islamaumaroc

أعلام الأندلس: القاضي أبو بكر ابن العربي (468-543 ه) -3-

  دعوة الحق

137 العدد

غادر ابن العربي دمشق، متوجها إلى بغداد، في شعبان(1) سنة تسع وثمانين وأربعمائة (489هـ) وأهل هلال رمضان، والقافلة على أطراف العراق، فكبر الناس وهللوا، فرحا بمقدم الشهر الميمون، ولكن فتانا، لم يعرف لذلك أدنى اهتمام، فكل أمله أن يدخل دار السلام. ويستمع حلقات العلم، ويرى وجوه العلماء، لا أن يرى طلعة هلال رمضان أو شوال، ويسمع ولولة النساء وأهازيج الولدان، " فلما نزلنا ضميراء، آخر العراق (2) وأول السماوة، سقينا واستسقينا، ثم خرجنا عنه مصحرين في السماوة، عشي يوم الأحد، منسلخ شعبان، سنة تسع وثمانين وأربعمائة، فبينما نحن نقطع المفازة إلى ماء يقال له الأطواء، أهل علينا هلال رمضان، فكبر الناس والتفت إلى أبي - رحمه الله –  يكبر بتكبيرهم ، فما صرمت بصري إليه، كراهة في جهة المغرب التي كان بها، وتشوقنا إلى جهة المشرق التي كنت أؤملها.."
وكانت بغداد في ذلك الوقت، من أكبر مراكز العالم الإسلامي، وكانت محط رحال العلماء، يفدون إليها من أقصى الشرق والغرب، أسس بها نظام الملك المدرسة التي تنتسب إليه، والمعروفة بـ(النظامية)، جلب إليها من شيوخ العلم، وحفاظ الحديث، ما جعلها أكبر جامعة في الشرق الإسلامي.
ويصادف دخول ابن العربي إلى بغداد، خروج الخليفة لصلاة الجمعة، وقد حضرها العلماء، وكبار رجال الدولة، وكان يبدو على عين الفتى بريق، وكأنه يرمز إلى شيء، وقد عادت به الذكرى إلى أيام دولة بني عباد، وهم في عز ملكهم، وشامخ دولتهم، ووالده إذ ذاك، من كبار الوزراء، عليه شارة الملك، وأبهة السلطان، ولكنه سرعان ما أفاق من غفوته، فاسترجع واستغفر، وتلا هذه الآية : "قل اللهم مالك الملك، توتي الملك من تشاء، وتنزع
الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء" ثم التفت إلى من حوله، يسأله عن أول حلقة لأهل العلم في هذا اليوم؟ فدلوه على المدرسة النظامية، وكان أول درس تلقاه، من نصيب خليفة الرئيس، الشيخ أبي محمد الحسن بن علي الطبري، فقيه شافعي، من كبار أساتذة المدرسة النظامية، (ت 498هـ) (4) – وموضوعه" إجبار السيد عبده.." (5). فاستمع الفتى الدرس بكل اهتمام، ووعي منه كل شيء، وأنصت طويلا لما يجري في الموضوع من مناظرات ومناقشات، وأدرك نواحي القوة والضعف فيها : "وقلت لبعض الطلبة الذي كان يحاورني : كلام المستدل، أقوى من كلام المعترض، فرمقني – منكرا – وقال لي : لما رأى علي من صغر السن، - : أنى لك هذا  ؟ ! فقلت : أمر ظهر لي، وأعرضت عنه، لئلا يتصل الكلام، فيفطن لي(6).
وهنا يعود ابن العربي القهقري، وينظر إلى الماضي البعيد والقريب، ويقارن بين أول درس سمعه بالقدس، فما كاد يفقه منه شيئا، وآخر يستمع إليه ببغداد، وقد فهم كل شيء، وفي استطاعته أن يعبر عن رأيه بكل صراحة، وبيده الحجة، "..فسمعتهم يتكلمون في إجبار السيد عبده .. ولا يفوتني من كلامهم شيء من الفساد والصلاح، ونظرت إلى حالي أول دخولي إلى البيت المقدس، وأنا أسمع مجلي في مسألة إجبار العبد، فهم قلبي يغيض، ولساني يفيض، ثم تماسكت وليتني تكلمت(7)..".
ثم حضر الفتى مجلس أبي سعيد يحي بن علي بن حسن الحلواني، من أئمة الشافعية، ومن حسبة بغداد، ودرس بالنظامية، (ت 520هـ(8.) ولم يرض ابن العربي هذه المرة، بالقعود في حاشية الحلقة، بل جلس قريبا من الشيخ، يتصدر المجلس، ويزاحم مناكب العلماء، وطلب الكلمة، كعالم متناظر، لا كطالب مستمع، وربما احتقرته العيون لصغره، ولكنه برهن بالحجة، على أنه فوق ما كانوا يظنون، وقد صرح له الشيخ أمام الجمهور، - منوها بكفاءته قائلا - : " . .كذلك  - والله – أعربت عن نفسك وأبنت مكانك..(9).
ومنذ ذلك الحين، عرف علماء بغداد قدره، وأشاعوا فضله. ولكن الغريب في الأمر، أن نرى ابن العربي، ولأسباب نجهلها – يتوقف – فجأة عن زياراته للعلماء، وتطوافه على مجالس الشيوخ، ويغير اتجاهه إلى جهة أخرى، فلم يكد ينتهي الشهر الثالث من دخوله بغداد، حتى رأيناه يرتبط بمواعد، مع ركب الحاج العراقي، ويولي وجهه شطر الحجاز، ولعله لبى بذلك، رغبة والده الملحة في أداء فريضة الحج، وقد تقدمت به السن، ويخشى أن تضيع عليه الفرصة، التي من أجلها رحل من المغرب.

