islamaumaroc

ميثاق بين المسلمين [بقلم: مسلم]

  دعوة الحق

136 العدد

  ينبغي تصحيح تكييف القضية الفلسطينية، وتسميتها التسمية الصحيحة، والخروج بها من الدائرة الضيقة التي اختارها الاستعمار، فهي ليست مجرد قضية عربية، بل الصحيح أنها قضية إسلامية، وهي أخطر القضايا في التاريخ الإسلامي المعاصر، فالصراع الذي تدور رحاه فوق أرض فلسطين ليس صراعا بين أمة العرب وبين اليهود، وإنما هو عدوان صهيوني على الإسلام في قبلته الأولى، وحرمه الثالث، في المكان الذي أسرى بالرسول إليه، ثم هو الصور لظاهرة في أيامنا هذه الصراع قديم بين بني إسرائيل المتغطرسين المتعالين الطامعين وبين بني الإنسان من غير اليهود.

كيف تعالج القضية من زاويتها الإسلامية؟
  على كل مسلم أن ينبصر، ويعرف لماذا هو مسلم، ولماذا خلقه الله؟ وهناك قاعدة منطقية يسميها الفرنسيون Raison d’être "بسبب الوجود"، والمسلم لم يخلقه الله كذلك اعتباطا، ولم ينحدر من أبوين مسلمين، أو ينتمي إلى الإسلام بكيفية أو أخرى مصادفة، وإنما المسلمون هم الذين قال الله تبارك وتعالى عنهم في محكم كتابه: "كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله"، ومعنى ذلك أن الذي لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ليس مسلما، وأن ادعى الإسلام، فهو يدرج بين المسلمين في سجلاتنا الأرضية، ولكنه ليس كذلك في سجل الخالق، جل وتعالى.
  ونقف أمام قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، لنقول أن هذا التكليف الذي صدر من الله الكبير المتعال لعباده المسلمين، له معنى أبعد من مجرد المواعظ، كما يتصور بعض الذين يكتفون في التفسير بظاهر الكلمات، وإنما المعنى الأعم، هو الحفاظ على الإسلام، والدعوة إلى التوحيد، ومقاتلة كل ما ينأى عن التوحيد أو يخالفه أو يعترض طريقه، وباختصار هو استمرار حمل المشعل الذي حمله رسول الله صلى الله عليه السلام، يواصل ما قام به النبي الكريم، ويستمر الأمر كذلك، إلى أن تقوم الساعة، فالمسلمون مستخلفون في الأرض لهذا السبب، لا ليعيشوا ويستمتعوا بنعيم الدنيا.
 وقد فتحت الأرض للإسلام، على أيدي الخلفاء الراشدين، لأنهم فهموا هذا المعنى، ونفذوا أمر الله، ولما تحولت المسألة إلى ملك عضود، تصدع بناء الدولة العظمى، ولاحقته المصائب قرونا، إلى أن جاء هذا الزمان الذي نعيش فيه، وعشنا معشر المسلمين محنة لم تبلغ في سوادها ومرارتها كل المحن والأهوال التي سبقت.
  وحينما يتأمل المرء ساعة، ويفكر فيما بعد بالموت، وكيف يقدم الحساب، أكاد، وأنا لا أدعي العلم بأحكام الدين، أكاد أجزم استنادا إلى المنطق، والذوق السليم في فهم معاني الأحكام، أنه ما من مسلم يطوى تحت التراب، إلا ويسأل في قبره، ماذا فعلت بنعمة الله تعالى في نشر الدعوة ومقاومة أعدائها من أهل الشرك، وخصوم الإسلام؟ ! قد تكون النعمة صحة أعطاك الله إياها، وقوة بدن خصك بها، وقد تكون علما ورجاحة عقل، وقد تكون جاها وحكما سلطانا، وقد تكون مالا، والمفروض أن يأخذ الإنسان من هذه النعم ما أحله الله له من الطيبات، ويوجه الباقي للجهاد في سبيل الله، فإذا لم يفعل ذلك فالويل له ثم الويل، وأن يوم الحساب لآت، ولا مفسر منه.
ومن أجل ذلك، أرى أن أول ما ينبغي عمله، في هذه المرحلة الفاصلة في مصير الإسلام، هو أن نبصر لمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بهذا المعنى، وأن يهزهم الدعاة هزا عنيفا إلى أن يستقر هذا المعنى في نفوسهم، ويومئذ يكونون قد آمنوا حقا بالله ورسوله.
 ولا يمكن الانتظار وأرجاء برنامج الجهاد إلى أن يتم إيمان سبعمائة مليون ينتمون إلى الإسلام، وإنما تكون هناك قلة ولو تحصى على أصابع اليد مؤمنة فعلا، وواعية فعلا، والمطلوب هو أن تجتمع هذه الفئة في مكان ما من بلاد الإسلام، وترتبط بميثاق إسلامي أساسه القرآن الكريم، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعاهد الله أن تلتزم بأحكام هذا الميثاق.
