islamaumaroc

التجديد في الشعر الفارسي -2-

  دعوة الحق

137 العدد

اشتهرت أشعار نيم بوشيج وداعت وعم الحديث عنها، ومالت إليها عواطف الشباب، فوجد بعضهم فيها انطلاقا للحديث الصامت الذي ينقل الآهات ويخفي الزفرات، وتعبر عن آلام وأحلام. ووجد الآخرون مكامن لأفكارهم وأوكارا لنزواتهم. وهكذا برزت جماعة من الشعراء الشباب شقت طريقا لها في قلوب المجتمع الإيراني، ولم تقدم هذه الحركة على العنف واللامبالاة بل ظلت تحتفظ للماضي اعتزازا ، محافظة على محاولة هدمه ساعية المسير إلى جانبه والإخلاص لخدمة الأدب في محاولة جديدة لتخليد آثاره، لذلك لم تتر حولها إلا جوا من النقد الأدبي الصرف. وذلك كله مرتبط بالروح الإيرانية التي تقدس ماضيها المجيد. وقد ظهر أثر ذلك في بعض موضوعات الشعر الحديث نجد مثلا الشاعر الدكتور برويز خانلري وبعده منوجهر شيباني يختاران موضوعا طرقه الشاعر من القرن الخامس الهجري وهو "مرك عقاب = موت العقاب" بل ويصوغان بعض أجزائه بالأسلوب الحماسي القديم. وحديث العنب وقصة أطوار حياته إلى أن يصير شرابا مستصاغا وشهدا، بل دما ودموعا لحارس الكرم، ليس بالموضوع الطريف حتى على الشعر القديم، وقد برز في ذلك منوجهر من شعراء القرن الرابع الهجري. فيأخذ قصة العنب هذه الشاعر هوشنك ابتهاج ويسميها "شعر أنكور = شعر العنب". كما اخذ الشاعر سياوش كسرائي قصة من القصص الأسطورية للشهنامة الملحمة الإيرانية، واستفاد الشعر الحديث من كلمات واصطلاحات قديمة مثل أسماء الآلهة "هورمزدا" "أنا هيتا" ومثل كلمات "مينو" "هيولا". وغني عن البيان أن اللفظ لم ينفصل عن أصله في الماضي فهو هو. والوزن نفسه الذي كان العلة الأولى التي دخل منها الشعر الحديث ليبني نفسه، حافظ هذا الوزن على التفعلة العروضية وحافظ أيظا على شكلية القافية، بل إننا نجد شاعرا معاصرا وأديبا كبيرا هو الدكتور برويز خانلري الذي برز في الشعر القديم وهو طليعة الشعراء الجدد، نجده يقول الشعر الحديث بأسلوب الوزن القديم والتراكيب القديمة الاستعمال، غير أنه يحاول تفكيك المصاريع عن بعضها فتطول حينا وتقصر حينا آخر، ويلتزم قافية متحدة في كل مصراعين. وقد حاول بعض الناشرين مرارا إلقاء أضواء جديدة على الشعر القديم، فصففوا المصاريع مجزأة حسب التراكيب الجملية حيث يجب الوقوف وحيث يستحسن السكوت، وهي محاولة لا تتعدى إبراز عناصر الخطابة في الشعر المكتوب.
على أن الشعر الحديث سلك بهذه الصفات طريقا خاصا ميزه عن الشعر القديم، فهو أن أخد موضوعات قديمة فقد أحسن اختيارها ورأى فيها منبعا يزخر بالعواطف والأفكار فكأنه لم يقتنع بما قيل في ذلك فحاول من جديد أن يسير أغوارها ويعلج أبعادها. فهذا الشاعر مثلا أخذ "الصدف" و"اللؤلؤ" وصاغهما في هذا المعنى الجديد في قطعة بعنوان "الإحساس" فراشي صدف الوحدة الخالي، وأنت، كاللؤلؤة تطوقين أعناق الآخرين". على أن مواضيع الشعر الحديث قد تعددت وتنوعت وكانت طريفة، فيها الموضوعات المحلية مثل "النيلوقر" و "الرقص الإيراني". وكانت أيضا جديدة مثل "من وراء النار" حيث يستشف الشاعر الذكريات من وراء النار ومثل "اسم" التي يصور فيها الشاعر علاقة الإنسان باسمه بعد الموت، ومثل "الغد" ومثل الخناجر والقبل والكؤوس". وقد زاد من تنوعها أولئك الشعراء الذين عاشوا في أوربا فأثرت فيهم حياتها مثلا "الرقص" لمحمد علي إسلامي الذي نظمها في باريس و" حجاب الفكر= برده بندار" التي يخيم عليها جو لندن بغشاوة ضبابه لجل جين جيلاني و "عابر= رهكذر" لفروع فرح زاده الذي عاش في روما. وبهذا ابتعد الشعر الحديث عن الخوض في موضوعات كانت عنوان الشعر القديم ودليل قوته. ولم يحدد إطارا لهذه الموضوعات ولكنه ترك لتجربة الشاعر وللظروف والصدف اختيارهما. وإلى جانب هذا دخل الموضوع الحماسي القومي وعلى الخصوص السياسي بشكل ينفه الرمز في كثير من الأحيان، كما تناول الشعر التمثيلي والوصفي والقصصي.