2 – في الحجاز :
كانت رحلة ابن العربي إلى الحجاز، أواخر ذي القعدة من سنة تسع  وثمانين وأربعمائة (489 هـ)(10)، وكان طريقه على الشام، وقد نزل ضيفا بالعريش(11) على أحد حفدة النعمان بن المنذر،(12) فيبالغ في إكرامه، ويسأله عن بني لخم بالأندلس، فينتمي ابن العربي إلى قحطان، ويفيض في القول عن جاليات اللخميين، والقحطانيين(13) – عموما – ببلاد المغرب، وهو جهينة أخبارهم، يتقصى أثارهم، ولا يكاد يغيب عنه شيء من أحوالهم في الشرق والغرب، وقد
اتصل بفروعهم في رحلاته، وعين مساكنهم بالشام واليمن(14)، وقلما يخلو له كتاب عن الحديث عنهم، وربما اتهم بالتعصب لأصله اليمني.
ولتترك ابن العربي يحدثنا عن هذه الرحلة، ويصف مشاهداته بها :
"..لما كانت سنة تسع وثمانين وأربعمائة (489هـ)(15)، أهل علينا هلال ذي الحجة ليلة الخميس بالدبرة، فرحلنا عنه، وقد فرح الناس بوقفة الجمعة، ليجتمع لهم فضل اليومين، فضل يوم عرفة، وفضل يوم الجمعة، فبتنا بمكان يقال له المسجد، ثم رحلنا سحرا، فلما صلينا الصبح، وأشرقت الشمس، إذا بقافلة البلقاء، ترى فيها النفر المحرمين بالثياب البيض بين الناس، فقلت : ما هذا؟ قال لي بعضهم : هم الشيعة، لا يحرمون من ميقات عمر(ذات عرق)، قلت فمن أين لهم هذا؟ قال هم يزعمون ان عليا خرج من الكوفة، فأحرم من هذا الماء..)(16)

