islamaumaroc

التعامل بين مختلفي المذاهب

  دعوة الحق

136 العدد

باسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجميعن.
أما بعد فهذه رسالة مسألة التعامل في البيع والنكاح والطلاق وغيرها بين مختلفي المذهب، حيث يكون شرع النازلة أو حكمها خلاف ما عند الآخر، والله الهادي إلى أقوم طريق، والله الموفق سبحانه وهو حسبي ونعم الوكيل.

أعلم أن هذه المسألة على وجهين (الأول) أن يمكن تحقيق العقد على وجه الجمع بين المذهبين لكون ما اشترط في مذهب أحدهما أخص مثلا، وذلك كاشتراط الشافعية معينات الألفاظ في النكاح بأن يكون بلفظ الإنكاح أو التزويج واكتفاء المالكية باللفظ الأعم يقول الغرناطي:
فالصيغة النطق بما كأنكحا
من مقتض تأبدا مستوضحا
 فإذا اراد مالكي أن يتزوج شافعية، فمقتضى مذهبه الاكتفاء بالعقد باللفظ الأعم ومقتضى مذهبها تعيين اللفظ الأخًص، وكاشتراطهم عدالة الولي فلو كان فاسقا لو يعقد بل لا ولاية له بخلاف المالكية في ذلك، فإذا كان الوالي كالأب في ابنته فاسقا وكان الزوج شافعيا يرى أن لا ولاية له فما العمل؟
وفي هذا الوجه يمكن أن يقال في المثال الأول بتعيين اللفظ الأخص لينفق المذهبان، وفي المثال الثاني بوجوب إسناد الأب عقد النكاح إلى عدل يرتضيه الشافعية، ولا حرج في إنابة الأب عند المالكية، كما هو ظاهر، ويحتمل أن يقال لا يلزم الزوج باللفظ الأخص، ولا الأب بالتوكيل، ولا يخاطب كل واحد من المتعاقدين إلا بما يراه مذهبا له، وليس لأحدهما أن يحمل الآخر على مذهبه، وهذا هو الذي يثلج له الصدر، لأن علماء الإسلام وأئمة الاجتهاد وأتباعهم منذ كانوا وهم يختلفون في أحكام المسائل والحوادث، وهم في هذه الحالة يتعاملون مع بعضهم في البيوع والأنكحة وجميع أوجه المعاملات كيفما كان الخلاف فيها، وما علمنا أن أحدا منهم تحرج في ذلك أو شرط على معاقدة الجري على وثيرة مذهبه ولا تستغرب من هذا الاستدلال فإن استعمال الأئمة للاحتجاج بعمل المسلمين كثير كما قال ابن مرزوق قال وقد استعمله الباجي حيث قال في باب الأقضية من المنتقى مستدلا على منع تولي المرأة القضاء: ويكفي في ذلك عندي عمل المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لا يعلم أنه قدم لذلك في عصر من الإعصار ولا بلد من البلدان امرأة، كما لم تقدم للإمامة امرأة (الوجه الثاني) أن يمتنع التوفيق بينهما ويتعذر لاسيما إذا اقترن النزاع، كما إذا كان الزوج شافعيا أو حنفيا وعلى الطلاق بالمشيئة معتقدا إفادته وعدم لزوم الطلاق له، وكانت الزوجة مالكية ترى أن ذلك الاستثناء لا يفيد، وأن الطلاق واقع لا محالة، وعليه فيحرم عليها أن تمكنه من نفسها على مقتضى مذهبها، وطريق رفع النزاع في هذا الوجه أحد الأمرين (الأول) أن تقلد مذهب الزوج في ذلك الثاني أن ترفع النازلة إلى حاكم البلد كأنه المنصوب من طرف الخليفة لرفع التشاجر وحسم الخصام والعمل على ما قض به فإن تعدد الحكام بالبلد واختلفت مذاهبهم فدعا الزوج الحاكم يرى مذهبه ودعت هي إلى الحاكم يرى مذهبها فالظاهر أنه يقضي عليها بإجابته استتباعا لما جعل الله بيده من العصمة وتتميما لذلك وذلك أن جعل