islamaumaroc

كلمة في المماليك، نشأتهم ودولتهم ورسومهم

  دعوة الحق

136 العدد

 يقول بعض المؤرخين "أن أول من استخدم المماليك الأتراك في مصر، وجليهم إليها واستعان بهم إلى تثبيت سلطانهم، هم خلفاء الفاطميين، وذلك تشبها منهم ببني العباس، ثم اقتفى أثرهم في ذلك ملوك الدولة الأيوبية".
 على أن أبا العباس القلقشندي الذي عاش في أيام المماليك وكان في جملة موظفي حكومتهم بمصر يقول في موسوعته الضخمة، "صبح الأعشى في صناعة النشا": "أن حاكم مصر أحمد بن طولون هو أول من جلب مماليك الترك إلى الديار المصرية، واستخدمهم في عسكرها، وذلك عندما ولي أمر هذه الديار من قبل الخليفة العباسي المعتمد في سنة 266 هـ (879 م) غير أن هؤلاء الأرقاء الذين اشتراهم ابن طولون واستعان بهم لإقرار الأمن في إمارته لم يكن لهم في الواقع أي صلة بأولئك الذين اشتهروا بهذا الاسم، حين أصبحت لهم الدولة والصولة بعد أن وثبوا على الحكم واستبدوا بالسلطة لأنفسهم عندما انتزعوا الحكم من الأيوبييــــــــن سنة 648 هـ (1250 م).
 وسبب قيام هذه الطبقة الغربية من الحكام في المجتمع الإسلامي، هو تكاثر أفرادها مع الزمن خلال الحروب التي توالت في آسيا بعد تعدد غزوات التتار، ففي هذه الأثناء، كان كثير من أبناء المناطق التي تأثرت بهذه الغزوات، ينزحون عن مدنهم وأراضيهم فرارا بأنفسهم وأولادهم من المصير القائم الذي كان يتهددهم تحت حكم الغزاة البرابرة، فلقد أفاد الحكام المسلمون من توافر هذه المجموعات البشرية الهاربة، في حالة مريعة من الفقر والفاقة والعوز، وأقبلوا على شراء العديد من هؤلاء الهاربين لاسيما الذين كانوا يتمتعون بقسط ملحوظ من مخايل النباهة ومظاهر الصحة والنشاط من أجل استخدامهم في مختلف الأغراض من خاصة أو عامة.
 وكان أكثر هؤلاء الأرقاء، لاسيما الصغار في السن منهم، يجمعون في أمكنة مستقلة ويوضعون تحت تصرف مدربين من العسكريين الاخصائيين لينشؤوهم على تعلم فنون الفروسية وطرائق القتال كي يصبحوا قادرين على ممارسة الحروب، بعد أن يعلموهم شعائر الدين الإسلامي ويحملوهم على حفظ القرآن الكريم ومن ثم يؤلفون منهم فرقا عسكرية نظامية في ظل راية الدولة الإسلامية لنذود عن حياض البلاد التي كان يتهددها العدوان من قبل المغول أو من قبل الفرنجة على حد سواء.
ولقد كانت صفة السرق التي بدا بها هؤلاء المماليك حياتهم من الوصمات التي عيبت على سلاطينهم وأخذت عليهم فيما بعد، وذلك بالرغم من المآثر الكريمة التي بدرت عن هؤلاء السلاطين في سبيل عزة الإسلام ونصرة المسلمين، فلقد ذكر المؤرخون أنه "حينما أراد الملك الظاهر بيبرس، قاهر المغول والصليبيين، أن يأخذ لنفسه البيعة بالسلطنة، بعد القضاء على سلفه سيف الدين قطر، جمع الناس من الأمراء والقضاة علية القوم، وكادت البيعة تنعقد له، لولا أن امتنع الشيخ عز الدين ابن عبد السلام عن مبايعته، لأنه لم يثبت له عتق بيبرس وحريته وقال له:
" يا ركن الدين، أنا أعرفك مملوك البندقدار"
فاستحضر بيبرس شهودا، شهدوا بخروجه من ملك البندقدار وأنه صار حرا، فبايعه الشيخ.
ومن طريف ما يروى عن هؤلاء المماليك الذين أصبحوا فيما بعد ملوكا على الذين كانوا من قبل مالكيهم بالرق، أنهم إذا اشتجر فيما بينهم خلاف على أمر من الأمور، لا يتورعون عن التنابز بلقب "مملوك" وتذكير بعضهم بعضا بتلك الأيام التي بدأوا فيها حياتهم، إذ هم سلعة مزجاة، يعرضهم تجار الرقيق من اليهود بثمن قد يرتفع وقد يتدنى تبعا لشكل المملوك أو صحته أو نباهته.
