islamaumaroc

منهج التربية والتعليم في الإسلام

  دعوة الحق

137 العدد

تنطلق فكرة التربية الإسلامية في التعليم من مبدأ التوحيد في الله، ثم توحيد البشرية، وتوحيد طبقاتها. ومن هنا يتعين، - في نظر التربية الإسلامية ومنذ البداية أن تتوحد المناهج الدراسية، وتتحد برامجها، وان يحافظ فيها على الازدواجية بين اللغة والإسلام : اللغة العربية، بوصف أن بها نزل دستوره القرآن، وكانت لسان من أرسل لهذا الدين محمد عليه السلام، وبين اللغات الأجنبية بوصف أن المسلمين جميعهم مدعون للدعوة لدينهم ونشره بين سائر الأمم ودول العالم، على أن تتوخى هذه الازدواجية في حدود، بحيث لا تطغى اللغات الأجنبية ودراساتها أو تضرى على حساب اللغة العربية والدراسات الإسلامية،  وانما يجب ان يتوخى الفكر والهدف لدى المجتمع الاسلامي، حتى لا تبقى هناك طوائف مختلفة الاتجاهات والتفكير، تتأخر وتتنابذ فيما بينها نتيجة التكوين والتوجيه الدراسيين.
وإذا كانت طرق التعليم إبان الاحتلال الأجنبي الذي اجتاح سائر الدول الإسلامية تقريبا، قد اعتمدت الازدواجية في التكوين و التوجيه، وجعلتها هي سياستها في ميدان التعليم، سعيا وراء قيام تهافت في تفكير أفراد المجتمعات الإسلامية، وتطاحن رغباتهم، عن طريق تفريق الأمة إلى معسكرين، يوشكان أن يتمردا على بعضهما ويتراشقا بالنبال : معسكر يحمل اسم رجال الدين لا يعرفون من أمور الدنيا شيئا جديا، أو جديرا بالاعتبار، ومعسكرا آخر باسم رجال الإدارة والفنية والتقنية، وعلى فكرة لا يغرفوا من أمور الدين إلا السطحية، أو على الأصح إلا ما يظهر لهم هذا الدين بمظهر ظاهرة تاريخية لفترة زمنية خاصة، ومجتمعات خاصة أي انه استنفذ مهمته، ومن ثمة فيجب أن لا ينتظر منه التجاوب مع متطلبات الحياة المتجددة، أو الاستجابة للنمو العقلي الذي تفتقت عنه العلوم التشريعية والتقنية الآخذة في السيطرة والانتشار، ولذلك فلا معنى للاهتمام به إلا في دائرة الدراسات التاريخية، أو حتى إذا كان لا بد من دراسته كعقيدة فيجب أن لا يكون مذهبا أو سلوكا، أقول : إذا كانت تلك العهود قد انتهجت هذه السياسة التي جعلت من الأمة الواحدة عديدا من المجتمعات وأنواعا  شتى من الاتجاهات، فإن الأوضاع الجديدة بعد حصول جميع الدول الإسلامية على التحرير السياسي، يجب ان تعيد النظر وجذريا في البرامج والمناهج والتكوين والتوجيه في ميدان التعليم، وأن تصدر في آرائها – وهي تباشر هذا التوجيه – عما يجمع الأمة من وحدة الخالق، ووحدة المنبت والأصل، ووحدة الهدف والمصير.
وهذه الوحدويات تحتم إنشاء وحدوية في التعليم، وفي جميع أطواره ومراحله : ابتدائيا وثانويا وجامعيا، ذلك لأن هذه الجامعات وتلك المعاهد والمدارس والكليات إنما تعمل لتخريج الأستاذ المسلم، والطبيب المسلم، والمهندس المسلم، والكيميائي المسلم، والفيلسوف المسلم.
الشيء الذي يقضي بأن تخضع مناهجها لتعليم إسلامي، وبالتالي أن يخضع روادها هم أيضا لتعليم ودراسات إسلامية. هذه الدراسات التي يجب أن تكون هي الجذع المشترك في التعليم، والتي يجب في نفس الوقت أن تشمل كل الدراسات والعلوم إنسانية واجتماعية واقتصادية، وبالأخص التاريخ والسيرة والحديث والتفسير والفقه.
ثم بعد ذلك تراعي الاختصاصات المختلفة من طب، وهندسة، وفلاحة، وصناعة، ومختلف المهن.
