islamaumaroc

مدينة سلا وابن الخطيب

  دعوة الحق

137 العدد

أديب بارع، وعالم مشارك، وفقيه متفلسف، ومؤرخ متبصر، ووزير محنك، ومسؤول نافد الكلمة، ورجل ذو شخصية مؤثرة وذكاء و قاد، وحامل قلم سيال يحبر النثر ويبدع الشعر...
تكلم بعض مزايا الرجل اللامع الخالد الذكر، محمد بن عبد الله السلماني أو (لسان الدين بن الخطيب) نشأ في زمن مظطرب الأحوال، ومكان تهزه عواصف الأحداث، فتسلح بالعلم والخبرة بالقدر الذي يكفيه لمواجهة الأيام، واحتلال المكانة اللائقة بين قوم حيارى، يحيط بهم خصمهم الإسباني العنيد، ويتربص بهم الأيام والأحداث، يغتنم كل فجوة، ويستغل كل مناسبة، فيجعل من نفسه السعف والمنقذ حينا، والمهاجم المقارع حينا آخر، لذلك فهم يخشونه فيستعدون له، وتبقى قبضاتهم على سيوفهم وأرجلهم في ركاب خيولهم، أو يسالمون فيعقدون معه الاتفاقيات ويؤدون الجزيات..
وينتهي بهم انزعاجهم وعدم اطمئنانهم إلى ارتكاب الحمقات، فهذا أمر يدرس  لأمير فيسقطه، وذاك وزير يعار من زميله فيكرهه ويتربص به، وتلك أميرة تبحث عن أمضى سلاح وأخبث أسلوب ليحتل صغيرها عرش البلاد، وأولئك وجهاء يتوددون ويتقربوا ليحتلوا مكانات سامية، ولا عليهم من أن يهينوا أنفسهم ويتذرعوا بالأساليب الشيطانية.
فمجتمع غرناطة، على هذا، مجتمع منهار، انعدمت فيه المقومات السامية التي جاء بها هذا الدين الحنيف، وراح كبراؤه بتصرفاتهم يسيرون به إلى النهاية المؤسية المحتومة، وقد أعمت أبصارهم الأغراض الشخصية، وتنكروا لكل مبادئ الشرف، لكأنهم ماعرفوها، والذين تمسكوا منهم بالمثالية راحوا في الزوايا المنسية !
لا عجب، إذا ما لوحظت على رجلنا العظيم ابن الخطيب بعض التصرفات فهو ابن زمنه، ولاعب دور في مسرح وطنه ...لق آذى وأوذي وهاجم وهوجم ونفي وابعد ... ولكنه كان أمام الأحداث على نمط فريد : فهو في أشد ظروف المحنة يقتني وبعمر، ويكسب وينفق، وهو في منفاه يحرر وينشئ، بل يمعن بحماس في الإنشاء والتحرير، وهو عند ظهور الانفراج غنام للفرص، متحكم في الظروف، قابض على الزمام، ماض في القيام بالمسؤولية إلى الأمام، لكن متى توقع أحداثا غير مرضية احتال لترك المكان، وانصرف على ما فيه هدوء البال، وإرضاء هوايات الشعر والنثر، والإقبال على التعبد والتنسك ... وهكذا لما طورد الأمير ابن الأحمر (الغني بالله) من عرش غرناطة التجأ إلى المغرب الملتجأ الأمين، ومعه حاشيته الخاصة، ووزيره ابن الخطيب، وقد أخذ منهم كل شيء .. فما كان من (أبي سالم إبراهيم المريني) أمير المغرب، إلا أن أحسن الاستقبال، وعزز الجانب، وأنسى القوم أنهم في أرض المنفى أو أنهم ملتجئون.
وفضل الوزير النابه ألا يترك الفرصة تفلت، فاغتنم المناسبة للتجول في طول البلاد الكريمة وعرضها، لمعرفة الأرض والناس، وكان له ما أراد .. واختتم المطاف بأن أخذ استقراره بمدينة سلا.
