islamaumaroc

الإسلام وسنن الله الكونية

  دعوة الحق

136 العدد

لقد كان العرب الذين بعث فيهم النبي الأكرم محمد صلى عليه وسلم على جانب كبير من معرفة أسرار النجوم وأحوال الميقات والرياح وغيرها، مما كان يجعلهم يعيشون في نظام محكم في جميع شؤونهم الخاصة والعامة، ويتقلون الأخطار التي تنشأ من جراء اختلاف الأحوال الطبيعية، ومن المعلوم أن الإسلام – وهو الدين القويم – عندما جاء نمى هاته العلوم وهدبها ووضع لها القواعد والأسس، وحض على تعلمها والإمعان في قواعدها وتطبيقها في السير في جميع مسالك الحياة، وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة في ذلك، أوصلها بعض العلماء على سبعمائة وخمسين غاية، وقالوا إنما تعتبر ثلاثة أضعاف آيات الأحكام، وهكذا يبين لنا من خلال هذا أن المسلمين كانوا متقدمين على غيرهم من الأمم الأخرى في هذا المضمار، وأنهم يعتبرون أساتذة العالم في ذلك، ولا حاجة إلى بسط الأدلة والمستندات، فالتاريخ أعدل شاهد، وبالأخص ما كتبه علماء الغرب مثل غتاف لويسون وسيديو ودوزي كوديرا وغيرهم من المبرزين المشهورين، ومع تعاقب العصور الإسلامية ظهرت مؤلفات وكتب كثيرة ألفها علماء أعلام وجهالة عظام، وقاموا بإجراء عدة تجارب دونوها في هاته الكتب، واخترعوا آلات مثل الإسطرلاب وقواعد لتسهيل الحسابات والتدقيق فيها مثل (اللغاريتم).
 إن الإسلام ليحض على دراسة أحوال الكون والإمعان في معرفة الكائنات الموجودة في السماوات والأرضين، كما جاء في القرآن الكريم "قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون" "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لقوم يعقلون" "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت" وفي هاته المقارنة بين خلق الإبل وارتفاع السماء تسطيح الأرض دليل على أن الخطاب قد ورد للعرب الذين يعيشون في الصحراء تسهيلا لإفهامهم وجريا على مقتضى تفكيرهم، وهو أسلوب في غاية ما يكون في التبسيط والتجسيم ومراعاة قواعد التربية وعلم النفس الحديث، والمتتبع للتاريخ وعلم الاجتماع ودراسة طبقات الأمم والشعوب يدرك إلى أي مدى وصل العرب في جاهليتهم، وإلى أي حد وصلوا بعد أن صقل الإسلام عقولهم وهذب أذواقهم وجعلهم في مستوى أرقى الأمم والشعوب في العالم أجمع.
 وإذا كان الإسلام قد جاء حانا على دراسة أحوال الكون والعلوم التطبيقية وعلوم الحياة على اختلافها، فلماذا يتقبل بعض المسلمين باستغراب أو باستحالة إمكانية وصول البشر إلى القمر ودراسته دراسة عملية مع أنهم لو رجعوا على تعاليم دينهم وطبقوها كما يجب لرأوا أن ذلك من الأمور المسلمة في العلم بل يجعلوها قبل غيرهم دلالة على صحة بعض معجزات الأنبياء وبالأخص صحة الإسراء والمعراج وانتقال النبي (ص) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وصعوده إلى السماء وانتقاله بين أجوائها وجميع طبقاتها إلى مجاوزة سدرة المنتهى والتأهيل لتلقي الخطاب الإلاهي بدون وسيلة ولا حجاب؟
 فإذا كان البشر وهم مخلوقون عبادة لله تعالى مسيرون ومصرفون في جميع شؤونهم قد استطاعوا أن يقطعوا المسافات البعيدة بين الأرض والقمر في أيام معدودة، فإنه يكون من المعقول والمقبول، ومما لا شك فيه بالطبع ومما هو هين وبسيط الإسراء بالنبي (ص) في ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والعروج به إلى السماوات العلى، ويكون فيه أيضا تصديق للآية الكريمة "سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد،" فإن إيمان المؤمن يزيد بارتفاعه في الكون ومشاهدته في العظمة الإلاهية ما يعجز عن وصفه البشر، وقد ورد في تصريحات "كاركانيي" الرائد الأول للفضاء ما يدل على أن الرجل قد أصبح على شكل جديد أقرب إلى الإيمان عندما صعد الأجواء العليا وقطع تلك المسافات الخيالية.