ا – بمكة  :
ويذكر ابن العربي أعماله في الحج، ويحاول أن يكون أداؤه لها دقيقا، وكما أداها الرسول – عليه السلام – يوم الحجر الأكبر، ويلاحظ ان الناس يهملون بعض مناسك الحج،  ويفوتون على أنفسهم خيرا كثيرا، فهم يتركون المبيت بمنى يوم التروية، ويؤثرون أن يبيتوا ليلة عرفة بعرفة، "..مررت من ذات عرق، فألقيت الحاج كله بائتا في عرفة، وليس على من فعل ذلك شيء، ولكنه ترك فعل رسول الله (ص) ولقد خاب في تركه(17).. أما أنا فجئت مراهقا من ذات عرق إلى الموقف. ليلة عرف نصف الليل، فأصبحت بها، ووقفت من الزوال يوم الجمعة، سنة تسع(18) وثمانين وأربعمائة، ثم دفعت بعد غروب الشمس إلى المزدلفة، فبت بها ثم أصبحت، فوقف بها الأمير، حتى طلعت الشمس على قدم، فلما عممت الجبال، دفعنا فرمينا الجمرة، وحلقت وذبحت، لفدية كانت علي، ثم دخلت مكة، وطفت وسعيت، وصليت بها الظهر(19).. وكنت أشرب ماء زمزم كثيرا، وكلما شربته نويت به العلم والإيمان، ففتح الله لي ببركته، في المقدار الذي يسره لي من العلم، ونسيت أن أشربه للعمل، ويا ليتني شربته لهما، حتى يفتح الله لي فيهما، فلم يقدر، فكان صغوى إلى العلم، أكثر منه إلى العمل، وأسأل الله الحفظ والتوفيق(20).

نشاطه السياسي بموسم بالحج
وقد اغتنم ابن العربي، فرصة حضوره هذا المؤتمر الإسلامي العام، فاتصل بسائر الوفود، التي تقاطرت على هذا الموسم، وقام بدعاية واسعة النطاق، للمغرب بلده، ولأميره يوسف بن تاشفين، فكان يذكره في كل محفل، ويدعو له بكل مشهد، ويشيع بين الناس مسيرته وعدله، وجهاده وفضله(21).

شيوخه بمكة
واتصل بجمهرة كبيرة من شيوخ العلم وأهل الفضل، وفي جملة من سمع عليهم بالحرم الشريف، شيوخ بغداد، الذين حضروا هذا الموسم، كأبي الفوارس طراد بن محمد الزيتبي، مسند العراق، ونقيب العباسيين، وكان أعلى الناس منزلة عند الخليفة (ت 491هـ)(22).
وأبي محمد الحسن بن علي الطبري (ت 498هـ). الآنف الذكر، وقد جاور مكة، وحدث بالحرمين الشريفين (23).
وأبي المعالي ثابت بن بندار الحمامي المقري (ت 498هـ) (24)، سمع عليه نسخة دينار ابن عبد الله الأهوازي عن أنس بن مالك(25).
ومن الشيوخ الذين لقيهم بمكة وأخذ عنهم، أبو محمد عبد الله بن طلحة اليابري الأندلسي، وهو من شيوخ الزمخشري، أخذ عن كتاب سيبويه، كان فقيها نحويا أصوليا، له ردود على ابن حزم (ت 518هـ)(26)