وسلا مدينة عتيقة، لا مقام واعتبار – على صغرها – عند الجميع، لم تكن من العواصم الكبرى ولكنها كانت تحظى من الأمراء المتعاقبين بأن يتخذوها مقاما ودارا في بعض الأحيان، أو مجتمعا لجيوش الجهاد ومنطلقا لها، ثم أنها تفوز من آن لآخر بحلول عالم كبير أو باحث شهير، أو ناسك متعبد، يتخذون منها مسكنا ومسترواحا للتأمل والتأليف. أو خلوة للتعبد والتفاني في التقرب إلى الخلق الأعظم ...
وبدورها هوت نفس (ابن الخطيب) الأديب، العالم، المتبحر الصوفي إلى المقام في مدينة سلا فأقام بها، وحظى بعطف البيت الشهير بيت (بني العشرة) وفاز برضي المتنسك الزاهد(سيدي احمد بن عاشر)، ومعاشرة الفقيه (القاسم بن داود الفخار) وغيرهم من رجال المديتة وكبرائها، و لا عجب في هذا فقد وجدها :
"العقيلة المفضلة، والبطيحة المخلصة .. ذات الوسامة و النضارة، الجامعة بين البداوة والحضارة ... القطر الأمين عند الرجفان، والعصير العظيم الشان، والأسواق الممتازة حتى برقيق الحبشان، اكتنفها المسرح، والخصب الذي لا يبرح"(1)
وتأدبا مع الأمير المقيم بفاس أرسل بستأذن في أن يقيم بهذه المدينة فوافقه وعندئذ كتب :
"واسعد قصدي في تهيؤ الخلوة بمدينة سلا، منه الصكوك، منها الفرار، متفقدا باللها والخلع، محول العقار، موفور الحاشية".
وليس هذا فقط بل :
"خمسمائة دينار في كل شهر، مرتبة له ولأولاده من مجبي مدينة سلا،وأن يرفع الاعتراض من بابها عن كل ما يجلب من الأدم والأقوات على اختلافها، من حيوان وسواه، وما يستفيده خدامه من خارجها وأحوازها من عنب وقطن وكتان وفاكهة وخضر وغير ذلك، فلا يطلب شيء من ذلك بمغرم ولا وظيف، ولا يتوجه إليه بتكليف، ويتصل له حكم ما ذكر في كل عام تجديدا تاما، واحتراما عاما"(2).
وهكذا وجد أنه لم يسيء الاختيار، فقال :
" وترجع لدي السكون والعافية والتمتع بالبقية، إذ جنحت إلى السكنى بمدينة سلا، حيث طنبت الحرمة رواقها، وأقامت الحسنة بسبب الضريح المقدس أسواقها، تجري علي بها الغنم، يظللني المجد والكرم، فلا أعد من عمري إلا أيام مقامي بها وسكناي فيها، تفرغا إلى ما أريده من دنيا وآخرة وعافية شاملة وجنة عاجلة ..."(3)
وجاءت نعمة الاستقرار، ووافر الاحترام بالنتيجة الباهرة وهي تأليف :
- كتاب نفاضة الجراب وعلالة الاغتراب بأجزائه الثلاثة.
- كتاب اللمحة البدرية في الدولة النصرية.
- كتاب كناسة الدكان بعد انتقال السكان
- كتاب السحر والشعر.
- أرجوزة التاريخ بعنوان (رقم الحلل في نظم الدول).
- أرجوزة فقهية بعنوان (الحلل المرقومة).
- أرجوزة طبية بعنوان (الأرجوزة المعلومة)
- أرجوزة سياسية بعنوان (تخصيص الرياسة بتخليص السياسة).
- أرجوزة في التغذية.
- كناش (منظم في عروض الرجز)
- كناش (مثلي الطريقة في ذم الوثيقة).
