islamaumaroc

الفولكلور ليس رقصا فقط

  دعوة الحق

137 العدد

الفولكلور كلمة جرمانية قديمة تعني معارف الشعب، ومأثورات الشعب، أو كل ما يصدر عن الشعب من غناء ورقص وأدب وحكمة ومثل وغير ذلك، وبمعنى إجمالي هو روح الشعب النابضة أو ضميرها الحي الذي يعكس لنا أهواء ونوازع هذا الشعب صاحي هذا الفولكلور ..
ولقد كانت بداية الاهتمام بهذا العلم الجديد في أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر، في كنف الثورة الصناعية الكبرى، والثورة الفرنسية حيث بدأت الدول تشعر بالقوميات، والرغبة في الانتماء بعد أن تفتح الذهن البشري على الاكتشافات العلمية العديدة، وإطلالة العقل الإنساني على الطرق والمناهج العلمية في مباحثه التاريخية والأدبية وغيرها، فاتجهت من تم العناية إلى المآثورات الشعبية بصفتها أحد مظاهر الشعوب، ولئن كانت هذه المأثورات – في القديم – تروى وتتناقل متواترة من جيل إلى آخر فد جاء عصر التدوين والدراسة والتعليق، فكانت العناية بهذا العلم، بل هذه العلوم المختلفة – ولقد كان لاستقرار العالم نسبيا من أهوال الحروب، ولانحسار النفوذ الأجنبي، ولقلة الفتن والقلاقل، ولاتجاه الشعوب إلى البحث عن مقوماتها الحضارية، والضرب في تراثها الغمير – كان لكل ذلك الأثر الكبير في العناية بهذا العلم (كما كانت العناية أيضا بغيره من العلوم الأخرى) حيث أبدت تلك الشعوب رغبتها في التعارف والتقارب فيما بينها، فكانت من تم حركات الترجمة والمبادلات الثقافية التي شملت جميع هذه الأمور بما فيها الفولكلور.
غير أن هذا العلم الجديد لم يجد الطريق معبدا سهلا بل وجده طريقا صعبا كؤودا مليئا بالأشواك، إذا قامت في وجهه موجة من السخط ورمت أصحابه بالتفاهات والحمق، وذهبت إلى أن صنيعهم هذا إن هو إلا مجرد هراء لا غير، فكيف تجوز العناية – في نظرهم – بأشياء تافهة تصدر عن الشعب ! وهؤلاء إنما يستندون إلى هذه النظرة الخاطئة لأنهم لازالوا يطلون من "بروج عاجية" معتقدين أن كل من ما ينتمي إلى الجماهير إنما هو ساذج بسيط وخال من القيم الفنية والمتعة الفالدة في آن واحد، وبطبيعة الحال فقد ذهبت ادعاءات هؤلاء أدراج الرياح وشق علم الفولكلور طريقه وسط هذه الصراعات، وأصبح الآن يدرس تقريبا في جميع جامعات العالم كعلم قائم بذاته، وأصبحت له مجلات قيمة خاصة تعنى به وبالتعرف بمختلف فروعه، وأصبح له أنصاره ودارسوه، والمحبون له والمهتمون به.
والفولكلور ليس رقصا أو طربا فحسب، كما يخيل للبعض، بل أنه كما أسلفت تراث الأمة الهائل الذي ورثته عبر الأجيال وهو يتمثل في شتى مظاهر هذه الأمة من أنشطة فنية أو أدبية سواء في ميدان الغناء أو الرقص أو لأمثال أو الأزجال أو الحكايات
الشعبية أو السير وما إليها.. فكل هذه الأمور تنخرط تحت إطار الفولكلور العام، وهو العلم الذي يدرسها، أقول هذا لأن الشائع أو المعروف لدى البعض أن الفولكلور يعني الرقص والطرب، وبمجرد أن يقال مهرجان الفولكلور يتطرق إلى ذهنهم أنه مهرجان الرقص الشعبي أو الطرب الشعبي .. الفولكلور للمرة الأخرى هو مجموعة تراث الشعب، وكل ما يصدر عنه من فعل أو قول، في اللحن، أو الحركة، أو الرواية..
