرض والعقل.
 وقد حمى رسولنا عليه السلام عقيدة توحيد الرب من كل تنزع إلى الشرك، أو تمت إليه بأية صلة، فحطم الأصنام والأوثان وبين سفاهة رأي من يعظمها، بعدما كانت العرب تخصها بالعبادة لتقربهم في زعمهم إلى الله زلفى، حتى كانت تضعها فوق ظهر الكعبة حيث كان على ظهر البيت العتيق وقت فتح مكة ثلاثمائة وستون صنما لمختلف القبائل كما في كتب السيرة فأزالها رسول الله صلى الله عليه وسلم تاليا قول الله تعالى : "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا"، وحرم الرسول اتخاذها ونحتها وبيعها ونهى الرسول عن الصلاة لله على القبور ونهى عن البناء عليها وعن الذبح لأصحابها وسكانها كما حرم التماثيل وصنع الصور التي أضلت أمما قبل الإسلام، فعل دلك حماية للتوحيد من تسرب تعظيم الصور أو تقديسها إلى نفوس المومنين الموحدين فيقعون في الشرك الخفي أو الظاهر، وفي الوقت نفسه عاب على النصارى الغلو في المسيح عليه السلام  وادعاء ألوهيته وأعلن إبطاله، كما عاب على طائفة اليهود قولهم عزير ابن الله، ودعا أهل الكتاب إلى عبادة الله وحده دون غلو في تقديس الأشخاص أو رجال الكهنوت وبالأحرى دون اعتقاد الألوهية في حق عيسى عليه السلام حتى يتساوى الأحبار والرهبان مع عباد الله الآخرين كما تنادي آية القرآن بهذه الحقيقة الخالدة : "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقالوا اشهدوا بأنا مسلمون" وبعد كفاح مرير استطاعت عقيدة التوحيد أن تستقر في شبه الجزيرة العربية وان يحمل إتباع هذه الدعوة تلك العقيدة الطاهرة وينشرونها خارج البلاد العربية حيث أشرقت أراضي أخرى بنور ربها، وأخرجت الدعوة المحمدية أمما أخرى من الظلمات إلى النور والله ولي المتقين

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here