islamaumaroc

دوافع الإيمان عند الشباب

  دعوة الحق

136 العدد

يتميز عصرنا الراهن بعدة ظواهر أنجبتها الحضارة الزائفة، وروج لها التهافت المادي، وأبشع ظاهرة شائعة في هذا العصر هي الاتحاد بالله، والكفر بالقيم الأخلاقية، والطعن في الدين بحجه أنه حجر عشرة في طريق الرقي والمدنية، فهل الدين حقا عرقلة تحتم على كل من أعتنقه أن بطل متخلفا عن الركب الحضاري طول حياته؟
 هذا هو السؤال الذي أرغب في أن يجيب كل واحد منا على حدة، وتسهيلا للإجابة عليه أطرح سؤالا ثانيا وهو: هل عرف التاريخ البشري حضارة استمدت نبعها من الذين؟
أن هذا السؤال الأخير يعتبر بمثابة جواب عن السؤال الأول، وهو في نفس الوقت الخنجر الذي نطعن به أعداء الإسلام من صهاينة ومبشرين ومستشرقين، لأنهم لا يستطيعون إنكار الحضارة العربية التي بنت ركائزها على الدين الإسلامي، واتخذته نظاما لها، لذلك فهم يحاولون بكل ما أوتوا من جيل ومكايد أن يصوروه في أبشع صورة لإقصاء الشباب عن التعاليم السماوية التي جاء بها سيد المرسلين محمد (ص)، وطبقها المسلمون في كل بقاع العالم، ويحاولن بالتالي تجريد هؤلاء الشباب من لغتهم القومية، وشخصيتهم العربية، وعقيدتهم الدينية حتى يسهل عليهم غزو عقولهم، واستعمار أفكارهم.
  إن أعداء الإسلام يدركون جيدا أهمية النظام الإسلامي، ويدركون أيضا أنه ثورة على الزيف والتحلل والظلم والتطاحن، لذا فهم يكنون له العداء، ويزيفونه، ويحرفونه رغبة في قطع تلك الرابطة المقدسة التي تشد المسلمين إلى ربهم، وتاريخهم، وأمجادهم.
ولا زال الصراع قائما بين المستشرقين الذين يعترفون بفضل الإسلام على الغرب، وبين الذين يشكرون ذلك، و"جان بيرو فيلار" واحد من الذين يقرون فضل الإسلام، ويدعون إليه، فقد قال في كتابه: "إسلام الأمس والأبد Islam d’hier et de toujours"
"إن الأوروبيين يفهمون الإسلام بقدر ما يفهمه الدكاترة المسلمون – أو أكثر – إلا أنهم، رغم تعمقهم في معرفة الدور الفعال الذي لعبه في الماضي، فإنهم – على ما يظهر – لم يدركوا أهميته في الحاضر والمستقبل، والواقع أن الإسلام قد احتفظ بقيمته السامية، وأصبحت له اليوم مكانة مرموقة إلى درجة أنه كلما صدر كتاب إلا ونفذت آخر طبعة منه".
الخلاف قائم، والصراع يحتد، والطعنات تتتالى، والأكاذيب تلفق، كل هذا، والشباب المسلم غافل، أو متغافل، حتى إذا ما ذاعت إشاعات الغرب الملفقة هبوا لمعانقتها بصدر رحب، لأنهم بحكم انبهارهم أمام الحضارة الغربية، الواردة علينا بواسطة الخنافيس والهيبيين، وبواسطة مجلات الخلاعة، والكتب الرخيصة، والأفلام التافهة التي توجه خصيصا لإفساد شبابنا وإفلاسه، بحكم انبهارهم أمام الاستعمار الفكري وما إلى ذلك من مظاهر الإغراء التي تقف أمامها العقول الشاردة مندهشة حائرة.