ولا يشك أحد أنه على أي أمة أن تعني عناية فائقة بهذا التراث الشعبي الزاخر من مآتوراتها، لأنها واحدة فيها عديدا من الصور والملامح القديمة لهذه الأمة، وكل من أغانيها، وأمثالها، وحكمها، بل ورقصها، وطقوسها، كل هذه النفائس الشعبية ( التي يظنها البعض خرافات ..) تحوي تاريخ هذه الأمة ومعتقداتها، وتعبر خير تعبير عن روحها، وتلقي أضواء ساطعة على ما أبهم من ماضيها القديم، وتعكس بطريقة أو بأخرى آمالها وتطلعاتها نحو مستقبل الغد المشرق الذي تصبو إليه.
ثم إن الفولكلور – في الواقع – هو وجه أي أمة، فيه تعرف مدى ما يعتمل في نفوس أفرادها من نوازع وأهواء وانه ليمكننا أن نستشف بعض خفايا وأسرار هذه الأمة من طرائق رقصها، ومن أمثالها، ومروياتها، فأنت ترى الرجل الإفريقي يرقص على جلد حيوان مفترس تحت دقات الطبول المدوية المتوالية التي تعبر عن التصميم والانتقام أو عن الشجاعة والنصر، في حين ترى نقيضه الأوروبي يرقص تحت نغم رخيم فيه انسباب وميوعة وهدوء، وهذا يدل على رقته وليونته بحكم بيئته وماضيه ومزاجه ومعتقداته، ثم اننا واجدون ذلك في الشعر والأمثال والحكم ( يقول المثل العربي الذي يعزى إلى المتنبي : مصائب قوم عند قوم فوائد) .. ويقول المثل الانجليزي ويعزى إلى شكسبير : (زوبعة داخل فنجان) وبعقد مقارنة سريعة بين بعض أمثال الشعوب تعطينا مدى اختلاف الأمزجة والطباع والاعتقادات بين هذه الشعوب، وما الملاحم الكبرى التي انفرد بها الإغريق في القديم إلا انعكاس لمزاجهم الذي يبيح تعدد الآلهة وأجواء السحر والكهنوت، الشيء الذي وقف بالعرب عند حد التجريد دون التعمق، ومن خلال بيت واحد من أبيات النابغة الذبياني نستنتج ان المزاج العربي القديم فهو يقول في مجال الوفاء :
حسب الخليلين فأي الأرض بينهما
                      هذا عليها وذاك تحتها بالي
انه وقف عند بداية تصور المأساة دون تعمق وتحليل، والأمثلة على هذه الامور كثيرة متعددة ليس الآن مجالها.
ثم أن الفولكلور إن هو إلا تجسيد للماضي في صورة الحاضر الذي يشكل بدوره المستقبل، وكما هو معلوم أن لا حاضر ينشأ من فراغ أو عدم بل لابد أن يقوم على دعامات وأسس، والفولكلور إحدى هذه الأسس والدعامات وأسس، والفولكلور إحدى هذه الأسس والدعامات بدون شك ، لأنه من الشعب وإليه، وتربطه به صلات وثيقة جدا نابعة منه، صادرة عنه، وتعبر عن مشاعره ومطامحه وأهوائه، وليس من شك أيضا في إن دراسة الفولكلور تكشف لنا النقاب عن حقائق تاريخية لم تكن في الحسبان، فبعد العثور على ملحمة " جلجامش" الشهيرة أخيرا أزاحت الحجب عن كثير من الحقائق المجهولة، وغيرها من الملاحم التي تؤول تأويلا رمزايا فتعطينا نماذج من صور الشعوب واعتقاداتها وعبادتها وأنماط حياتها في القديم ..الخ ..