كل هذا الإنتاج الغزير، الخالد على مر الدهور، والذي لم يستغرق إلا نحو السنتين، كل نتاج الخلوة الهادئة السعيدة بمدينة سلا، فلا يدع إذا ما تغنى الأديب، الشاعر الرقيق، بمقطوعة طويلة من جملتها :
يا حادي الجمال                عرج على سلا         قد هام بالجمال                قلبي وما سلا    
                                عرج على الخليج      والرمل والحمى              
                                في المنظر البهيج      بالبيض كالدمى
                                والأبطح النسيج        من صنعه السما
لله من جلال                    تختال من حلا         لم تلق في اعتدال             عنهن معدلا(4)
طيب هذا تقدير واضح من (ابن الخطيب) لمنزله الجديد :
وأرجو أن تدعوني أرجع إلى بعض أقواله متأكدا، قبل أن تنتقل إلى الجزء لمقابل مما كتبه :
- البطيحة المخلصة... ذات الوسامة والنضارة... اكتنفها المسرح، والخصب الذي لا يبرح.
-القطر الأمين عند الرجفان... حيث الحرمة ضربت رواقها...يظللني المجد والكرم.
- لا أعد من عمري إلا أيام مقامي بها وسكناي فيها، تفرغا لما أريده من دنيا وآخرة وعافية شاملة وجنة عاجلة.
وانتهت أيام (المنفى) وألح الأمير ابن الأحمر على وزيره (ابن الخطيب) أن يرجع إلى غرناطة حيث ينتظره منصبه السامي، فرجع ورجعت أيام الرياسة والسمو، ومع ذلك لم يترك الأديب المثابر قلمه، فكتب طرفة أدبية تحت عنوان (مفاخرات مالقة وسلا) وناب سلا دار الإقامة  والإكرام السابقة هذه المقتطفات :
- سلا بلد الرمال ومرعى الجمال، بطيحة لا تنجب السنابل، وان عرفت الوابل... عدمت الفاكهة والمنتزهات النابهة.
- وأين سلا من هذه المزية والشنعة العلية، أين الجنود والبنود والحصون تزود عنها الوفود؟ وان كان بعض الملوك ذهب إلى اتخاذها دارا، واستيطانها من أجل الأندلس فرارا، فلقد هم وما ألم، وطلله نم.
- سلا، أحوال رقيقة، وثياب في غالب الأمر خليعة، وذمم منحطة، ونفقات تحصرها من التقتير حطة، ومساجدها فقيرة، وقيسارية حقيرة ... وتشهد بالسجية البربرية الأصوات واللغات والأقوال والأفعال.
- سلا بلد عديم الظلال، أجراد التلال إذا ذهب زمن الربيع، والحصب المريع صار هشيما، وأضحى ماؤها حميما، وانقلب الفصل عذابا أليما.
- سلا، المسيكنة لا توجد لعشرها إلا ( ابن عشرتها) (5) مهملة الذكر والإشادة، عاطلة من حلي السيادة، وإن كان بها أهل عباد، وسالكي سبيل زهادة.
ولكن لا يظن ظان أن ما كتب هو من  قبيل فوارن السجية الأدبية، وإبداع التفكهات المسلية.. أكد رحمه الله :
ومن شاء فليؤثر الخلاف وسجايا الخلاف، فأنا يعلم الله قد عدلت لما حكمت، ورفعت لما ألمت وسكتت عن كثير ..