وأما الكلمات والتعبيرات فقد حاول وهو يرتبط بذلك الخيط الخفي بالماضي أن يبرهن على صلاحية أسلوب الشعر الجديد ورشاقته واهتزازات أوزانه لتلك الكلمات التي يتمثل فيها تاريخه العريق وثقافته. ونحت الكلمة كثيرا من الأشكال وداعبها برفق ولين وتنقل بها بخفة لتعبر بخطى رشيقة الجمال وتتحد بالصفات وتكون التشبيهات المتداخلة والاستعارات الغريبة، وكانت هذه الصفة من مزاياه الخاصة ومن الأمثلة على ذلك :
"تمشط يد المطر ظفيرة القمر الفضية" و "غزال الفكر" و "جسم النبض" و "ظفيرة المصباح و" عصافير القبل" و" تلك الطريق التي تشبه العروق الجافة".
والكلمة في الشعر الحديث وإن لم تنكر وجودها اللغوي فقد تناسب أصول التشبيهات والاستعارات والكنايات وانتقلت إلى عالم يموج يتبادل الصور والسمات، وتصبغ فيه الألوان نفسها بطلاء الأنفاس.. وقد جر هذا الشعر الحديث إلى الغلو والإغراق مما كان له الأثر السيء إذ ظهرت أخيرا في إيران حركة جديدة سمت نفسها : "موج نو = الموج الجديد" حاولت إيجاد روابط غريبة بين الكلمات والمفاهيم وأكثرت في التعبير من الإضافات ومن التداعي الحر، كل ذلك لإيجاد المعاني الجديدة، ولكن المعنى الجديد كما يقول نيماشيج "لا يجعل الشعر كثر جدة ولا أكثر جمالا، ومن كان يعتمد في شاعريته على هذا فهو ليس بشاعر".
وعمل الشعر الجديد على الإبقاء على وزن التفعلة العروضية وعلى بث القوافي في صدور أبياته أو أعجازها ولكنه خرج بالأوزان من قيد البحر الذي تحده القوافي إلى المحيط الذي تتفجر منه ينابيع الأنغام، وهو في هذا قد استفاد من عنصر جديد لم ينتبه له القدماء، دلك هو ذاتية الكلمة، فاستخلص كل ما فيها من حيز الوزن ونغمها فاستحالت الى ألحان متشابكة الأيدي، كما اعتمد على امتداد إيقاع المعاني وعلى الرمزية في التعبير وفي الموضوع، واختار لكل موضوع الوزن الملائم له، فجعل أجزاء البيت موزعة حسب هذه المقاييس.
 وإذا كان الشعر الجديد قد حرر الكلمة من الوزن العروضي إلى الوزن الذاتي، فحبذا لو يجعلها تلائم الوزن الموسيقي الغنائي، كما هو الأمر في الشعر القديم، وذلك يبرز العنصر الخفي في الوحدة الفنية التي يتلقى عند التعبير وقد عرف عند الصينيين واليابانيين انسجام الرسم مع الشعر فكانوا يوقعون لوحاتهم بأبيات من الشعر.
وعندما نتحدث عن شكل الشعر الجديد ومضمونه وموضوعاته، عن أساليبه ومعانيه وتراكيبه، فإننا نخلع عليه حلة شخصيته. فهو لم يعرف تحديدا لعدد الابيات، ولا نوعية خاصة للمضامين، لا ولا أنواع الصناعات البديعة الموصوفة والمحددة الاستعمال، ولم يعد يحكي وينقل الحوادث إلى السامع، بل أصبح يعيشها. إلى غير ذلك ...