ونحن بصفتنا مسلمين، وديننا يحض على العلم والمعرفة ويجعل الإنسان العالم أفضل من الجاهل بمراحل كثيرة كما جاء في القرآن الكريم "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولوا الألباب" نصفق للأبطال الشجعان الذين استطاعوا بفضل حنكتهم وشجاعتهم أن يقطعوا تلك المسافات الخيالية ويصلوا الأرض بالقمر ويضيقوا مناقب أخرى إلى مناقب الإنسان الذي خلقه الله وكرمه وفضله على العالمين بالعقل والتفكير وتنظيم شؤون الحياة ولكننا نريد أن تستخدم الاختراعات العلمية والاكتشافات الحديثة لصالح البشر، ونريد أن لا يتخذ من القمر أبراج عالية للتحصين الحربي والإغارة على الضعفاء فقد ضجت الأرض وجار ساكنوها بالشكوى من المخترعات الإبادية والإجرامات المتعددة واحتقار الإنسان لأخيه الإنسان بدافع التقوى وصلابة الجسم وضخامة المال "وإن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى" كما جاء في القرآن الكريم.
إن كل خطوة يقطعها الإنسان في مضمار العلم والمعرفة بإخلاص وصدق عزيمة وإرادة نفع البشر ليعرج لها الناس ويعتبرونها تقدما لهم جميعا، وعلى العكس من ذلك إذا كانت هاته الخطوات تقطع للتكبير والاستعلاء، ولتكون أمة هي أربى وأزيد عددا وعتادا من الأمم الأخرى فإن الناس يعتبرونها تأخرا ورجوعا بهم إلى شريعة الغاب وإلى العهد الحيواني.
 إن الأيام المقبلة سترينا اكتشافات ومعجزات أكبر وأكبر بكثير من اكتشاف القمر وقلب بعض الأوضاع والقواعد العلمية والأدبية، فلم يعد الشاعر منذ الآن يقدر على أن يشبه الجميل والعظيم بالقمر بعد أن تبين أنه عبارة عن صخور ورمال، فقد ذهب قول القائل وجهه يتهلل كالقمر، لأنه أدرك أن النور حاصل من انعكاسات الأنوار الشمسية على سطحه، وأن القمر ليس إلا صخورا وترابا هو الآن في متناول العلماء والفنين الذين يتولون دراسة بإمعان وبعد نظر.
وإن الأمة التي تتقدم في ميدان العلم والمعرفة لهي الأمة الفنية الحية حيا، وأن الأمة التي تهمل سبيل العلم الحقيقي وتشتغل بالقشور بعيدة عن اللباب لهي المتأخرة حقا، وإن كانت لها أساطيل وجيوش جرارة وكلمات مسموعة في الشرق والغرب.
  لقد بين العلامة الطنطاوي في كثير من كتبه أن الأمة التي يقترب أجلها هي الأمة التي تقصر في جانب علوم الكون وعلوم الحياة واستدل على ذلك بآيات واردة في الموضوع، وقد عاش الطنطاوي في عهد أجهز فيه الاستعمار الغربي على الأمة الإسلامية وخنق أنفاسها وسد عليها جميع أبواب العلم والمعرفة الحقة، وأطلق العنان لأذنابه ليشككوا الناس في قيمة علوم الكون ومنافعها (مرشدين إياهم) إلى الزيادة في تشغيب مشاكل الفقه والعقائد، حتى نشأت طوائف عديدة وتفرقت السبل، وبعد المسلمون عن جوهر دينهم وانشغلوا بالأعراض، وقد كان لكلماته ونصائحه طيب الله تراه طيب في جميع نفوس الشباب المسلم تلك الدعاوي الفارغة ونبغ علماء مسلمون في الشرق والغرب في علوم الحياة وعلوم الكون والعلوم التجريبية وشمروا عن ساعد الجد والاجتهاد وقاموا بالتأليف والتدوين، حتى زخرت الخزانة الإسلامية بكثير من مؤلفاتهم ونتائج أبحاثهم، وخسر الاستعمار البغيض وخسر معه المنافقون والمبطلون.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here