islamaumaroc

الفقه الإسلامي أسمى قوانين الحق والعدالة

  دعوة الحق

137 العدد

الفقه في الاصطلاح الإسلامي هو علم يشمل العبادات والمعاملات .. وهو بقسميه مشمول في الكتاب الكريم والسنة النبوية.. ولكنه فيهما غير مرتب بحيث يأخذ الواحد منه حاجته بأقل تأمل.. بل كان يحتاج إلى معرفة أحكام الناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد والعام والخاص وغير ذلك من القيود التي لابد منها للوقوف على اللباب منه ...
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستخرج لقومه أحكام الفقه من القرآن ويشرحها فيتلقفها الناس ويحفظونها ويعملون بها ويعلمونها العامة...
فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وخلفه أبو بكر رضي الله عنه اتبع خطة الرسول ... فكان يعمل بما رآه وسمعه منه . . .ويسأل عما لم يصل إليه علمه من حلول المسائل عمن يكون قد سمع عنها شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وسار على هذه السنة عمر وعثمان وعلي ... وكان رجال من المسلمين في أثناء ذلك يعملون على جمع الفقه والإلمام بأطرافه.. فممن اشتهر بالفقه بعد الخلفاء الراشدين : عبد الرحمان بن عوف، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ ابن جبل، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وسلمان الفارسي، وأبو الدرداء، وأبو موسى الشعري .. وكل هؤلاء من أجلاء الصحابة.
ثم انتقل الفقه بعد ذلك إلى التابعين واشتهر منهم في المدينة :
1) سعيد بن المسيب، وسلمان بن ياسر، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعروة بن الزبير، وربيعة، ومالك بن أنس وأصحابه، وابن أبي ذؤيب.
2) ومن فقهاء التابعين من أهل مكة واليمن : علقمة، والأسود، وعبيدة، وشريح، والشعبي، وسعيد بن جبير، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة وأصحابه والثوري وغيرهم ..
3) ومن جهابذة فقهاء البصرة : الحسن ..وجابر بن زيد، وأبو شعشاء، وأياس بن معاوية، وعبيد الله بن الحسن، وسوار القاضي.
4) ومن أجلاء فقهاء الشام : مكحول، وسليمان بن موسى، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ويزيد بن جابر.
5) ومن أهل مصر : يزيد بن أبي حبيب، وعمر بن الحارث، والليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، وأشهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ، والمرنى، والربيع.
6) ومن أهل بغداد وغيرهم : أبو نور، واسحق راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو جعفر الطبري.
هؤلاء الأئمة المجتهدون الذين ملأوا الصدر الأول علما ونورا يأخذ الناس عنهم ما احتاجوا إليه في العادات والمعاملات، ولا يزال لهم المعلى والفضل الكبير في المسائل الفقهية إلى اليوم.
ثم انقسم المتكلمون في الفقه إلى قسمين : أهل الحديث وأهل الحديث والرأي.
فعرف الأولون ببناء الأحكام على الأحاديث النبوية والعمل بها بغير إعمال الرأي في أمور الذين والشريعة.
وعرف الأخيرون بإعمال الرأي في الأحكام وقياس بعضها على بعض، والتوقف عن قبول الحديث إلا إذا كان متواترا أي في درجة القرآن من جهة السنة. .وكان زعيم هذه الطائفة أبو حنيفة النعمان في الكوفة، وقد استقدمه المنصور إلى بغداد وأكرمه وعزز مذهبه.
فاضطر مالك بن أنس، وهو زعيم أهل الحديث، إلى زيادة التمسك بمذهبه، وانضم إليه أنصار من أهل الحجاز ومنهم الإمام الشافعي، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل ..وغيرهم ..
وبقي فقهاء العراق على مذهب أبي حنيفة ومنهم محمد وأبو يوسف والحسن بن زياد وابن سماعة وأبو مطيع البلخي وعافية القاضي وغيرهم، وسموا بأهل الرأي والقياس لأن عنايتهم كانت مبذولة في تحصيل وجه القياس والمعنى المستنبط من الأحكام وبناء الحوادث عليها ..وهم يقدمون القياس الجلى على الأحاديث التي روادها آحاد أي التي لم يروها إلا واحد عن واحد.
ونبغ الإمام مالك من أهل مذهبه محمد ابن إدريس الشافعي.. فرحل إلى العراق وخالط أبا حنيفة وأخذ عنهم ومزج طريقتهم بطريقة إمامه فاختص بمذهب خالف فيه مالكا.
ثم جاء بعده أحمد بن حنبل وهو من كبار المحدثين .. وقرأ أصحابه على أصحاب الإمام أبي حنيفة مع وفور بضاعتهم من الحديث .. فاختصوا بمذهب آخر.. فوقف التقليد بالأمصار عند هؤلاء الأربعة.. ولا يزالون هم أئمة المسلمين إلى اليوم.