الشعر الجديد إنساني النزعة، يعني أن رمزه هو الإنسان، الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض، هدفه أبدا أن يجده وضالته أن يعثر عليه. وقد حاول الشاعر الإيراني المجدد أن يستنطق في بحثه هذا كل الأشياء التي تحيط بالإنسان حتى أنفاسه التي تموج في باطنه، فهي خبر شاهد على حركاته وسكناته، لذلك فقد بحث عن هذا الإنسان في نفسه هو، ومنها أراد أن ينعتق من حدود الشخص وتجاربه. وظهر ذلك في الآمال المشتركة التي تحدث عنها الشعراء في الحرية، وكثيرا ما رمزوا لها بـ"الفرس الأبيض" وتجسمت هذه الحرية في المواضيع الحماسية الوطنية، وكان طبيعي أن يعرف الشعر الجديد مثل هذه المواضيع، وان يقف أناشيده على التغني بالحرية التي أصبحت اعز ما سلبه الإنسان اليوم. وكان طبيعي للشعر الجديد في إيران أن يستجيب للانتفاضات التي اهتز لها العالم الإسلامي الذي تشده به ألف صلة، أمام التحديات الاستعمارية، فيردد أصداء نداء الحرية في المغرب أيام كفاحه مع الاستعمار، ومثالا على ذلك نذكر قطعة بعنوان" اينجا مراكش = هنا مراكش" وجسمت فلسطين في شعر إيران الجديد رمزا لهذه الحرية المسلوبة فصاغت منها حماسة وملحمة. وكانت الحوادث المهولة التي أصابت أرض فلسطين وأهلها قد أدمت القلوب وأيقظت آلام الجراح وأرهفت العواطف، وكان بزوغ "الفتح" انطلاقة دفعت بهذا الشعر في مسيرة الفداء وأعماله يتغنى بها ويخلد بطولات أبنائها, نذكر من ذلك هنا "الفدائيون العرب" لمحمد علي سبانلو و" الفدائي 46" لعلي رضا نوري زاده.
 وعالج الشعر الجديد على هذا مواطن أخرى من مآسي الإنسان, فبحث الموت كما في قطعة "دره مرك=هوة الموت" التي قالها صاحبها بين أطلال تاريخ إيران في "باساركاد" و "ترس=الخوف" و "تنهائي =الوحدة" .
فموضوع الشعر الجديد إذن هو الحياة، بآلامها وآمالها. ويتسع نطاق الحياة في الشعر الجديد, فهي ليست وقفا على الإنسان، فالكائن كله حي، بل وذو شعور، لذلك فهو يشارك بل أنه ليعبر عن الأبعاد التي لا يدركها الإنسان من حياته هو، وقد انطلق الشعر الجديد الحيوانات، " فمدينة الصباح" هي مملكة الديك، وحده الذي يفصح القول عما فيها : "قوقولي قو ... الديك يغني قوقولي قو ... من تخلف في هذه الطريق المظلمة، ومن تعب. قوقولي قو .. إن الليل العمى ليفر من العالم المفقود، نحو الخفاء. قوقولي قو ..أتسع القلب والعقل ..".
وغناء الطائر السلوى هو إفصاح عن قول : "بده...بدبد (=قبيح، قبيح قبيح) أي أمل ؟ أي إيمان ؟ . بده...بدبد، كانت الابتسامة كذبا وكان القسم أيضا كذبا، وكل ابتسامة. بده ..بدبد، أي ميثاق أي عهد ؟".
وللحجز أيضا حديثه للإنسان كما في حديث قطعة "المرجان" في قعر البحار.
وقد لازمت نفس الشعر الإيراني مع هذا تفاؤل، فنجده يترنم بآمال الأيام المشمسة و "الصباح" المشرق، كما نجد كلمات هذا التفاؤل تتردد هنا وهناك : "الحياة جميلة" أو "نعم"، نعم ، إن الحياة جميلة" أو "مدينتنا الجميلة" أو "إن العيش كدر كان أم رغد لهو جميل، جميل..".
ثم حاول الشعر الجديد أن يقتحم عوامل لم تنل الفلسفة ليعطيها أبعادا زمنية ومكانية وصورا مرئية مسموعة وبذلك تعدى مقاييس الزمن والمكان المعهودة. فحاول بجزء أن يسلك مغاور التفكير : "بندار الديشه = حجاب التفكير" ويستنطق السكوت "آتشكد خاموش = المعبد (بيت النار) الصامت) ويجالس "الجن = برى". وهذا يدل على الخيال الواعي لدى الشاعر المجدد الإيراني.
وقد استفاد الشعر الجديد من الأسلوب القصصي في هذه المواضيع على الأخص لإبراز شخصيات أبطاله ومحاولة إعطائهم روحا حية.
واستغل ذلك بصورة واسعة فهناك :
1 – القصص التاريخية المحضة
2 – القصص التاريخية الأسطورية ممزوجة بشيء من الخيال.