ثم ان أشكال النحث والرسم والأقنعة التي نعثر عليها بين اليوم والآخر، والتي تدخل في صلب دراسة الفولكلور، تعطينا مزيدا من المعلومات والمعارف المجهولة وكذلك الشأن في النقوش وما كتب عليها من رموز وحكايات، كلها تخدم نفس الغرض. في الأخير الفولكلور : فن الجميل حسب ميول واتجاهات المهتمين به من (رقص، وغناء، وأمثال، وحكم، وسير، وأساطير ..الخ) فكل يعشق لونا معينا من هذه الألوان، وتشير فيه من الأحاسيس والشعور ما تجيش به النفس بالسعادة والغبطة، والغريب أن هذا يحدث ليس فقط لأبناء الشعب الواحد بل يشترك فيه عديد من الشعوب على اختلاف حللهم ونحلهم وتاريخهم ولغاتهم وموقعهم، فأنا لا أشك بتاتا في أن كلا منا يطرب  لمعزوفة موسيقية هندية أو روسية مثلا، أو يسر رقصة الديكة اللبنانية أو الفلامنكو الإسبانية، أو رقصة الحصاد أو الصيد عند الإفريقيين، أو لقراءته الإلياذة أو الأودية أو الشاهنامة، أو المهاباهارتا، أو كليلة ودمنة وهلم جرا. فجميع الشعوب تشترك في الفخر والحفاظ على هذه الكنوز النفيسة من المأثورات الشعبية، وهذا ما يزيد من تقارب هذه الشعوب ومعرفتها لبعضها، وجعلها تترنم وتتغنى تحت نغمة واحدة إلا وهي نغمة الحب والمسرة والسلام. من هنا كانت مسألة التبادل الثقافي على مختلف أشكاله وصوره ضرورة من الضرورات المهمة بين الشعوب ليس فقط على الصعيد (الفني) كالرقص والطرب، بل على الصعيد العام من حيث السير والقصص الشعبي الجميل أيضا الذي يلقى إقبالا كبيرا في جميع أنحاء المعمور. ولقد فطنت كثير من الدول إلى هذه الحقيقة، فأنشأت مدارس ومعاهد خاصة للرقي بهذه الفنون أولا، ثم لتصديرها إلى الخارج ثانيا، على شكل تبادل ثقافي – فني بينها وبين غيرها من الدول الأخرى، وهناك كثير من الفرق الشعبية من مختلف دول العالم تنتقل بين البلدان المختلفة، وتقدم عروضا رائعة تسر الناظرين، وتظفي عليهم السعادة والسرور على اختلاف أجناسهم وألوانهم.
وثمة مسألة خطيرة للغاية بشأن صاحب هذا الفولكلور أو مبدعه، فهناك من يقول أن صاحبه وواضعه هو الشعب، وهناك من يقول غير ذلك، ولديه أن الشعب ككل لا يصنع شيئا بطريقة سديمية مبهمة تلقائية، بل أن السر في هذا الخلق يؤول إلى عبقرية فردية هي صاحبة الفضل الأول في ظهور العمل الشعبي (سيرة، مثل، حكمة، أزجال ...الخ) ثم انتقل – هذا العمل – بعد ذلك عبر الأجيال بين الناس فتناقلته هذه الأجيال فيما بينها فزادت فيه أحيانا، ونقصت وأضافات وحذفت أحيانا أخرى. ولكن مهما يكن من أمر فإن الفضل يرجع – في نظري – إلى مبدع فردي أو إلى عبقرية فردية، وهذه حقيقة فلا يعقل أبدا أن يخلق الشعب شيئا ككل، بل لابد أن يكون هناك مجهود فردي ثم أصبح جماعيا مشتركا بعد ذلك. وبقيت كلمة سريعة جدا بخصوص مهرجان الفولكلور الذي يقام هذه الأيام بمدينة مراكش، وهي أنه ينبغي ألا تظل هذه الفرق فرقا قائمة بنفسها هائمة على وجهها تعتمد على اجتهادها الشخصي وحسب، بل ينبغي أن توفر لها جميع إمكانيات لتطوير والرعية والتشجيع وأخذها على مناهج الدراسات الحديثة في الحركة والإيقاع والصوت والتجديد، ثم لا ينبغي أيضا إبقاؤها داخل البلاد فقط بل علينا أن نختار أجودهما ونعني بها حتى تكون سفيرتنا في الخارج لتقدم عروضا هناك على غرار العديد من الفرق العالمية الأخرى.
ومما لاشك فيه أن الفولكلور المغربي زاخر بالمواهب والأصالة ولكنه يحتاج إلى توحيد سديد، وهو مطالب بالتجديد (إذا تكلمنا عن الرقص والغناء بصورة خاصة) فهذان اللونان محتاجان إلى التجديد والتطوير حتى لا يمل منهما المستمع والمتفرج، خاصة وأنهما يعتمدان في الغالب على النغمة الواحدة المكررة أو الإيقاع الواحد المعهود على عكس العديد من الفرق الشرقية العربية مثلا التي تتعدد النغمات فيها وقطنون لتفادي التكرار الممل، فالتطوير والتجديد والتنويع والتشجيع كل هذه المسائل ضرورية جدا إذا أردنا لفننا الشعبي أن يرقى إلى منازل الفولكلور العالمي الراقي الذي يسمو فوق الذوق والروعة والإعجاب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here