أي يجب أن يكون تعليما دينيا ودنيويا معا. دنيويا على اعتبار أن نفهم الدنيا، ونتأهل لتسيير كل شؤونها، ودينيا على اعتبار أن لا نفهم الدنيا إلا بوجهة نظر الدين، لأن الإسلام لا يسمح لنا أن نسير شؤون الدنيا كيفما نشاء، ونكتفي بجعل عدد من العقائد والعبادات تكملة لها  في حياتنا. وإنما يريد أن يكون رائدنا في حياتنا، ومنهاجا وحيدا لأعمالنا وتصرفاتنا في جملة شؤونها، ذلك لأن الإسلام لا يتكلم عن الملأ إلا على فوق الدنيا فحسب، بل يتحدث ويبحث في مسائل الدنيا ومشاكلها كلها، ويوضح لنا حقيقة هذه الدنيا، ولماذا جئنا إليها، وما هي الغاية لحياتنا فيها، وما هي مكانتنا الحقيقية في ملكوت السماوات والأرض.
فكيف لدين هذا شأنه أن يرضى أن يكون في مجتمعه نظامان للتعليم : تعليم ديني وآخر دنيوي؟ أو كيف يقبل أن نضيف إلى تعليمنا الدنيوي تعليما دينيا كتكملة ؟.
ثم في كلمة سابقة اشرنا إلى أثر التربية البينية في إعداد الخلية الأولى أي الفرد في المجتمع، ومدى ما تستطيع تلك التربية أن تمد به الخلية من إمكانيات، وتكتشفه من مؤهلات. وانتهى بنا القول إلى ضرورة إيجاد تكامل بين تلك التربية والتي توفرها المدرسة والمعهد والكلية والجامعة.
ونضيف هنا أن مما يدخل ضمن الأعداد لتربية من هذا النوع، الاهتمام المتزايد والبالغ بالأداة الأولى والأساسية لقيام كل تربية في أية أمة ما، وأعني بهذه الأداة اللغة.
وإذا كان الإسلام في شموليته يتحاشى من التقيد بلغة ما معينة، وبوصفها اللغة الرسمية والوحيدة التي يجب أن تسود وتسيطر في مجتمعه، فإن الإسلام من جهة أخرى سواء هنا في المغرب أو في باقي الدول العربية والإسلامية، قد لا يكون مفهوما، كما أن الناس قد لا يدركون أهدافه من التربية التي يتوخاها إذا كان أولئك الناس بمنجاة من تفهم اللغة العربية بالخصوص.
ذلك لأن التربية – كما قلنا – سابقا – هي خلاصة عقائد وعادات وأعراف امة ما. وأعظم الأشياء اتصالا وارتباطا بالأمم لغتها.
واللغة في العصور الحديثة لم تعد فقط مجرد وسيلة للتفاهم والتواصيل، وإنما هي – كما قال مالينوفسكي – حلقة في سلسلة النشاط الإنساني المنظم. إنها جزء من السلوك الإنساني ذاته، وإنها ضرب من العمل، وليست أداة عاكسة للفكر.
بل أن الألمانية (فشته Fichte ) يذهب إلى القول "بأن اللغة تلازم الفرد في حياته، وتمتد إلى أعماق كيانه، وتنفذ إلى أخفى رغباته وخطراته. أنها تجعل من الأمة الناطقة بها كلا متراصا، خاضعا لقوانين، أنها الرابطة الوحيدة الحقيقة بين عالم الأجسام وعالم الأذهان (1).
واللغة بالتالي – كما هو رأي بعض العلماء الاجتماعيين – توشك أن تكون أعظم قوة تجعل من الفرد كائنا اجتماعيا لأن اللغة أشد الأشياء ارتباطا بالفكر الإنساني. ومن تمة فهي أكثر الأشياء وأظهرها تعبيرا عما يجول حقا في ذهن ذلك البشر، فالذي يترجم غير لغته لا يكون معبرا عن أفكاره وإنما يكون معبرا عن أفكار من يترجم لهم.
ومادام أن المفروض فينا نحن المغاربة وسكان الدول العربية والإسلامية إننا مسلمون فيجب والحالة هذه أن نعتبر تلقين اللغة العربية من أبسط وأولى البديهيات، من اجل إيجاد تربية إسلامية صحيحة في مجتمعنا.
ثم يجب أن لا يعزب عن بالنا – ونحن نتحدث عن التربية الإسلامية – إن القرآن الذي هو الدستور الحي لعقائد الإسلام وأصول السلوك فيه نزل بلغة العرب، فمن غير المعقول أن يفهم فهما جيدا، وجديرا بالثقة، إذا لم يكن مفسروه وقارئوه، ودارسوه، على بينة تامة من اللغة التي نزل بها.
روى عمر بن زيد قال : كتب عمر بن الخطاب الى أبي موسى الأشعري "أما بعد فتفقهوا في السنة والفرائض، وتفقهوا في العربية واللحن".
