islamaumaroc

ابتهالات قلب.. [من الشعر الصوفي]

  دعوة الحق

137 العدد

لعل الرحلة القصيرة التي يرحلها المرء في دنيا السجن، عبر اختلاف نفحات الأنين، هي غالبا ما تكون أدعى إلى الاستلهام، وتلقي الإيحاء من أي طريق.
والشعراء الذين غابوا في دنيا الإيحاء، أو وقفوا مشدوهين حيال هذا الاستلهام كثيرا، وإن كانت غالبيتهم قد اجتاحها الشوق وصرفها عن تسجيل ما كان يتنزل عليها، وهي تهتز خوفا، أو تختال عجبا بما استحلته، أو طاب لها من جني هذا الاستلهام.
كلنا لا نتجنى على واقع هذه العصبة التي آثرت التسجيل، وحلت لها تلك المناجاة، وإن كان القديم كله لا يعطينا ما أعطاه الحديث في الخوف والتطلع والمناجاة . . .
ويكفي أن تكون سيدة التصوف كله، "رابعة العدوية"، في مقدمة من سجل لها التاريخ أبياتا لا تزيد في جملتها على الثلاثين بيتا، هي الحصيلة في جملة المناجاة، أو الخلاصة في سر أولئك الذين اتجهوا إلى الخوف، أو انجذبوا إلى ذلك التطلع !!
ولست مغاليا إذا قلت: إن حصيلة الخوف أو مجموع الخشية، قد فاقت في جملتها، في عصرنا الحديث، أضعاف ما كان يذهب به المريدون، ويدعون له في عصور سابقة وأيام خلت، إلا من بقية "رابعة" وأضرابها الذين آثروا العشق الإلهي، وأغرموا بذلك الغزل الرباني الحبيب..
ولعل السبب في تقديري، في فوقان الحديث على تلك العصور في هذا الحب الإلهي، أو تلك المناجاة، على اختلاف في وجهاتها، إنما هو طغيان المادة وغلبة الآلة وتحدي العقول التي صرفت إلى الخالق، والوقوف ضدها في شتى المنازع، أو جملة الاتجاهات. والشاعرة روحية القليني التي أعجبت بتسجيل العواطف اللذيذة، وصرفت إلى الابتهالات، إن هي إلا امتداد لما كان عليه السلف، أو طبقة غير محرفة لتلك العاطفة التي جرفت قلوبا استصفاها الله لحبه، واستخلصها من بين تلك الأشواك التي تقطع السبل على كل رائد، أو تمسك بتلابيب من يمضون على حب الحياة، أو تتهرأ نفوسهم على صفاء أمثل، ويبهرهم ذلك النور الذي هو طريق الإيمان.
والصفحات القليلة التي بثت فيها الشاعرة لواعجها المهتاجة لا تنيف عن التسعين، وإن عمرت بما يدور في قلب المرء وروحه من عرفان لله، وطلب المغفرة منه، والابتهال إليه، وذكره و..ره والخشوع له، وحبه، والخضوع إليه، وقدرته، وعزته، وجماله والضراعة له. وغير هذا من سائر الأوصاف والمسميات.
والذي يلفت إلى بعض السبحات، ويشد إليه، هذه الروح الشفافة التي أملت:
ربي تعبث من الحيـ       ـاة فمد لي يدك الكريمه
واشدد ي،دي بقـوة        وأنر ليالي السقيـمه
واسق الفؤاد الصبر يا    ربي بكاسات رحيمه
وابتهال الشاعرة هنا، لا يعدو أن يكون امتدادا للنور الذي انبثق أمامها، ورق حتى طلبت الحماية والغفران، بخاصة إذ وقر في سمعها، وملك عليها حسها، أنه لا ينير لها طريقها، أو يسمع أناتها، أو يعرف ضعفها غير الله:
أجرني يا إله الكو        ن، من في الكون يحميني؟
ومن للشر يقصيه        ومن للخير يدنيني  ....؟
ومن يا رب يغفر لي    إذا خفت موازيني...؟
 ومن سينير لي دربي   إذا الظلماء تحويني....؟
ومن يسمع أناتي         بجنح الليل تضنيني..؟
ومن أشكو له ضعفي    سوى ربي يقويني
والاستشهاد هنا لا يغني عن الوقوف أمام كثير من الاستفهامات التي حملتها هذه الصفحات، والتي تطالع المصافح لها أيا كان مبتغاه  في هذه المطالعة ومقصده من هذه الفروض.