والواقع أن الدعاية الأجنبية المغرضة تلعب دورها، ولكن الإهمال الذي يشعر به الشباب من طرف علماء الدين، والفراغ السحيق الذي يحسونه وهم يفتقرون إلى الثقافة الدينية الأصيلة هو الحافز الذي يلقي بهم إلى أحضان الإلحاد والكفر، وما إلى ذلك من أشكال التمرد على القيم الروحية والاجتماعية، والأخلاقية باعتبارها قيدا يجب كسره لكي يتحقق الانطلاق !... وهو أيضا الدافع الذي يجعلهم ينقسمون – رغم تباعد التيارات التي تتجاذبهم – إلى قسمين، طائفة ملحدة والإلحاد درجات، وطائفة مؤمنة، وهي التي سأتحدث عنها في هذا المقال.
الطائفة المؤمنة تمثل مجموع الشباب المثقف الواعي، المتشبع بروح الإسلام، الغيور على سمعته وتعاليمه، وقد استطاعت هذه الطائفة أن تنجو من قبضة الهيمنة الاستعمارية التي تحارب كيانه، وشخصيته، وماضيه، ومستقبله.
فما هو الإيمان؟... وما هي درجاته؟... وما هي دوافعه؟... وكيف استطاع الشباب الثبات في العقيدة في عصر غزته سلطة المادة، وتحول فيه الإيمان بالله إلى إيمان بالفرنك، وبإرادة الإنسان، بحجة أن السماء لا تمطر فضة ولا ذهبا، بينما تضمن الإرادة البشرية للإنسان، العيش، والبقاء، والاستمرار...
 الإيمان، بمفهومه العام هو اليقين الجازم بالشيء، فأنت تؤمن بفلان لأنك تعرفه جيدا، وتفهمه جيدا، وتعرف ماضيه وحاضره وأهدافه وإمكانياته، وأنت تؤمن بالشيء لأنك تعرف لونه وطبيعته وحجمه، ووزنه، وماهيته، وصلاحيته، أما الإيمان بالله، فهو الشعور العميق بعظمة خالق الكون، وبالهيمنة الإلهية على العالم كله، فهو ذلك الإحساس الذي يتسرب إلى قرارة نفسك دون أن تملك قوة لمقاومته أو انتزاعه، وغبي هو الإنسان الذي يحاول أن يتوصل إلى معرفة الله بواسطة العقل، انطلاقا من فكرة الفلسفة الوجودية الملحدة، إذ كيف يصل العقل البشري القاصر عن معرفة حتى حقيقة لأشياء إلى معرفة خالق الكون وهو قادر على إيعازه؟ سئل الإمام علي (رضي الله عنه): "يا أمير المؤمنين، هل رأيت ربك؟ قال: أواعبد ما لا أرى؟ - قيل: وكيف تراه؟ - قال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان".
فمن أراد أن يعرف الله، فليتأمل في ملكوت السماوات والأرض، ولينظر إلى نفسه كيف خلق؟ ولماذا وجد؟ وما هو آماله؟ لقد قال النبي (ص) "تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا"، إن خير طريقة اهتدى بها الإنسان إلى الإيمان، وخير حجة اقتنع بها بعد أن أعياه التطواف والبحث تتمثل في قول إبراهيم عليه السلام: "إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين"
 فالإيمان هو الشعور العميق بوجود إلاه لهذا الكون، والشعور أيضا بأنه واحد وأوحد، وهو الجدير بكل تقدير، وتبجيل، وإكبار، وما الصلاة إلا دعاء يلتقي خلالها العبد بربه في خشوع وابتهال معبرا بذلك عن تواضعه أمام عظمة الله الكبير المتعالي.
 أنني عندما أتكلم عن عظمة الله، لا أقول للشباب حرم عليكم البحث والتساؤل عن وجود الله، لأن الشك المنهجي غالبا ما يؤدي إلى اليقين، ولأن التساؤل غالبا ما يؤدي إلى الاقتناع، وإذا آمن الإنسان عن اقتناع فذاك هو الإيمان الحق، غير أني أحذر من الانزلاق في الهاوية التي سقط فيها الكثيرين، وهذا الخطر هو اتخاذ البحث عن الله وسيلة لامتطاء سلم الإلحاد، يقول الكاتب "تايلور كالويل" في كتابه "القلب يخطئ": "ليس محرما على الإنسان أن يبحث عن الله، شريطة أن تبقى قدماه ثابتتين فوق الأرض
"Il n’est pas interdit à l’homme de chercher Dieu, à condition de garder les pieds bien plantés sur terres".
