islamaumaroc

لماذا أحببت دمشق -1-

  دعوة الحق

137 العدد

تسألني لماذا أحببت دمشق، وهل يسال المرء كيف عشق ولماذا أحب ؟.
لقد أحببت دمشق على مراحل، لأن معرفتي بها بدأت مع الزمن وتطورت، كالهوى العذري، لقد انتقلت علاقتي بها عبر الحياة والتصور إلى الحقيقة التي لا تزول. ونمت محبتي لها فترة فترة وزمنا بعد زمن. لقد رسخت صورتها في ذهني، فهي جزء مني أوهي بعضي كما يقول الشعراء.
كنت تلميذا في بلدتي الريفية، وكان لي رفاق من دمشق يعيشون معي، وكانوا أكثر دهرهم يتحدثون عن بلدهم حديث الشوق والأمل، يعرضون ذكرياتهم وأيام صباهم وكنت أصغي إليهم وأعجب لألسنتهم كيف لا تهدأ عن ذكر دمشق، حتى حفظت أسماء المهاجرين، الجسر، الشيخ محمي الدين وغيرها من أحياء المدينة، كما عرفت الشوارع والمنعطفات من مثل : شورى، والباشكاتب والشمسية والشطا، والقيمرية وسوق ساروجة، وكثيرا ما كنت أرى الدموع في العيون، وأستمع إلى اللهفات تند من أفواه أولئك الرفاق، وكنت أحس باللذة في ترداد الأحاديث فألح في معرفة الأمكنة والأشخاص والحوادث وهي تمر خلال الحكايات والروايات، وكثيرا ما كنت أسأل أحدهم أن يرسم لي مصورا للمدينة التي عشقتها على السماع : والأذن تعشق قبل العين أحيانا. فكنت أحفظ ما فيه بدءا بالبحصة مارا بسوق علي باشا إلى المرجة مصعدا حتى أصل المهاجرين.
لقد عرفت الحياة الدمشقية قبل أن أرى المدينة الخالدة، وعشتها في خيالي فكان الشوق دليلي إليها. وفي الليلة التي تقرر فيها أن أزور دمشق. لم أنم، لقد كنت أحلم بدمشق، حتى منعني الحلم من النوم، وأيقظتني التصورات حتى الصباح.
وجئت دمشق، تلميذا مرهقا متعبا، أنهكني الدرس وقلة النوم، وخوف الفحص، ومررت بالسيارة في شارع بغداد، وأحسست أنني أفتح عيني أكثر مما يجب، لأرى أكثر مما يتسع له البصر، وانحدرت من هذا الشارع إلى سوق ساروجة، ثم جوزة الحدباء حيث كان الفندق الذي اخترناه أو اختير لنا.
وسرعان ما تركت الفندق لا ألوي على شيء، أريد أن أرى دمشق، أريد أن أطوف فيها على مهل، وخرجت إلى سوق علي باشا لأزور أول مطعم أراه، وهو مطعم (وردة) عليه وعلى أصحابه وأيامه رحمة الله. ودخلت مشدوها أتأمل الجدران المزوقة والسقوف المطرزة والنوافذ الملونة، فأعجب بكل ذلك ويخطفني الخيال ليعيدني إلى بلدتي الصغيرة القديمة فيحرجني البون الشاسع والفرق البعيد.
خرجت من السوق إلى (المرجة) المرجة الخالدة، ساحة الشهداء، فوقفت حيران ألتفت يمينا وشمالا أسأل عن كل شيء، لأني أريد أن أرى كل ما تخيلته سنين طويلة من الشوق والأمل.
ولقد جئت دمشق أثب مع الشوق وثبا، ولكن فكرة الفحص كانت تعكر صفوي، غير أني نجحت وكأن دمشق أبت أن تخيب ظني فيها، وعشت سنة أخرى وأخرى، حتى امتدت بي الغدوات والروحات طوال أربعين سنة، وحتى قطنت المدينة التي لم أستطع تركها منذ أن عرفتها، لقد وجدت مصداق ما كنت أسمعه من الرفاق فاطمأنت إليها وأحببتها، وضحك لي الحظ فيها وكان معرضا عني، واستجاب لي الزمان فلم أعرف فيها خذلانا ولا بأسا، فازداد حبي لها وثبت على الأيام، ولقد قيل: يحمد السوق من ربح.
ورأيت في دمشق ما لا يمكن أن أراه في غيرها، إنها العاصمة التي ظلت زمنا مهوى الأفئدة وغاية الشعراء والأدباء من البلاد العربية وغيرها، لقد عرفت فيها شوقي وحافظ والرصافي والزهاوي ومطران، وكان هؤلاء رجال العبقرية والعلم. وكانت دمشق تبدو في زينتها حين يمر بها أحد هؤلاء، فتزدان مقاصفها، وتبتسم حدائقها لاستقبال الضيوف من العظماء، فكنا نجلس إليهم ونتحدث معهم ونحن في نشوة من هذه الفرحة النادرة والمناسبة العابرة.
جاء شوقي وعبد الوهاب، وجاء حافظ ومطران، عرفنا فيها الشعراء والممثلين والمطربين والعازفين، وهل عند الأديب أعظم من هذا؟.. لذلك كله أحببت دمشق.