ولا يعنيني أن أدل على هذه الاستفهامات في جملة الأبواب، أو تحت تعدد العناوين، إنما تعنيني قصيدة واحدة، أو ابتهال واحد،  جمعت فيه الشاعرة سائر هذه الاستفهامات، كأنها تريد الجواب الذي وعته في ختام شكرها الإله الذي أثبتت فيه عجزها عن التعبير، ووقوفها إزاءه هذا الموقف المحبوب.
والشكر في جملته كبقية الشكر، إن في جل قصائد المجموعة، لا يعدو الخضوع والعجز والقصور، ورجاء العفو، وطلب المغفرة. لكنني لا أستمسك بالحرص عن الدفاع عن الشاعرة، إلا أن يكون لجوءها إلى هذا النوع، أو سلوكها هذا المسك في التعبير، إنما هو للتوكيد الذي يأتي بعد الفهم، وسير ذلك آ..ه الذي أملى على الشاعرة هذا الاتجاه، أو هذا النهج المرتضى عند كثير من شعراء التصوف الذين أخذتهم الحيرة، ثم تابوا إلى رشدهم، بعد يقين مبني على دراسة وتأمل واستقصاء.
لكن هل كانت روحية القليني من هذا النوع الذي استعصى عليهم الفهم، أو وقع في هذه الحيرة، هذا ما أضعه بين يدي القاريء ليشركني رأيي، أو يخالفني فهمي في الاستنباط والاستدلال: 
لو أنني قضيت عمـ         ـري في التبتل والصلاه
وقضيت طول الليل سا     هرة لتسبيح الإله
وإذا أنا رتلت آ              ياتي بنور من هداه
وأطعت ربي عن رضا     أنا ليس لي رب سواه
وقضيت كل فروض ربـ    ـي من صيام أو صلاة
والقلب بالإيمان لـبـ          ـى كل أمر ما عصاه
..................           ......................
.................           ......................
................            ......................
لعجزت ثم عجزت بالتعـ    ـبير عن شكر الإله
ومثل هذا في قصيدة: "سر الإله" التي تعبر أصدق تعبير عن هذه الروح الشفافة التي سكنت في جسد كل نفس خالصة له سبحانه وتعالى، إذ لا تنفك هذه التساؤلات تترى في أبياتها آخذا بعضها برقاب بعض، مما يلفت النظر، ويوجه الاهتمام .
والشاعرة التي صاغت أن تقول :
يا ليت شعري ما أقول        إذا سئلت عن الإله
أأقول جل عن السؤال        عن الحديث عن الرواه
أأقول أعبده بإيما              ني ولا أدعو سواه
حلا لها أن تقول:
وأحبه فيما ترى عيـ        ني وفيما لا تراه
غير أن الخشوع هذا لا يمشي وليدا، حتى نراه يتخذ لونا من ألوان التبرير المستطاب، أو السؤال والجواب اللذين يتجسمان حقيقة، ويتشكلان حسب هذا الخشوع، أو ينحوان منحى استهدائيا على قلة في التألق أو حيرة في الدلالة.