ولا يفوتني أن أقول بأن فرقا بين المؤمن والمسلم، فأداء الفرائض الخمس ليس هو الإيمان كله، فكم من مسلم لا تمت عبادته للإيمان بصلة:
"قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم"

فما هي علامة المؤمن إذن؟
ليس المؤمن من تستعبده الأنانية وحب الذات، إنما المؤمن من يدرك أنه وجد لغاية، وهذه الغاية هي التضحية من أجل إسعاد أخيه، ومقاومة الشر بكل إشكاله حتى لا يصيب الآخرين، والنهي عن المنكر، وصيانة العقيدة الدينية، والدفاع عنها بالنفس والنفيس، ومقاومة البدع وضروب الفساد الذي تشوه سمعة أمته، المؤمن من يحافظ على المثل العليا، ويتمسك بأهداب الفضيلة، ويضحي بدمه ابتغاء مرضاة الله، فلا يتردد في محاربة من يخول لهم عدائهم الطعن في دينه ولغته أو اغتصاب ترابه وانتهاك حرمته، وما ذلك بعير على المؤمن الذي لا يرضى بالذل والإهانة، "وما هان مؤمن وهو مؤمن" ولا "ذل صاحب إيمان بإيمانه".
وخير تعريف للمؤمن قول الله تعالى: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا".
وقد أجمع أئمة الدين (وعلماء التوحيد على أن الإيمان لا يتحقق في الإنسان إلا إذا آمن بالله) وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، ودوافع الإيمان كثيرة تخلف بحسب اختلاف وضعيات الأشخاص ومستوياتهم الفكرية فأول حافز على الإيمان: الفطرة.
والإيمان الفطري هو شعور غريزي في الإنسان، يتسم به ويلاحقه في جميع أطوار حياته ومراحلها، فالنفس البشرية بطبعها مفطورة على حب خالقها، قال (ص) "ما من مولود إلا يولد على الفطرة"، وقال تعالى: "فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون".
فإيمان الفطرة إيمان عميق، مغروس في النفس، إلا أنه في حاجة إلى من يستنيره ويخرجه إلى الوجود في شكل إيمان عملي نافذ المفعول، فصاحب الإيمان الفطري مؤمن، ولكن إيمانه مكبوت غامض.
سأل النبي (ص) أحدهم: - هل لك من إلاه؟ قال: لي في الأرض آلهة كثيرة، وفي السماء إلاه واحد، - قال: من تعده لشدتك، وتضرع إليه عند الشوائب؟ - قال: إلاه السماء – قال: فاعبده ولا تشرك به شيئا".
والدافع الثاني على الإيمان هو هداية السماء  التي يبعثها الله في شكل نور يشع في قلوب الضالين المتهورين الذين نصيبهم في الحياة مصيبة فيعزون ذلك للدين، خصوصا، وأنهم يشاهدون الزنادقة العابثين بالقيم الدينية يحققون السعادة النفسية، ويرفلون في حلل الرفاهية والرخاء، هؤلاء المتمردون غالبا ما يكتشفون الحقيقة، ويدركون أن ما حسبوه سعادة عند غيرهم ليس سوى مظهر زائف، بل أنه مصدر شقائهم وتعاستهم في الحياة، ومن ثم يدركون مغزى المفهوم الخالد وهو أن كل سعادة يحاول الإنسان أن يحققها في غياب الدين وبعيدا عن الإيمان بالله هي سعادة فانية لا محالة، لأن السعادة تحتاج على سكينة النفس، وراحة الضمير، والثقة بالمستقبل، وهذه أشياء لا يمكنها أن تتأتى للفرد إلا إذا كان مؤمنا.
 ويكفي الإنسان أن يتسلح بالإيمان بالله لكي يتبخر قلقه النفسي، ويهدأ صراع ضميره، ويخبو لظى شره، وتتفجر في قلبه العاطفة الدينية التي تدفعه إلى الخير والفضيلة والتضحية والتسامح.