ومن كلمات الشافعي في الموضوع " من حفظ القرآن عظمت قيمته، ومن طلب الفقه قبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في النحو رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم يصنه العلم".
والمسلمون غير العرب في مجموع العالم، تنبهوا اليوم إلى هذه الحقيقة، وأحذو ينادون بها. ويولونها الاهتمام اللازم. بل ويضعونها في أوليات البرامج الجديدة الهادفة لقيام تربية وتعليم إسلاميين صحيحين.
بل إن الباكستانيين في برامجهم التعليمية التي وضعوها غداة تحررهم سياسيا، قاموا بشبه استفتاء عن أحسن وأقوم البرامج والمناهج التي ينبغي أن تتخذ نموذجا حيا للتعليم في بلادهم. فكشفت الآراء التي قدمت، وأدلى بها أصحابها في الموضوع – وكلها – عن إجماع بضرورة إلزامية اللغة العربية، في مراحل الدراسة كلها : من المدارس الابتدائية، على المعاهد الثانوية، فالكليات، فالجامعات، ومعاهد التخصص. ونصت كذلك تلك البرامج – على دراسة القرآن وتفسيره، والحديث وأصوله وعلله وأسانيده، والمذاهب الفقهية الإسلامية ونشأتها وتاريخها، والفلسفة الإسلامية وتطوراتها.
ذلك لأنه كما قال أحد أقطاب علماء الباكستان السيد المودودي – كيف يعقل أن نوجد مفكرين إسلاميين، واعين، يعملون على إجلاء الحضارة الإسلامية لمواطنيهم وللعالم كله إذا لم يكن هؤلاء العلماء المفكرون يتقنون اللغة التي نزل بها هذا الدين الذي يعتنقونه ويدعون له، ويبشرن به ؟
وقبل كلمة المودودي هذه، تنبه الحافظ ابن عبد البر إلى تلك الحقيقة، فقد قال :"ومما يستعان به على فهم الحديث ما ذكرناه من العون على فهم كتاب الله وهو العلم بلسان العرب، وموقع كلامها، وسعة لغتها، واستعارتها، ومجازها وعموم لفظ مخاطبتها وخصوصة، وسائر مذاهبها لمن قدر، وهو شيء لا يستغنى عنه".
ولئلا نرمي بالرجعية أو التعصب، نحب أن نتساءل عما هو هذا النموذج الأسمى للتربية ففي نظر الإنسان الواعي، الإنسان الذي يعرف كيف يربط مصيره المادي بمصيره الروحي ؟
أعتقد أن الإجابة عن مثل هذا السؤال قد تكفينا عن كثير من الخوض في مسائل ليست بذات قيمة عند كثير من الخوض في مسائل ليست بذات قيمة عند المؤمنين بجدوى وفعالية التربية البدنية في توجيه المجتمعات نحو الخير، وفي تكوين الأطر الصالحة لدفع الناس إلى الصالح العام، ومع ذلك، فقد يتساءل أناس عن : هل من الضروري أن نتقيد في كل سلوكنا بالدين؟ وهل لا بد من هذا التقيد وإلى الدرجة التي تربطنا وعجلة انطلاقنا بتربيته ؟
و يسرني أن أفاجئ أمثال هؤلاء المتسائلين بان نعم ... ذلك لأنه إذا كانت التربية الدينية في أوروبا وغيرها من الدول غير الإسلامية – وأوروبا وتلك الدول تعتبر في نظر بعض أبنائنا من ذوي الثقافات الاجنبية المحضة، هي المثال النموذجي للإنسان الكامل تربية ورقيا – قد اقترنت بما عرف عنها من اضطهادات، مما ليس هنا موضوع ذكره، وقد تعرضنا لها بإسهاب في كتابنا الاشتراكية الإسلامية والمذاهب الاقتصادية الحديثة، فإن الإسلام – على العكس من ذلك – ظل هو الموجه والموحي لكل الحركات الإيجابية والخلافة والمفيدة للإنسان، وخاصة في هذه الديار، فعن الوعي والتربية الإسلاميين اندفع الرعيل الأول لخوض معارك التحرير، وبهما استطاع المغرب أن يحقق ما كان يأمله ويصبو إليه من حرية واستقلال سياسيين، ونرى أن عنهما وحدهما يمكنه إذا أراد أن يحقق ما يتوخاه في حركاته الحالي من استقلال اقتصادي واجتماعي.