 وكأنه سمع همسا من ضميره يستكثر عليه ما كتب، ويستبشع هذا التجني القادح فتدارك :
"ولسلا، الفضل لكن على أمثالها ونظرائها من بلاد المغرب وأشكالها، إذ لا ينكر فضل اعتدالها. وأمنها من الفتن وأحوالها عند زلزالها، ومدافن الملوك الكرام بجبالها .."(6)
ولم يكتف - سامحه الله – بالحط بقيمة البلاد التي آوته وأكرمته، بل تصدى إلى السكان بدورهم، ناسيا ما اعترف به من قبل ذلك من ضروب تعزيزه وتكريمه فأنشد :
من طلب الود من سلاوي
                    أنشاه الله من مساوي(7)
هاويه أمه، وفيها
                   أبوه بعد  ذلك هاوي
رواية الفضل في انقطاع
                   عنهم، إذا ما فرضت راوي
حمقى، فما شئت من دماغ
                  قد عدم المخ فهو خاوي
مرضى من الجهل لا حكيم
                 و لا طبيب مداوي
ليس لهم في المشاق ند
               و لا نظير و لا مساوي
قبحها الله من وجوه
               ادحضها الله من دعاوي
يا ليتني إذ سكنت فيهم
                في أرض (والاتن) فناوي(8)          
والآن يجب التوقف لتدبر أسباب هذا التناقض في الأقوال والأحكام، وتفهم أسباب هذا التحامل أو التهجم
هل هي فلتة من فلتات العبقرية، من حيث يستطيع الكتاب أن يحسن الأشياء وأن يقبحها في نفس الوقت، مظهرا براعته في كلا الموقفين ؟
أم هو اعتزاز بالوطن الأم، إلى حد أن يرى الإنسان – ولو كان في مستوى أديب نابه المعي – أن ما عد وطنه ليس إلا أرضا ناقضة جمال وخير وبركات ؟
أم هو استرضاء للزملاء أولياء الأمور في الدولة النصرية المنحدرين من مدينة مالقة، ومنهم قاضي الجماعة الفقهية النباهي ، أم أنع إقناع للنفس النزاعة بأن أرض الوطن – لو ساءت أحوالها المعنوية والمادية – حير من أرض الالتجاء والنفي، حتى ولو وجد فيها أناس طيبون مكرمون أوفياء، خوفا على هذه النفس من أن تنزع وترغب في العودة إلى البلاد الأخرى طلبا للسلامة والأمان ؟
أم أن الواقع هو ما ذكر، وأن ما قبل ذلك إنما من باب المجاملة والتحبب ولا نقول النفاق ؟
أم أن الاختيار في باديء الأمر كان حسن ظن وتوقع خير، وكانت المجاملة تقتضي الصبر والسكوت، فلما تحققت العودة إلى أرض الوطن، فلم يبق هناك مانع من قول الحقيقة، وأخبار أولئك الناس أنهم ليسوا أحسن ناس ولا أرضهم أحسن أرض؟
أم أن الحالة النفسية السيئة التي تولدت عن وفاة (أم الأولاد) العزيزة الغالية، تركت ظلها القاتم في الخاطر، فارتبط ذلك بالمدينة التي دفنت فيها، وغدا الكل من الذكريات السوداء ؟
أم أن النزاع مع بعض علماء مدينة (سلا) وعدولها، غطى على العلاقات الطيبة الأخرى وترجع عليها، بقيت النفس متقبضة من أجل ذلك ضد الجميع ؟
لنفترض كل هذا وأسوأ منه، فذلك خير من أن تظن بالرجال الظن السيء، ونعده ناكرا للجميل، وأنه سييء الطوية وأنه ليس جذيرا بكل ما بذل في حقه من تكريم وإعزاز.
إنما هناك مواقف خطيرة، ليست في صالح الوزير الأديب غفر الله له. أوردتها الكتب التاريخية، منها( أبا سالم إبراهيم المريني) ملك المغرب الذي بذل كل جهده في إكرام ابن الأحمر سلطان غرناطة النفي وإكرام حاشيته، ومن جملتها (ابن الخطيب) كان يكلمه هكذا :
"مولاي خليفة الله بحق، وكبير ملوك الأرض عن حجة، ومعدن الثقة والحرمة برهان وحكمة، أبقاكم الله عاني الدرجة في المنعمين، وافر الحظ عند جزاء المحسنين.