العصمة بيد الزوج من المناسب التحسني كما في سلب العبد منصب الشهادة وسلب المرأة منصب الإمامة ونكاح نفسها، وتقديم ما دعا إليه الزوج في المسألة المذكورة هو من معنى التتمة والتكملة لذلك فتدبره والله أعلم، ومن هذا ما إذا كانت زوجته حنفية وهو مالكي فهل يخرج عنها في زكاة الفطر مدين على مذهبها أو أربعة على مذهبه، وقد يحكى فيها قولان: رجح كل منهما يخرج عنها أربعة أمداد لتعلق الخطاب، ثم أن ما قررناه من رفع الخلاف في هذا الوجه بحكم الحاكم مبنى على ما عليه ابن عرفة من أنه إذا حكم الحاكم بأمر يعتقد حلبته وكان المحكوم له لا يرى حلبته لكونه مجتهدا أو ليس هو قول مقلده فإن ذلك يرفع الخلاف ويبطل ما حكم به هو مقتضى المذهب كما قال ابن عرفة رحمه الله وقال ابن شاس وابن الحاجب لا يحله وتعقبهما ابن عرفة بأنهما تبعا وجيز الغزالي قال الشيخ بناني وهو قصور فإن ما ذكره ابن شاس مثله في النوادر ونقله الحطاب مقتصرا عليه ونص الحطاب: قال في النوادر في كتاب الأقضية في ترجمة ما يحل بحكم الحاكم، ولو طلق امرأته البتة فخاصمته إلى من يراها واحدة والزوجة مذهبها أنها ثلاث والزوج أيضا ممن يرى أن البتة ثلاث فلا يحل للزوج أن يقرنها حتى تنكح زوجها غيره ولا يبيح له الحاكم أن تمكنه من نفسها حتى تنكح زوجا غيره من قبل أن الحكم لا يحل لهما ما هو عليهما حرام وكذلك لو قال لعبده اسقني الماء يريد بذلك عتقه والعبد يرى أنه لا يلزمه في مثل هذا عتق وإن نواه، والعبد يراه عتقا، فللعبد في هذا أن يذهب حيث شاء بما حكم له، ولو قال لزوجته اختاري فقالت قد اخترت نفسي، وهي تذهب إلى أن الخيار ثلاث والزوج يراه واحدة فإن الحكم لا يبيح للمرأة أن تمكن الزوج منها ولتمنعه جهدها ولو رفعها إلى قاض رأى الخيار طلقة فارتجعها الزوج، فلا يبيح لها الحكم ما هو عندها حرام ولا يحل لها أن يأتيها الزوج إلا هي كارهة انتهى. (فائدة)
  هذا وقد كنت فاوضت في هذه المسألة صديقنا العلامة المحقق سيدس محمد بن أحمد الرافعي عند قدمني إلى الجديدة عام 1337 فكتب إلي فيها وأنا بثغر الصويرة ما نصه: قد رددت الخاطر في بحثكم السديد المتعلق بصورة الاختلاف بين الأئمة في عقود التعاوض، أو ما لابد في انعقاده من وصف أو حال يكون عليه المتعاقدان، أو أصل أو قول أو جعل يصحح عقدهما معتبرا في تصحيحه جهتيهما معا، أو أي صدد يجب إدراج المعقود عليه من كلا جانبيهما، فوجدته بحثا عظيم المكانة لا يتفطن له إلا شداد الرجال أمثالكم أعزكم الله والقول الكلي عنهم فيها بحسب ما يظهر، أن التقصي عن جملة العهد التي يتوقع الدخول تحتها ممكن بالترك والتباعد وهو الأليق بالمتحرج أو بتقليد الإمام المخالف أو الإتيان بما يناله كسبه ما يراه لازما لعقده، وسواء في كل هذا كل صورة صورة في كل عقدة عقدة إن لم تكن مندرجة على أن الحاجة عام مساسها بين مجموع الناس في عقود المعاملة منذ دهور ولا منجاة، والحالة هذه عن التورط في هذا المجال الشائك فتعين لمكان هذا الاضطرار العمل على أحد ما تقدم، ولا تكون مسألة في هذا الباب وإن بلغت في العظم ما شاءت أعظم من المسائل المتمخضة للعبادة التي يكون