وإلى جانب ذلك، فإن هؤلاء كانوا لا يتورعون عن استعمال لقب مملوك في الرسائل التي كانوا يتبادلونها فيما بينهم، دون أن يجدوا في هذا اللقب ما يجرح كرامتهم الشخصية أو يسيء إلى مكانتهم الرسمية، بل بالعكس فإنهم كانوا يعتبرونه من عناوين تواضعهم بعضهم لبعض.
وهكذا، فإن المماليك، كانوا إذا اختصموا يتبادلون النبز بلقب المملوك بقصد الإهانة والتحقير، كما كانوا إذا تعاطفوا يتبادلوا ادعاء هذا اللقب، بقصد التحبب والتواضع.
 وهؤلاء المماليك الذين لازمهم اللقب الذي بقي يدل على نشأتهم الوضعية لعبوا في التاريخ الإسلامي دورا بارزا جعلهم يتمتعون بألقاب البطولة والخلود والسؤدد لاسيما في المعارك الحاسمة التي خاضوها دفاعا عن الإسلام والمسلمين ضد الغزو المغولي والاحتلال الصليبي في بلاد الشرق العربي.ففي رمضان من سنة 657 هـ التقى العسكر المملوكي بقيادة السلطان سيف الدين قطر بالعسكر التتاري بقيادة كتيفا عند قرية عين جالوت بفلسطين (ردها الله للإسلام والعروبة) وحمى وطيس الطعن والضرب بين الفريقين وتقاتلا قتالا شديدا لم ير مثله من قبل حتى قتل منهما جماعة كثيرة وأشرف المسلمون على شفير الهزيمة، عند ذلك وتب قطر من بين الصفوف، وانتزع من على رأسه خوذته الفولاذية ورمى بها إلى الأرض صارخا بأعلى صوته (... وا إسلاماه !..." فحدثت المعجزة الإلهية وتحول المسلمون من قرار الهزيمة إلى هجوم الانتصار وبذلك تحولت الإنسانية من حالة الجزع واليأس إلى حالة الطمأنينة والأمل، وبالفعل، فإن معركة عين جالوت، تعتبر من الوقائع الفاصلة في التاريخ الإسلامي نظرا لما ترتب عليها من نتائج خطيرة وآثار حاسمة، فلو أن المغول استطاعوا في حينها التغلب على المسلمين لمرت البلدان العربية في الشرق الأدنى، في دور حالك مظلم طويل تحت حكم المغول ولتعثر سير الحضارة والتمدن لمدة طويلة من الزمن.
ولقد أطلق انتصار سلطان المماليك قطر على طاغية التتار كتيفا السنة الشعراء في تلك الأيام فقال قائلهم:
هلك الكفر في الشام جميعا
               واستجد الإسلام بعد دحوضه
بالمليــك المظفـــــر الأر
             وع سيف الإسلام عند نهوضه
ملك جاءنا بعزم وحـــزم
              فاعتززنا بسمــره وببيضــه
أوجب الله شكر ذاك علينا
              دائما مثل واجبات فروضــه
ولم يكن جهاد المماليك في الصليبيين أقل روعة وبطولة من جهادهم في التتار، ذلك أنهم بعد أن أزاحوا عن بلاد الشام الكابوس المغولي الوبيل، وجهوا همتهم إلى إقالة هذه البلاد عن عترتها بالاحتلال الصليبي فخاضوا ضد هؤلاء الدخلاء حروبا ضارية لم تنته إلا بعد إنهاء هذا الاحتلال البغيض عن ساحل البلاد وداخلها على يد السلطان الملموكي الظاهر بيبرس ثم من بعده على يد السلطان قلاوون وابنه الملك الأشرف خليل مما جعل السنة الشعراء تنطلق مرة أخرى بالتعبير عن فرحة المسلمين بما انتهوا إليه من عزة وكرامة وتحرر.
فقال أحدهم يخاطب قلاوون عندما وفقه الله إلى تحرير طرابلس الشام:
علينا لمن أولئك نعمة الشكر
                     لأنــك للإســلام يا سيفـــه، ذخـــر
ومنالك الإخلاص في صالح الدعا
                     إلى من له في أمر نصرتك، الأمر
ولله في إعلاء ملكك في الورى
                     مراد، وفي التأييد يوم الوغى، سر
إلا هكذا يا وارث الملك فليكــن
                     جهاد العدى لا ما توالى به الدهر
 وإلى جانب الانتصارات الحربية التي حققها المماليك وأدت إلى تخليص الشرق العربي من غائله المغول والاحتلال الصليبي، على جانب ذلك، فإن المماليك أدول للإسلام والمسلمين أعظم خدمة دينية ومعنوية وذلك بإعادتهم الخلافة بعد أن درس هولاكو معالمها بقتل آخر خليفة عباسي ببغداد، المستعصم بالله.