إن علماء الذين قد وضحوا السنة على أنها مجموع ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم" وبدون شك فالنبي في حياته كان مقررا متكلما ناصحا مرشدا.. فكان مجموع أقواله يسمى (سنة) ثم بطبيعة الحال كان عاملا متحركا ونشيطا ومجموع أفعاله يسمى (سنة ) أيضا.. ثم إنه كان يشاهد كثيرا من الأشياء فينصح مرتكبها أو ينهيه وأحيانا لا يرى في عمله موجبا للنصح، فكان سكوته أيضا يشمل نوعا آخر من السنن وهو السنة التقريرية.
وهذه السنة عالقة في قلوب الصحابة وعقولهم وفي سلوكهم أيضا فلم تدون في أي عصر من العصور الأولى ...إذ النبي خشى أن تختلط على الناس السنة بالقرآن .. وجاء عهد الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب فلم تدون السنة في عهده خشي أن تشغل الناس عن النظر في القرآن ...وجاء عصر الأمويين وظهرت محاولة أولى لجمع السنة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز ..وهكذا بقي الحديث إلى أن جاء عصر العباسيين فدونت الأحاديث كما هو مشهور ...
إن الإجماع يلعب دورا خطيرا في القانون الإسلامي وهو اتفاق المجتهدين على حكم شرعي ... وهناك أحاديث تدعو إلى الإصغاء لإجماع الأمة كالذي رواه ابن مسعود :
"ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه قبيحا فهو عند الله قبيح".
وقد يتسابق إلى الذهن أن الإجماع يشابه "عمل أهل المدينة" الذي يقول به المالكية... والحقيقة أن الإجماع يضم عمل أهل المدينة أيضا كما يضم عمل الصحابة وهذه نقطة الخلاف بين الذاهب ..إذ أن أكثرها تقول "بالإجماع" يعني بعمل المجتهدين وأحكامهم في أي عصر من الأعصار ...والحنابلة وأبو داوود الظاهري لا يقولان إلا بإجماع الصحابة فقط ..
وينبغي أن نعرف أن الإجماع بطبيعة الحال اما ان يكون إيجابيا أو سلبيا كما تقدم في السنة... فعمل النبي وقوله سنة قولية أو فعلية ...أما سكوته عن عمل من الأعمال رآه ولم يغيره فهو سنة تقريرية.. وكذلك الإجماع قد يكون بإظهار الرأي صراحة وقد يكون سكوتيا أعني أن ينفي المجتهد برأي فيسكت أئمة الاجتهاد في عصره من حكمة فيكون إجماعا سكوتيا  أو سلبيا .
ويأتي بعد الإجماع القياس وهو يتناول بالحكم المسائل التي لم ترد فيها آية أو نص حديث أو
إجماع... عندئذ ننتقل إلى القياس وذلك أن الإسلام في لبه يدعو إلى المصلحة العامة وتنبني نصوصه على مصالح... لهذا، فإذا لم يجدوا النص ينتقلون إلى شيء آخر وهو "القياس" على شيء آخر.. وليس بخفي أن القياس لابد فيه من علة أو سبب للحكم... إذ العلل كما هي مبسطة في الأصول من الموجودات لما يسمى بالقياس، ومثال ذلك أن المريض كما هو معلوم في الشريعة الإسلامية لا يجوز له في مرضه المخوف أن يتصرف في أمواله تصرفات مضرة بالورثة والدائنين .. وإذا بحثنا عن السبب فنرى أن خوف الهلاك هو الذي جعل الشارع لا يبيح له التصرف في أمواله.
فلو رأينا شخصا سيخرج على المبارزة مثلا وأراد أن يوصي بماله لفريق دون آخر بما يضر الورثة لما أبحناه ذلك قياسا على مسألة المرض.
كل هذا إذا تدبرته رأيت أن الإسلام كقانون اجتماعي يعمل المجتهدون على ابتكار الأحكام فيه من المنصوص عليها إما من القرآن أو من الحديث.. وأحيانا إذا لم يجدوا النص "باتفاق" فإنهم يعملون بالرأي والرأي في الفقه يأتي من طريقتين:  رأي الفقهاء الكبار أو رأي المجتهدين بعبارة أوضح وهو ما يسمى بالإجماع، ثم الرأي المبني على القياس ... وكل ما يمكن أن يتساءل كيف يمكن أن يعمل ضمن شروط القياس حتى لا يحيد عن الحق .. أو بعبارة أوضح كيف نستطيع أن نثق بعمل العقل وإحكامه .. إن المقياس لمعرفة ذلك هو اتباع ما تقتضيه مصلحة الناس وحياتهم الاجتماعية.
وفي كتاب "حجة الله البالغة" لأحمد عبد الرحيم إن المقياس في ذلك كله هو مراعاة أقرب الأشياء إلى الخير المطلق وذلك واضح في الدين الإلهي الذي يأمر بأكرم الأخلاق وأنبلها .. وأكبر دليل على هذا من القرآن نفسه هو قول الله تعالى : "ان الله يأمر بالعدل والإحسان"
وأخيرا فهناك "الكلمة الأصولية" – الاستحسان – عند الحنفية. ولعل معنى الاستحسان أخفى ما نتصوره بسهولة عند الحنفية إذ هو معناه إذا كان في الأمر دليل أقوى من الكتاب أو السنة أو الإجماع تركوا القياس الظاهر وأخذوا بالدليل القوى استحسانا.
 وهذا ما يجعل القانون الإسلامي أسمى القوانين لاعتماده على الفكرة المجردة للحق والعدالة مع الإنصاف والإرشاد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here