مولاي يا فتاح الأقطار والأمصار، قائد الأزمان والإعصار، قدوة الأيدي والأبصار، ناصر الحق عند قعود الأنصار"(9)
هذا الأمير أنزل عن عرشه ونكب ...
فلما تبدلت الأحوال. وحلت المصيبة بهذا الأمير الشهم وبلغ ذلك (ابن الخطيب) كتب :
"وقعت بأمير المغرب إبراهيم (أبي سالم) بن أمير المؤمنين أبي الحسن الدرة، وأخذته بين عشية الصيحة، لتوفر أسباب البغضة، وتكاثر دواعي الخلعان، إذ كان هذا الصبي ذاهلا عن الحزم، مثلا في البلادة، وكلا، ومؤثرا للحجبة، معرضا للبطالة مسلوب الغيرة على المال، قنوعا من الأمرة بالاسم، مجتزئا من انفساخ الخطة بالكسر، كاسد سوق العطاء ..(10)"
الواقع انه شيء مذهل، فهذا الأمير المنكوب تحمل الكثير من أجل سلطان ابن الخطيب المنفي ومن أجل (ابن الخطيب) نفسه بل حمل المواطنين الكثير من أجلهما وحاشيتهما، وما بالك بمن يفرض على بلدة صغيرة كـ (سلا) أن تعطي من جبايتها شهريا قدرا مهما من العملة الفضية لنزيلها (ابن الخطيب) وحده، وأن تعفي واردته من المكوس، وأن تسير له أسباب الاقتناء الواسع والعيش الرافه، وأن تعطاه الظروف الملائمة لجودة الإنتاج ... ومع ذلك يكون الجزاء جزاء (سنمار) . وهنا يجب تأمل آراء بعض المفكرين المحدثين :
قال الأستاذ أحمد مختار العبادي :
"من العجيب أن نلاحظ أن (ابن الخطيب) رغم حبه لبلاد المغرب ولمدينة (سلا) التي لجأ إليها في أوقات محنته ألا أن شعوره الوطني جعله يتغاضى عن كل هذه الاعتبارات ويتحيز إلى المدينة الغرناطية مالقة فيجعلها المفضلة على طول الخط، وقد يرجع هذا الشعور إلى روح المنافسة التقليدية القديمة، التي كانت سائدة بين الأندلسيين والمغاربة .." (11)
وكتب الأستاذ محمد عبد الله عنان :
(ثمة خلة واضحة في خلق (ابن الخطيب) في الحقد والحفيظة، فهو يضطرم حقدا ضد كل من كان بالأمس من أصدقائه، متى انعكست الآية وتحولت الظروف، وهو عنذئذ لا يتحفظ ولا يتورع عن نقض ما أدلى به الأمس، بل يذهب في ذلك إلى ابعد الحدود ..) (12)
وعلق الأستاذ عبد الله الجراري : " ومنها (من انتاجاته الأدبية) مفاضلة بين مالقة وسلا، طاشت بين سطوره وفصوله سلا الشقيق، إذا كان منه ذلك كملحق لما سجله في المعاهد، والذي يبدو من وراء هذا الاندفاع أن الرجل كانت له مع بعض علماء سلا وعدولها حزازات ومنافرات نشأت داخل مدة السنتين اللتين قطعهما بهذه المدينة العتيقة .."
ثم زاد فعلق :
" ومن آثار ابن الخطيب الخالدة كتابه معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار، كتيب قيم برهن فيه عن علم واسع، اكتسبه من جولاته الاستطلاعية، وتعمقه الدقيق في معرفة أحوال وعادات المدن والقرى التي زارها، وقد أفرغ ذلك في قالبه الأدبي الشيق، الذي قد لا يعرى عن الإصابة، وإن كنا نرى في بعض مبالغات تخرج به أحيانا عن الحقيقة التي يتوخاها المؤرخ الأميــــــــن .." (13).