والتقليد هو أكثر دوافع الإيمان ذيوعا لأنه يسجل واقع الأجيال السالفة، وواقع جيلنا الحالي أيضا، فعندما ظهر الإسلام، وبعث الله نبيه محمدا ليهدي الكفار وعبدة الأصناك، آمنوا بالله ثم أسلموا، أما نحن فأسلمنا لأننا وجدنا في بيئة مسلمة، وبحكم انتمائنا إلى المجتمع الإسلامي آمنا، وهذا ما يسمى بإيمان التقليد.
 لقد فتحنا أعيننا ونحن صغارا على آبائنا ورأيناهم يصلون، فاتجهنا نحو القبلة وقلدناهم، رأيناهم يصومون، فجربنا الصيام ونحن صغار اقتداء بهم، وهكذا سرنا على هديهم في كل شيء يقومون به.
وعن طريق الممارسة اليومية استيقظت عندنا ملكة الوعي، وتسلل الإيمان على قلوبنا الخاشعة، فأصبحنا مؤمنين بعد أن كنا مسلمين، وبفضل الثقافة ونصائح الآباء نما رصيدنا الديني وأمسينا?
مؤمنين عن اقتناع بعد أن كنا مجرد مقلدين، وعلى عكس الإيمان عن طريق التقليد نجد الإيمان بالضرورة الحتمية، بعض الأشخاص في الحياة يلازمون الحياد، فلا هم من المؤمنين، ولا هم من الملحدين، يتأرجحون بين هؤلاء كخيط الميزان، يعانون أزمة التخوف من الانتماء، لأنهم لا يحسون في نفوسهم الكفاءة التي تخول لهم الانتساب إلى إحدى الطائفتين.
 هؤلاء إن سألتهم عن دينهم اعترفوا بأنهم مسلمون، وأن أمرتهم بتنفيذ فريضة من فرائضه اعتذروا بأنهم عاجزون... لا ينكرون وجود الله والأنبياء والرسل، ولكن ذلك لا يعنيهم في شيء ما دان وجود هؤلاء الأنبياء لا يغير من واقعهم شيئا، غير أنهم لا يجهلون أن الإنسان لا يعيش للنفس فقط، حقا أن النفس تتغذى بالشهوات، والقلب يخفق للنزوات، ولكن الروح متعطشة لغذائها الخاص، وهي لا تشتهي مالا ولا جمالا، بل تريد الإيمان الذي تطعم به العقل والقلب حتى يحصل التوازن وتكتمل السعادة !...
وقد تطوي الأعوام أعمارهم، وهم يدورون في حلقة مفرغة، ويبحثون عن اللاشيء، لكن سرعان ما تدفعهم الضرورة على الاعتصام بحبل الإيمان لكي يتخلصوا على الأقل من صراعهم النفسي، وبمجرد أن يستعذبوا حلاوته، يعلنون انتمائهم إلى طائفة المؤمنين عن طريق الضرورة الحتمية.
وهذا ما يقع الآن بالنسبة للشباب المغربي الذي مل حياة التيه والمغامرة، والغوص في عرض المجهول، والجري وراء الذي يأتي ولا يأتي... لقد اكتشف أن ما يعانيه العالم اليوم من ظلم وتفسخ، وانحلال هو وليد الكفر بالقيم الروحية، وإن النفس البشرية إذا لم تشعر بالمسؤولية أمام خالقها، توالد الزيف والمكر، وتفشت الخديعة والميع، وتضاعف عدد المجرمين، ومن ثم انكب على دراسة الأديان، وأخذ يرحل إلى الأقطار الأجنبية بحثا عن الديانة التي تناسبه وتقنعه، وكثيرا من المثقفين الغربيين وجدوا في الإسلام هدايتهم، فارتضوه دينا لهم، وآمنوا به.

الإيمان عن طريق الثقافة والتأمل:
ويتجلى بالخصوص عند طلبة المساجد والمعاهد الدينية، وعند المتصوفين، أنهم بحكم تربيتهم الدينية مؤمنون جدا إلى درجة أنهم يفضلون العزلة والابتعاد عن الناس لأنهم يستنكرون كل ما يرونه في طريقهم.