  وخبر ذلك أن عندما اجتاح التتار بقيادة هولاكو بغداد، اعتقد ابن العلقمي وزير الخليفة المستعصم العباسي أن الفرصة أصبحت مواتية للانقلاب على العباسيين فأغرى الخليفة المذكور بالكف عن مقاومة الغازي التتاري وزين له للاستسلام حفظا لحياته، فانطلقت الدسيسة على المستعصم وحمل نفسه وأركان دولته وأعيان البلاد إلى معسكر هولاكو الذي بادر إلى إعدام جميع هؤلاء بما فيهم الخليفة نفسه، ولم تكن عاقبة ابن العلقمي خيرا من الذين غرر بهم لأن هولاكو ما لبث أن اتبعه بضحاياه لأن من يخون أمته وبلاده لا يمكن أن يكون محل ثقة الأجنبي عن الوطن والدين.
وكان قتل الخليفة المستعصم في اليوم العاشر من محرم سنة 656 هـ (1258 م) وبذلك قتل آخر خليفة عباسي ببغداد بعد أن دامت الخلافة العباسية 524 سنة.
وعندما وتب الملك لظاهر على الحكم بعد قتله قطر أراد القيام بعمل جليل يكتسب عن طريقة الرأي العام الإسلامي إلى جانبه، وكانت الخلافة هي الأمنية التي يتطلع على تحقيقها المسلمون في ذلك الحين، لأن كل مسلم يعتقد بأن الخلافة هي المؤسسة الدينية والقومية التي تمثل وحدة الأمة الإسلامية، وأن زوالها مخل بالشعائر وتمام العقيدة.
وعلى هذا فإن الملك الظاهر بيبرس، ما أن سمع بأن واحدا من آل عباس قادم على مصر، حتى بادر إلى ملاقاته وتوجيه الأنظار إليه ليجعله خليفة للمسلمين وسط مراسم حكومية وشعبية بلغت منتهى الفخامة والأبهة.
 وبذلك توطد حكم بيبرس واطمأنت إليه نفوس المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
وبالرغم من أن المماليك، كانوا في الواقع يشكلون الطبقة العسكرية في المجتمع الإسلامي، وبالرغم من أن عهدهم كان نتيجة طبيعية للمعارك الحربية التي خاضوا غمارها في الخارج ضد الغزو التتاري والاحتلال الصليبي، وفي الداخل من أجل اغتصاب السلطة والوثوب على دست الحكم، بالرغم من ذلك كله، فإنهم تركوا في سجل التراث الفكري للإسلام صفحات مشرقة زخرت بالعديد من المؤلفات العلمية والأدبية والتاريخية والتشريعية مما صنفه العلماء المسلمون في أيامهم وتحت ظل سيادتهم.
 فلقد كان هؤلاء العلماء يجدون من سلاطين المماليك وأمرائهم وقوادهم من التشجيع والمساندة المادية ما مكنهم من إتحاف المكتبة العربية بعشرات بل مئات من الكتب التي أصبحت فيما بعد، من المصادر والمراجع التي لا يستغني عنها أهل القلم من الذين يعنون بالدراسات الإسلامية على مختلف ألوانها وفنونها وفروعها.
 ولقد لفتت ظاهرة النشاط الفكري في عهد المماليك انتباه العالم الاجتماعي الكبير عبد الرحمن ابن خلدون فذهب إلى تعليل هذه الظاهرة بقوله: "أن أمراء الترك (أي المماليك) في دولتهم، كانوا يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفون من ذريتهم لما له عليهم من الرق والولاء، ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته، فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط، ووقفوا عليها الأوقاف المغلة، يجعلون فيها شرطا لولدهم، ينظر أو نصيب منها، مع ما فيهم غالبا من الجنوح إلى الخير والتماس الأجور في المقاصد والأفعال، فكثرت طلب العلم بكثرة جراياتهم وارتحل إلى مصر الناس في طلب العلم من العراق والمغرب، ونفقت بها أسواق العلوم وزخرت بحارها... والله يخلق ما يشاء.
وبعد،
 فإنه لابد لنا من القول بأننا معشر المسلمين، مدينون إلى هؤلاء المماليك ليس فقط في إنقاذ بلادنا من همجية الغزو التتاري وغائلة الاحتلال الصليبي، بل نحن مدينون غليهم كذلك بهذا البحر الزاخر من المنشآت العمرانية، كالمساجد والمدارس وما إليها من صروج العبادة والمعاهد العلمية، مع ما امتلأت به أروقة كل منهما، من الكتب المفيدة والمصنفات العديدة ذات المعين الذي لا ينضب من التشريع والمعارف والفنون الثقافية المختلفة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here