والنظر في الأسلوب الشعري الذي تتسم به هذه المناجاة، إن هو إلا رد فعل لما تجري عليه الشاعرة في ميسم حياتها الأدبية، أو شعورها الجارف بحب الإله أينما تكون، وإن كانت الألفاظ الناعمة التي استعملتها: "روحية" في هذه المجموعة على مستوياتها قد تفي في الرد عن كل تساؤل، أو يكون فيها إقناع المضطر إلى الجواب، إذا ما وقف يسائل نفسه عن:
الله في كل الوجود وما حوى هذا الوجود
إني اتجهت أرى الإله و باسمه الغالي أشيد
أنا ما دعوت سوى الإله ومن سوى ربي أريد
الكل يفنى إنما رب الوجود هو الخلود
وفي قصيدة "أنا ما انحنيت لغير وجهك" وكذلك قصيدة "يقين" و"يارب" تتجه الشاعرة وجهة جديدة في يقينها، وتضرب صفحا عن تلك الاستفهامات التي جرت عليها في تعبيراتها السابقة، ونبضاتها القدة، تذكر القضايا، ثم تأتي بالحكم الذي لا يقبل "الاستئناف" ثم تعمد إلى التشبيه، ثم تعترف بالضعف، وتركن إلى الاستسلام الذي تدفع إليه دفعا بكل طاقاتها عن وعي ورضى ويقين:
في نبض قلبي في دموع عيوني       بضراعتي في منطقي وسكوني
بتحملي تلك الحياة مريرة              بالصبر أشربه بكأس شجوني
 مثل لإيماني بأنك خالقي              لك ما تشاء وما ترى يرضيني
لكنني بشر ضعيف واهن              فأنت إله الكون ورب دجوني
أنا ليس لي إلاك ربي مسعد          فاكشف إله الكون ليل ظنوني
والدلالة الحقة على قدرة الشاعرة، وتفتح قلبها، ما عمدت إليه حين تطرق إلى جمال الخالق، ورنت إلى علياه، وصنعه في سائر الأشياء، حتى أنها عابت على البشر لجوءهم إلى غيره، واتجاههم لسواه في قصيدتها "مع الله"
على أن "روحية القليني" الذي شغلها حبها لله لم تنس، وهي في غمرات هذا الحب، أن تسلم أمرها إليه سبحانه وتعالى، ترجو رضاه. وتبغي تحقيق ما تريد...
وتعترف الشاعرة في " نبضات قلبي دعاء" بعجزها عن التعبير عن شكر الله الرحيم، حتى ذهب بها العجز إلى إجداب دموعها، وعدم استجابتها: خشية، أو قصورا في التصوير:
ورفعت رأسي أشكر الله الرحيم مع الخشوع فخانني التعبير
قد جل حب الله عن كلماتي الحيرى فحبي للإله كبير
حتى الدموع بمقلتي تحجرت من خشية وتعثر التصوير.
والواقع أن ما أحلى في هذه المجموعة، تلك الضراعة التي تجلت قدرة الشاعرة في تصويرها الذي ضمنته ضراعتها ابتغاء رضاه، وطمعا في ثوابه، لاسيما وقد أتت "روحية" تائبة بعد أن طرقت جميع الأبواب، فلم تجد إلا باب الله تدخل منه.
غير أن المسترجع لهذه الأبيات، لا تأخذه روعة معانيها بقدر ما يلفت نظره الحبك، وتشده الصياغة التي كان يعوزها المعاني الجديدة والتحليقات المبتكرة حتى يستكمل لهذه المجموعة ما كانت تريده لها الشاعرة: سموا وزيادة، وبخاصة إذا عرفنا أن اتجاه "روحية" نحو هذه الابتهالات يعد فريدا في هذا العصر بل وفي كل عصر يعرف للاتجاه الديني قدره، وينزله منزلته:
أنا عند بابك يا حبيبي لم أجد إلاه بابا
أنا ما لجأت لغيره بضراعتي أرجو الثوابا
فاشمل بعطفك يا إلهي من إليك أتى وتابا
ولا يخامرني شك في أن الشاعرة روحية القليني، بما أوتيت من براعة في الصياغة، وقوة في الديباجة، وبهرة في المعاني في كل تصورتها الدينية والدنيوية، جديرة بأن تقف في مقدمة شعراء الابتهالات بهذه المجموعة وغيرها من شعرها المبثوث في أنهر الصحف، وبطون المجلات.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here