والرباط الذي يجمع بين اللغة العربية ولإسلام رباط قوي متين. ولكن لا يظننن أحد – ونعود إلى تأكيد هذا – إننا نقول بالاقتصار على اللغة العربية وحدها، أو على الدراسات الدينية المعهودة والمعروفة الى ما قبل عهد الاستقلال، وحتى إلى الآن، تلك التي تحتضنها المعاهد التي توصف – لحاجة في نفس واضيعها – بالمعاهد الدينية. وإننا نعني ونريد أن تشمل مقومتنا اللغوية جميع اللغات الحية، وإن تشمل الدراسة في معاهدنا وكليتنا وجامعاتنا جميع الدراسات المفيدة التي يوسع الأفق، وتمده بالمعطيات الخلاقة النافعة.
فالتاريخ والجغرافية العامان، والاقتصاد العالمي، والسياسة الدولية، والطبوغرافيا، والتيكنولوجية، أشياء أصبحت دراستها من الضروريات.
ولن تكون هناك تربية إسلامية بالمعنى الصحيح إذا خلا تعليمنا من كل هذه الحالات الإنسانية التي تشعرنا بوشائجنا البشرية، وتجعلنا أكثر وعيا وأعظم إدراكا لمتطلبات الحياة العصرية، وما هي في أشد الحاجة إليه من معوناتنا وإرشاداتنا، وتجعلنا بالتالي أكثر فهما للدور الذي ينتظرنا كمسلمين للتصدي من
جديد لتوجيه الإنسانية، وقيادتها، نحو النور، والهداية (إن هذا القرآن يهدي التي هي أقوم)
وقد تبث الآن، ولدى أقطاب الفكر الغربي – وفي مقدمة هؤلاء المؤرخ الانجليزي الشهير "توينبي" – ان الدين هو عماد المجتمعات التي عليها، وفيها، تقوم الحضارات. وأصبح من المقرر والمفروغ منه، أن التربية الروحية يجب أن تصاحب التربية البدنية. وإلا تعرض البدن لانهيارات عصبية. وبانهيار الأعصاب تنهار الشخصية الإنسانية.
ذلك لأن الشخصية الإنسانية، تقوم إحدى دعاماتها على التربية الروحية، وهي تلك التي تتغيا الإيمان بالإنسان، وتتوخى التمسك بالحياة، من أجل الإيمان بالله. هذا الإيمان الذي يعطي الحياة معنى إيجابيا، ويلونها بأصباغ زيتية رائعة، تحمل النفس البشرية على أجنحة من نور إلى أجواء ساحرة، من الشعور بالكرامة والعزة والرضى ... والأعمال كما قلنا انعكاس للمعتقدات.
و في نطاق حديثنا عن نوع التربية العلمية التي نرى أنها وحدها الصالحة لإيجاد هذا المواطن الصالح، والمؤمن بأنه إنما وجد ليكون عضوا عاملا، قدر طاقته، وإمكانياته، واختصاصاته، وضمن العمل العام للمجموعة الإنسانية، لا نرى الدعوة إلى إنشاء مجرد معاهد تربوية على غرار المعاهد القديمة، والتي مسخت بعد الاستقلال، وشوهت، - والمشاهدة حاليا قيما يطلق عليه المعاهد الدينية، تلك المنبتة في مختلف الأقاليم المغربية : القرويين – ابن يوسف – الجديدة – تارودانت – الناضور – الحسيمة – تطوان – وجدة – ومكناس الخ .. كما لا نرى الدعوة على إنشاء معاهد وكليات وجامعات من هذا الطراز العصري الأوروبي، الكافر بروحانية الإنسان. لأن كلا من ديثك النوعين- كما اثبت التجربة وأثبت الواقع – غير صالح. ولا يمكن أن ننتظر ثمرة ما وراء وجودهما على أوضاعهما الحالية.. النوع الأول لتقاعسه عن مواكبة طفرات الحياة وقفزاتها، والنوع الثاني لإلحاده بكل القيم الروحية وبكل شيء لا يمت إلى المادية الكافرة الجاحدة بصلة وثيقة.
ولكنا نرى أن يدعي على إنشاء معاهد وجامعات تخرج وتكون حملة ألوية الإسلام، على أساس كونه نظاما صالحا للحياة وللناس في هذا العصر، وللذي بعده. أي أن تخرج علماء يجمعون بين العلوم الدينية والمدنية معا، و لا يكونون بمنزلة الحواجز بل يتبوأون مكان السائق في قطار حياة المسلمين، ويتفوقون على المتخرجين تحت منهج التعليم الغربي في أخلاقهم، وصفاتهم في جانب، وفي مؤهلاتهم وكفاءتهم العلمية في الجانب الآخر.

(1) مجلة العربي العدد 118 جمادى الثانية 1388 سبتمبر 1968 صفحة 45 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here