وبعد، يظهر أن الأديب الوزير لم يكن مقتنعا كل الاقتناع بالأوصاف التي أضفاها على مدينته المختارة لهدوء باله وتحقيق آماله. بدليل لما تأزمت الأحوال – مرة أخرى – من حوله – في غرناطة احتال على الرجوع إلى المغرب، متذرعا بأنه يريد حج بت الله الحرام إلا أنه في واقع الأمر :
"كانت النية صرف الوجه إلى مدينة سلا، حتى أبلغ النفس ريقها، وأخطب لأفكاري هدوئهـــــــا.." (14)
وضايقه – لسوء الحظ دائما – أن وزير السلطان المريني في مدينة فاس، كان يحول بينه وبين الظهور في المجلس السلطاني وسعي بكل وسيلة أن يبعده إلى خارج فاس ...لذلك يقول :
"سألته أن يجمع (أي الوزير) بين الغرضين بانصرافي إلى سكنى سلا" (15) لكن للأسف لم يتحقق هذا الأمل الكبير، فقد كانت الأحداث الهائلة تسابق (ابن الخطيب) إذ تبدل كل شيء من حوله، وانفلت الأمر من يد أنصاره بنزولهم عن مرتبهم السامية، وجاء قوم آخرون، فتجمع الأعداء وتكالبوا – في شناعة – ليحسبوه، ويحاكموه، ويخنقوه، ولم يستنكفوا من أن ينبشوا قبره – ميتا – ليحرقوه !
وهكذا، فحياة ابن الخطيب كحياة أكثر العباقرة سلسلة من الانتصارات والانهزامات، صعود إلى القمة ونزول حتى الحضيض، لكن صفحات المجد الخالدة لا تستطيع يد الدهر – فأحرى أيدي الناس – أن تمحوها.
فرحمة الله على (ابن الخطيب) الشهيد.

(1) انظر كتاب لسان الدين بن الخطيب – حياته وتراثه الفكي ص 76 للأستاذ محمد عبد الله عنان ط .1 .
(2) من مقدمة كتاب (نفاضة الجراب) للسان الدين بن الخطيب الذي حققه الدكتور أحمد مختار
(3) نفاضة الجراب لابن الخطيب ص 77 . طبع دار الكتاب العربي
(4) نفاضة الجراب
(5)  بنو العشرة أسرة شهيرة، كان لها جاه كبير بمدينة سلا لفترة طويلة من التاريخ، وقد انقرضت الآن، إذ ماتت منها سيدتان عجوزتان منذ أعوام، إحداهما كانت جدة لأمي، رحمهن الله. وهذا الجواب عن الأستاذ بنشريفة سبق أن وضعه في مقال نشرته مجلة ( البحث العلمي) العدد العاشر.
(6) مدينة سلا بالذات لا توجد – بها جبال ولا مدافن ملوك ! ؟
(7) نفاضة الجراب ص 362
(8) والاتن فناوي مناطق من الجنوب .
(9) لسان الدين بن الخطيب – حياته وتراثه الفكري، الأستاذ عنان، ص 92
(10) كتاب (لسان الدين بن الخطيب) كذلك ص 93
(11) كتاب (مشاهدات لسان الدين بن الخطيب في بلاد الأندلس والمغرب) ص 11 تحقيق الأستاذ العبا دي  ط 1
(12) لسان الدين بن الخطيب – حياته وتراثه الفكري، الأستاذ عنان، ص 173
(13)  مجلة ( دعوة الحق) السنة التاسعة – العدد السابع ص 111
(14) كتاب تاريخ اسبانيا المسلمة : أو أعمال الإعلام لابن  الخطيب ص 318  تحقيق الأستاذ بروفنصال، ط .2
(15)  نفس المصدر ص 321 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here