وكان في دمشق، يوم عرفتها أصحاب النكتة البارزون، وقد مضوا إلى رحمة الله فلم يخلفهم أحد، وكأن الزمن قد انقلب، أو كأن الأيام قد دارت بنا لترينا صفحة أخرى من هذه المدينة الخالدة. كان أبو درويش سويد وعلي الزركلي، ووجيه الزين وإبراهيم نصري وعادل ياسين وسليم شاكر وحسني تالمو ورشدي القوتلي وغيرهم وغيرهم، وكانت هذه الألوان تجتمع كلها في المنارة أو البيوت، مثل بيت فخري البارودي الذي كان بيتا وناديا ومكتبة ومصدرا للإشعاع الوطني، وهو الذي وصفه الرصافي فقال من قصيدة :
من رام منكم أن يعز بلاده      فليسع سعي معزها البارودي
لم  نكن نعد الساعات ولا الأيام، إذ كان الزمن فرحا كله وكانت الأوقات تمر وكأننا في أرجوحة من الفرح والسعادة، وكان من المستحيل علينا أن نجد هذه الوليمة الفخمة من الفن والأنس والفهم في غير دمشق، ولهذا أحببت دمشق.
ودمشق واقعة في بقعة معتدلة الهواء والماء تكاد تكون فريدة بين بقاع الدنيا، تجد فيها الجبل والسهل وتلقى الهضبة والوادي ويلتقي فيها الحر والبرد والاعتدال. فيها الصحراء والخضراء، وكل له طعم، كالخمر كل مليحة بمذاق، كما قال شوقي، ولو ذهبت شرقا لنعمت بدفء الغوطة وظلها الظليل، فإذا التفت غربا وجدت الماء والخضرة والماء الزلال ولو توقلت قاسيون(1) لأحسست نظافة الهواء ولدبت الحياة في جسدك، فإذا أحببت الاصطياف خرجت بعيدا قليلا إلى الزبداني لترى صورة من صور مصايف لبنان ومجالي أوربا. إن دمشق مجموعة من الألوان في إطار عجيب يضم إليه مختلف الأقاليم والمناظر والأهوية، ولذلك كنت مجبرا على حب دمشق.
فإذا عرجت إلى أسواق دمشق، وجدت نظاما ودقة ولباقة، وتتحدث فتلقى لطفا وصوتا يؤنسك ويريحك حتى تشتري وأنت في غير حاجة، ولن تجد كالأديب محتاجا إلى الأنس والملاطفة، لذلك أحببت دمشق.
فإذا أضفت إلى ما في دمشق من مغريات ومحببات، الذكريات الحسان والأيام الماضية، أدركت سبب حبي وإيثاري لدمشق، لقد أحببتها حتى لم أستطع فراقها، ولو أردت كرهها لما قدرت على ذلك، وهل يكره المرء حياته وما فيه، وقد بات الماضي أكثر مما بقي:
أأفجع بالشباب ولا أعزى      لقد غفل المعزي عن مصابي
دمشق هي الأم الرؤوم، والوالدة الحنون، لم تبخل علي بشيء، فلا أقل من أمنحها حبي ووفائي:
سلام من صبا بردى أرق      ودمع لا يكفكف يا دمشق
لقد أحب حافظ دمشق حتى بكى سرورا:
شكرت صنيعكم بدموع عيني       ودمع العين مقياس الشعور
لأول مـرة قـد ذاق جفـني          على ما ذاقه طعم السرور
ولكن دمشق قد اعتلت وتغيرت، لقد مشى الزمن بها كما مشى بغيرها، فصرفها عن حياة الأنس إلى حياة الجد والوقار، لقد غابت البسمة والفرحة، ليحل محلها الجد والعمل، أمر لازم شريطة أن لا يمنعها من الحياة، فأنا أكره العبوس والتقطيب، وأضيق ذرعا بالوقار، لاسيما إذا كان متكلفا، لقد كانت دمشق بسمة مرحة فأصبحت عبوسا، حتى بت لا أعرفها، كما عرفتها، فإذا مررت اليوم بمواطن الأنس، نديت عيناي بالدموع. أنا في حاجة إلى المرح القديم، المرح الذي عرفته في دمشق، يوم كانت دمشق تعمل وهي تتبسم، لقد فقدت في دمشق حياتي الماضية، فانتقلت من عالم إلى عالم، ولم يبق لي غير الذكريات أستعيدها وأتأملها، وكأنني أرثي عزيزا أو أبكي صديقا.
ولعل أيام دمشق ولياليها ومجالسها أن تعود، لعلها.
بلد صحبت به الشبيبة والصبا        ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيتـه        وعليه أغصان الشـباب تمـيد
لقد أحببت دمشق لأنني وجدت فيها ما تطلبه النفس وما يرغب به القلب.
                                                            
(1)  جبل دمشق الشهير

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here