الاقتداء فيها بالمخالف أو الخروج لمذهب فيها أو يعتبر خلافه بالمراعاة الأهم، إلا إذا ضعف المدرك جدا، ونزل إلى حيز الطرح والإهمال، نعم الواجب أولا أن لا يقدم حتى يعلم الحكم ليكون ماشيا في نور علم المسألة وإلا هلك مع الهالكين على ما تعلمونه، ولست أرى من مانع تقليد المخالف في بحثنا والمجيء واقع وعام به البلوى، تكون معه شبهة قوية فضلا عن مسلك صحيح شرعا أو نظرا وقياسا أو تعليلا واستدلالا فتأملوا فيه شيء وباب من أبواب المعاملة، وعلى ما عسى أن يلتفت إليه إيجاب مراعاة مذهب الزوج أو الزوجة أو الحاكم فإنه في ظني أوفي منها بما تعتبره القواعد المسلمة وأجدر بمحاذاة غرض شارع وأشمل للمسائل التي يعرض فيها ما ذكر، هذا ما سنح الآن ولم أراجع عليه ولا فاوضت ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (هـ) ثم ظفرت بحمد الله بنصوص في المسألة قد رفع البحث بين الطائفة المالكية ونحن بالمدينة عما يقطع من نبات الحرم المنتفع به للأكل كالخبيزة وغيره، فإنه يوتى به ويباع في الأسواق فهل يحل لماكلي ومن لا يرى جواز ذلك شراؤه وأكله، فكنت أميل إلى الجواز، إذا كان القاطع لذلك والبائع له ممن سرى جواز ذلك في مذهبه، لأنه فعل ما سوغ له شرعا لأنا نقول بإصابة كل مجتهد، وإن كنا نرى أن غيره أصوب والممنوع عندنا إنما هو قطعه فلو وجد الإنسان شيئا منه مقطوعا بنفسه من غير أن يكون له سبب في قطعه، جاز له الانتفاع به، وهذا التقطع ووصوله إلى الأسواق يوجد سائغ لتناول ذلك وصار في حقنا كالمقطوع بلا سبب في قطعه، ولا يقاس النبات على صيد الحرم الذي هو ميتة لظهور الفرق بين الصيد والنبات والإجماع على حرمة صيد الحرم والخلاف في نبات حرم المدينة ولو فتح باب الامتناع من الشراء منهم لأدى إلى فساد كبير، وحرج في المعاملات بالامتناع عن ذبائحهم والشراء منهم والبيع لهم لوقوع الخلاف بين الأئمة في فروع كثيرة من الذبائح والصيد وأبواب الربا فيمنع البعض ما يجيزه، فلو كنا لا نشتري إلا من يتقي الربا على مذهبنا ويشترط في الصيد والذبيحة واللقطة ما نشترطه لأدى ذلك إلى ضيق وحرج، وتضليل بعض الأئمة لبعض، وهو بعيد من نظر الشارع، فلما صح لنا الاقتداء به في الصلاة صح لنا أيضا في غيرها، مما يقع فيه على وجود فعل فاعل من بائع ومشتر، فلا يشترط في صحة البيع إلا كون فعل كل واحد منهما موافقا للشرع في مذهبه ومعتقده، وكذلك صلاة المأموم متوقفة صحتها على وجود فعل فاعل هما الإمام والمأموم، فإذا فعل منهما ما تصح به الصلاة في مذهب إمامه صحت الصلاة ولا يلزم كون الإمام فاعلا لما تصح به الصلاة في مذهب المأموم على المذهب المشهور، وتحقيق هذه المسألة سنذكره إن شاء الله في الرسالة التي عزمنا على جمعها في مسألة اقتداء المالكي بحنفي يصلي في الحجر وسميناها رفع الحجر عن الاقتداء بإمام الحجر، وبعد أن كتب هذا رأيت في نوازل البرزلي ما يدل على أن اجتناب مثل ذلك من الورع وتشتد به الكراهة عند بعد المأخذ ونص ما ذكر وقد سئل عن تناول ما اختلف فيه الفقهاء كشافعي رأي مالكيا غصب طعاما فنقله، وعقدا فاسدا في عين وخلطها، وقال ملكت ذلك على مذهبي