ب –المدينة :
وفي زيارته لمدينة الرسول، كان يقضي جل أوقاته، في الروضة الشريفة، بين القبر والمنبر، ويستمع إلى أحاديث شيوخه، وهم يقولون : قال صاحب هذا القبر.. وسيحدث ابن العربي تلاميذه بكل ما سمع في الروضة الشريفة بين القبر والمنبر (27)، وهو فخور بذلك.
ولم تطل إقامة ابن العربي في الحجاز، وربما كانت المدة التي قضاها بمكة، أطول من المدة التي قضاها بالمدينة.
ولعل المهمة التي كانت تنتظره ببغداد، هي التي حددت به إلى العودة على نوع من الاستعجال، وهي مهمة مزدوجة، علمية وسياسية، كان قد أعد لها مشروعا حافلا، يتضمنه- في جملة ما يتضمنه – نقطتين أساسيتين، وهما :
1 – التعرف على كبار مشايخ بغداد،  والاكتراع من مناهلهم.
2 – القيام بمساعي لدى الخليفة العباسي، في سبيل وحدة المسلمين، وانطوائهم تحت لواء واحد.
فلنودع ابن العربي بدار السلام، وهو يعمل لإنقاذ مشروعه الهام.
وإلى اللقاء

(1 ) نقدر أن خروجه من دمشق، كان أواسط هذا الشهر، فقد ذكر انه حضر كسوفا بدمشق في شعبان، ويعني في نفس هذا الشهر من سنة (489) أنظر العارضة 3/176 .
(2 ) ويرى الدكتور حسين مؤنس أن دخول ابن العربي بغداد، كان حوالي (490هـ) ولعله لم يقف على هذا النص الذي أوردناه لأبن العربي نفسه في قانون التأويل (ص 142 – ا) أنظر بحث مؤنس في صحيفة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد م -11 – 12 ، ض 120 وما بعدها. وأبعد محي الدين الخطيب، فذكر أنه  دخلها في المقتدر بالله (ت 487 هـ) أنظر مقدمة الخطيب للعواصم ص 17 .
(3 ) قانون التأويل (142 – ا)
(4 ) طبقات السبكي، 3 /152 ، الذهبي، العبر 3/301 .
(5 ) قانون التأويل، (142 – ا)
(6 ) نفس المصدر
(7 ) نفس المصدر
(8)  طبقات السبكي
(9 ) قانون التأويل، (142 – ا)
(10 ) أنظر الأحكام 2/5 ، و76 . والعارضة 4/41 ، و 153 .
(11 ) أنظر العارضة 13/285 .
(12 ) لم يسمه ابن العربي
(13 ) أنظر العارضة 13/292 .
(14 ) العارضة 12 /100 – 101 
(15 ) تردد الدكتور إحسان عباس في خروج ابن العربي إلى الحج هذه السنة (489)، لأنه – كما يقول – كان منهمكا في الأخذ عن شيوخ بغداد، والوقت لا يسمح له بذلك، ويرجح أن حجه أنما تم سنة (490هـ). – انظر مجلة الأبحاث اللبنانية م 1ص 1 ص 59 وما بعدها .
وينفي الدكتور حسين مؤنس في بحثه الأنف اذكر أن يكون ابن العربي الذي أدى فريضة الحج، لأن المعلومات الموجودة إلى الآن، لا تدل لا من قريب ولا من بعيد، وهو قصور غريب من الدكتور مؤنس، العالم المطلع.
وخير مانحيله عليه كتب ابن العربي نفسه، فليرجع ان شاء الى :
1 – الاحكام 2/ 5 و 76. والعارضة 4/41، وص 49 – 50، وص 110 و 153.
(16 ) أنظر العارضة 4/49 – 50 
(17 ) نفس المصدر ص 110.
(18 ) وتصحف في بعض النسخ المطبوعة من العارضة ب( سبع  - بالموحدة)
(19 ) العارضة 4/153 .
(20 ) أحكام ابن العربي 2/5
(21 ) أنظر رسالة الغزالي إلى ابن تاشفين التي سنوردها بعد. 
(22 ) ابن تغرى، النجوم الزاهرة 5/162
(23 ) فهرسة ابن خير 983
(24 ) أنظر الذهبي تذكرة الحفاظ 4 /1233 
(25 ) أنظر فهرسة ابن خير ص 161 
(26 ) السيوطي، بغية الوعاة، ص 284 .
(27 ) أنظر فهرسة ابن خير ص 163 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here