3 – حكاية الحوادث على شكل قصص، كحكاية حوادث أيام الطفولة مثلا، أو لاقتصار على لمسات من القصة في نقل حادثة.
ونفذ من ذلك التعبير عن مكنون القصة والأسطورة وخفايا إشاراتها، ودخل عالم الرموز، كل ذلك في وحدة تامة للموضوع. كما حافظ على اللحن الأسطوري للأبطال لذلك نجد هؤلاء الأبطال يتكلمون في بعض القطع بأسلوب الملحمة الإيرانية الشاهنامة، وزنا وقافية ومعنى.
واستفاد إلى هذا من الأسلوب الروائي، واستغل كثيرا من الحوار، والمتحدثون مفترضون في الغالب ليس لهم وجود مشخص تام. وغلب هذا الأسلوب القصصي على كثير من القطع حتى لنجد أغلبها تبتديء به. والشاعر بإمداد مثلا يستعير افتتاحية القصة القديمة لي قطعته "بريا = أيها الجن" : "يكي بود يكي نيود = كان يا مكان" وتنقل بعض القطع الأخرى ومن بينها هذه قصصا قديمة بتمامها أو أجزاء منها. وطغى هذا الأسلوب حتى ليمكن القول أن لكل قطعة محيط زمني ومكاني تبدأ بتصويره. فمثلا نرى في قطعة بعنوان :   آزار تنهائي = آلام الوحدة" الوصف التالي : " جو البيت تقيل وفاسد. على الطاولة وردة ذابلة في مزهرية بلا ماء". ويقول  الآخر : "القطة الصغيرة تقفز نحو الستار. الكؤوس فارغة بعد سمر الأمس".
ثم ينتقل التصوير من الزمان والمكان إلى المعاني فيتغلغل إلى أعماقها ويستخرج رسوما زاهية الألوان من التشبيهات والاستعارات مثل: "نزل الليل فزل بالجبل" . " كانت الغرف مغلقة الشفاه" . "جبين الجبال المليء بالتجاعيد والغم" . " على الرأس تاج من ابتسامة الصباح" ." أوغل الليل أصابعه في شعره". " يتلألأ الليل من الرضاب النيلي لنور القمر" . " يلمس الثلج الزجاج بجناحه".
ومن بين هذه التعبيرات البديعة يتسلل ليصف ويحلل بواطن الأشياء، ويصور الحوادث والمواقف، فيسعى ليجمع الصور المتفرقة في الحياة ويوحد بينها، ويضع عليها هالة من الروعة في بيداء الخيال الواعي المبدع. غير أنه يجب الاعتراف بأن الوصف أغرق في بعض الأحيان حتى أضاع الارتباط بين الأشياء، وفقد تجانس المعاني، وانمحت صورها. أما اللغة التي سخرها الشعر الحديث لهذه المعاني والتراكيب فهي لغة بسيطة جدا منتقاة من السواد الذي استفاد من محيطه إلى أبعد الحدود. واستعان باللحن والوقع الصوتي لأداء حركة المعنى وإنعاشه وتشخيصه. فمثلا يقول احد الشعراء في وصف الرقص : "سرت رعشة من القلب إلى الاذيال" وكقول الآخر : "إن قلبي ينفتح وينغلق كأصابع حبيبتي الجميلة". كما انه يكرر اللفظ لبيان حركة الأشياء ويقطع أحيانا الصوت تماما، فيقطع التركيب الواحد أو الكلمة الواحدة من دون أن يفقد هذا التقطيع المعنى اللغوي. وتختفي هذه الكلمة في بعض الأحيان مخلفة ورائها نقطا ناطقة بخفاياها. وعند نهاية القطعة يعود الشاعر إلى الفكرة التي بدأ بها ليشد الموضوع بين فكين، و يماسك البداية بالنهاية، فيكررها بلفظها، ويؤكدها ويثير الانتباه إليها.
لقد فتح الشعر الحديث في إيران طريقا تعدى بها مراحل التجربة، وأصبح ذا رسالة خاصة في الأدب الفارسي من غير أن يفقد الشعر القديم ميزته أو ينزل من مقام إبداعه وأسلوب بيانه, وإذا شئنا أن نحدد مكانه اليوم في إيران فإننا نستطيع القول أنه بدوره الأدبي والفني.
إن لشاعرنا بصيرة تلتقط دقائق تموجات الخواطر وتضبطها بمعقل القول. وأن مهمة الشاعر الجديد هي أن يرسم القول بريشة خياله الثاقب، الخيال الواعي المبدع.
ولقد حقق الشعر الإيراني هذه الميزة ووحد بين الواقع، وصبغ الواقع بالحقيقة التي تكمن وراء الخيال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here