أنهم من الوجهة الدينية يمثلون النموذج لأن بعضهم يرقى إلى درجة المتصوفين إلا أنهم من ناحية أخرى ينفرون من كل ما يمت إلى المدنية والتقنية بصلة، ولا يحاولون بصفتهم فقهاء ورجال دين أن يخضعوا تيار هذه الحضارة الجارفة للنظام الإسلامي، وبالتالي فهم سلبيون.
أني لا أرى جدوى في أن تصرف الأموال لإعداد الأطر المتخصصة في الدين إذا كانت هذه الأخيرة لا تساهم، ولا تعمل على خدمته.
إن غياب هؤلاء المثقفين يعرض الشباب لكثير من الأخطار، ويساعد على انتشار الدعاية المغرضة التي ترمي الإسلام بالجمود والتحجر...

وأخيرا الإيمان عن طريق الإلحاد:
 وهذا النوع من الإيمان يتحقق نتيجة رحلة طويلة مضيئة في متاهات الشك واليقين، فالإنسان الملحد الذي عاش تجربة النفي خارج حدود الإيمان، وقطع كل صلة له بخالقه معتمدا على إرادته الخاصة، غالبا ما ينتهي به المطاف على الوقوف على الحقيقة المرة التي تقلب حياته وفلسفته رأسا على عقب، وقد لا تطول حيرته حتى يلوذ بعالم الإيمان حيث النفس مطمئنة مستبشرة، راضية بمصيرها، خاضعة لقانون الحياة الأزلي.
 وقد أثبتت التجربة أن هذا الصنف من الإيمان هو أصدق نموذج، باعتباره ناضجا، مستكملا للشروط، مشبعا بروح الاستطلاع والاقتناع، وغالبا ما يحدث هذا بالنسبة للمستشرقين ورجال الفكر والفلسفة الذين لا يقتنعون بالمعطيات والحجج التي بين أيديهم، بل يرغبون في اكتشاف الحقيقة عن طريق المقارنة والبحث والتقصي والتمحيص.
وما أكثر ما أعطى الإيمان عن طريق الإلحاد، إذ أن هؤلاء المفكرين يجعلون من الإسلام مادة لكتاباتهم، ويسخرون كل طاقاتهم لخدمته والدفاع عنه.
والحقيقة التي لا يمكن  إنكارها هي أن الفضل يرجع لبعض المستشرقين الذين ألقوا كتبا قيمة يمكن الاعتماد عليها من قبل الدارسين والباحثين ورحلوا إلى البلدان العربية، واتصلوا بعلماء الدين والفقه والشريعة، وانتقوا العلم من ينبوعه قبل الشروع في الكتابة.
 فلا عجب إذا سمعنا شباب الغرب يهتم بالإسلام، وينظر إليه على أنه النظام المثالي الذي سينقذ البشرية من هوس الرأسمالية ومتاهات الاشتراكية ومكر الصهيونية، والدين الوحيد الذي يضم أسرار الأديان كلها، ولا عجب أيضا إذا رأينا شمس الإسلام تشرق على الغرب وتختفي عن الشرق.
 فما أحوجنا في هذا الظرف العصيب الذي تجتازه أمتنا العربية والعالم الإسلامي إلى شباب مؤمن مهذب، يبني ولا يهدم، ما أحوجنا إلى مواطنين أكفاء يصلحون ولا يفسدون.
إن الغر الذي كنا نتطلع إليه وننظر إليه بعين العبد للسيد، ونتهافت على شراء بضاعته، ونقلده في كل صغيرة وكبيرة قد استفاق من غفلته أخيرا، واكتشف أن المدينة وحدها غير قادرة على تحقيق المثل الأعلى، فأصبح يهتم أكثر من أي وقت مضى بالثقافة الدينية لأنها أساس كل حضارة خالدة.
فالملحد حتى وإن نجح في كسب المال، فإنه لن ينجح في تحقيق الاستقرار النفسي الذي يحسه المؤمن بفضل إيمانه.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here