 وعلى هذه القلة أن تحمل السراج، وتقوم بتوعية واسعة في مختلف بلاد المسلمين، وفي كل ركن من أركان الدنيا، وبكل لغة من لغات من ينتمون إلى الإسلام، حتى يأتي وقت تكون الصحوة فيه قد حدثت ويصير المسلمون جميعا مسلمين قولا وفعلا ومؤمنين صدقا وعدلا، ويومئذ فقط تلتقي القواعد الشعبية في مختلف بلاد المسلمين، وتربط أمة محمد بالقرآن العظيم قلبا وعقلا، ويومئذ سيكون الحكم في سائر بلاد المسلمين تلقائيا وبلا عناء حكما إسلاميا، يرضاه الرحمن الرحيم، ولن يصمد حكم يخالف ما أمر الله به، لأن النار التي تأججت في القلوب، نار العقيدة الصحيحة سوف تحرفه، سوف تتساقط صور الحكم المخالفة للإسلام، كما تساقطت الأصنام يوم فتح مكة، حينما ردد الرسول، عليه السلام، قول الله تبارك وتعالى: "وقل جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا".
 وليس حتما أن تكون لدولة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" حكومة مركزية وعاصمة للمسلمين كافة، وإنما تحتفظ كل حكومة إسلامية باستقلالها وسيادتها، وكل ما هناك أنها تربط بميثاق إسلامي، يكون هو الرباط، وما ينبغي أن يقاس هنا بميثاق الأمم المتحدة أو ميثاق أية منظمة إقليمية، فكل هذه المنظمات صور أرضية، لا شأن لها برسالات السماء، والخروج على مواثيق هذه المنظمات ليس خروجا على الله، وإنما الميثاق الذي نطالب به كرباط لشعوب الإسلام وحكوماته، هو الميثاق الذي يرتفع على كل هذه المواثيق، ولا يجوز أن تقاس به، هو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وكل ما يمكن أن يدرج تحتها من أمور هذه الدنيا، فإذا تم التعاهد والارتباط، تكون المخالفة من الكبائر الموجبة للإعدام.
وتستطيع كل دولة إسلامية أن تنفرد بتصريف أمورها كما تريد، طالما كان ذلك لا يخرج عن الإطار العام كما رسمه الإسلام، ولا يخالف مبدأ من مبادئ الإسلام.
إذا تصورنا نجاح الدعوة وقيام هذا التنظيم في جيلنا، أو بعد جيل أو جيلين أو أكثر، فما هي الخطوات التالية؟ !
لن تكون هذه الخطوات مواعظ أو خطبا منبرية، وإنما ستكون خطوات عملية، وإعدادا تستخدم فيه فنون السياسة والإدارة والحرب وغيرها، كل ما تعلمه الإنسان ويمكن أن يتعلمه أعدادا للزحف المقدس، وهذا الزحف فيما نرى، سيكون مسيرة إسلامية لم ير التاريخ مثلها من قبل، مسيرة الملايين، النفرة العظمى من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، نفرة مئات الملايين، التي تكون قد وطدت العزم على التفكير عن تقصير وأخطاء السابقين، وليس لأي واحد من هذه الملايين غاية إلا ما يطلبه المسلم الذي يعرف حق الله عليه، طلب إحدى الحسنيين، والتسابق في مجال الفداء والاستشهاد.
ويومئذ فقط سوف تطهر الأرض من الصهاينة، ومن كل دعوة ضالة فاسدة، ويومئذ سوف تقل أسلحة الشرك والضلال، حتى ولو كانت ذرية، لأن الله لن يتخلى بحال عن جيش آمن بربه، وخاض المعركة ابتغاء رضاه وحده، وليس لأي غرض آخر.
  ورب قائل متخاذل يقول، إنك يا هذا تطلب محالا، وتلحق في خيال، ولكنا نجيب من يقول هذا بلفت نظره إلى ما كان خيالا يسعى وراء باطل ويجري وراءه، ثم صار واقعا، في أقل من مائة عام.
في أواخر القرن التاسع عشر، وليس قبله، جرت على مسرح القضاء الفرنسي، محاكمة "دريفوس" المشهورة، وكان يتابع ما يجري في هذه القضية مراسل صحيفة حضر من النمسا إلى باريس، واسمه "هيرسل"، وتصور هذا اللعين دولة يهودية في فلسطين، ووضع لها خريطة، ورسمها كما تخيلها، وتثقف اليهود وهم أهل زندقة وفساد، وكانوا متشردين في الأرض هذا الخيال وتبنوه، إلى أن جرى ما جرى، وحدث الذي حدث، ولو تركت الأمور تجري على أعنتها، فلا ندري مصير البشرية برمتها.
  نجح الباطل بالعزم والتصميم، واستطاع أن يضرب الحق، وأن يذله، لأن صاحب الحق قد اشتغل بغيره وباع آخرته بدنياه.
  ولم تتوفر للصهيونية هذه الكثرة العددية التي هي متوفرة للمسلمين، ولم تتوفر وإن تنفر لها، الإمكانيات الضخمة الهائلة المتوفرة للمسلمين، أرجاء فسيحة لا تتناهى في أكبر قارات العالم، في آسيا وإفريقيا، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، ثروات معدنية جبارة بترول وخامات، وغير ذلك، وفي السبعمائة مليون مسلم علماء ومتخصصون، في مختلف العلوم والفنون، ولو وجهوا في الطريق العام، سيبزون علماء بني إسرائيل.
لو حدثت التعبئة العامة في الله ولله، ستختفي الصهيونية وتختفي معها إسرائيل، قبل نشوب المعركة، بل ستختفي الشيوعية والرأسمالية الفاسدة، وسيتبدد كل باطل، وتشرق شمس الحق، في الدنيا بأسرها.
هل آن الأوان، لكي نبدأ؟ !
الجواب نعم، فأما السير في هذا الطريق، وإما أن نسقط جميعا في الهاوية التي تقف على حافتها، ونستأهل غضبة جبار السماوات والأرض، وعلينا أن نختار.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here