فهل ملكه ملكا صحيحا لا شبهة عليه أم لا، وهل يجوز للشافعي أن يعامله بالشراء منه والأكل أم لا فأجاب لا ينبغي لمن قلد الشافعي أن يفعل ذلك وهذا مما يتأكد فيه الورع، وإن قلد مالكيا في هذا وأمثاله فلا بأس به وإن كان شافعيا فقلد المالكي في هذا، ولعل هذا مما تشتد فيه الكراهة لبعد المأخذ وفيه ذكره البرزلي فظاهره أن العزيمة في هذا أرجح من الرخصة، إلا أن يقول أن هذا مما تعارض فيه الحظر والإباحة، فالورع تركه (قلت) فقد ظهر من قوله لا ينبغي ومن قوله مما يتأكد فيه الورع أن ذلك سائغ لا ممنوع، هذا كله إذا لم نقل بجواز التقليد للمذاهب المخالفة مع القول بصحتها، أما إن قلنا به وهو قول جم غفير من المحققين منهم عز الدين بن عبد السلام فقد ارتفع أشكال واتضح المقال مع ما قال ابن السبكي في شرح منهاج البيضاوي إذ نزلت بالمجتهدين حادثة لا يمكن الصلح فيها كما إذا كان الزوجان مجتهدين فقال لها أنت بائن مثلا من غير نية للطلاق فرأي الزوج أن اللفظ الصادر منه كناية فيكون باقيا، ورأته المرأة صريحا فيكون الطلاق واقعا، فالزوج طلب الاستماع بها، ولها الامتناع منه وطريق قطع المنازعة بينهما أن يرجعا إلى مجتهد ثالث، فإذا حكم بشيء وجب عليهما الانقياد إليه، والمسألة مذكورة في المستصفى للغزالي وعبارته إذا نكح مجتهد مجتهدة ثم قال لها أنت بائن وراجعها والزوج يرى الرجعة والزوجة ترى الكنايات قاطعة للرجعة فتسلط على مطالبتها بالوطء أوجب عليها منعه فإذا نشب الخصام بينهما استعمل وجهين أحداهما أن تقول يلزمها الزوج إلى حاكم مجتهد فإن قضى بثبوت الرجعة لزمها تقديم اجتهاد الحاكم على اجتهاد نفسها، وحل لها مخالفة اجتهادها إذ اجتهاد الحاكم أولى من اجتهادها لضرورة دفع الخصومات فإن عجزا عن حاكم مجتهد فعليهما تحكيم مجتهد فإن لم يفعلا إثما وعصيا، ويحتمل أن يتركا متنازعين ولا مانع بتمانعهما، فإن تكليف بتنقيض في حق شخصي فلا يتناقض وأشار ابن الحاجب في مبحث التصويت والتخطيط بين مخصصها الأصلي إلى التراجع الراجع فيما لو قال مجتهد شافعي لمجتهدة حنفية أنت بائن وفيما لو تزوج مجتهد امرأة بغير ولي ثم توجها بعده مجتهد بولي لا يرى صحة نكاحه وبطلاقه الأول قال العضد لوجوب اتساع الحكم للموافق والمخالف، وفي الخطاب عن النوادر في كتاب الأقضية في ترجمة ما يحل بحكم الحاكم، ولو طلق امرأته البتة فخاصمته إلى من يراها واحدة والزوجة قد خلتها ثلاث، والزوج أيضا ممن يرى أن البتة ثلاث فلا يحل للزوج أن يقربها حتى تنكح زوجا غيره، ولا يبيح له الحاكم أن تمكنه من نفسها حتى تنكح زوجا غيره، من قبل أن الحكم لا يحل لهما ما هو عليهما حرام، وكذلك لو قال لعبده اقني الماء يريد بذلك عتقه والسيد يرى أنه لا يلزمه في مثل هذا عتق وإن سواه والعبد يراه عتقا... ففي هذا يذهب حيث شاء لما بحكم له، ولو قال لزوجه اختاري فقالت قد اخترت نفسي وهي تذهب إلى أن الخيار ثلاث والزوج يراه واحدة فإن الحكم لا يبيح إن تمكن الزوج منها ولو رفعها إلى قاض يرى الخيار طلقة فارتجعها الزوج فأبيح لهما الحكم ما هو عندها حرام ولا يحل لها أن يأتيها الزوج إلا وهي كارهة (كما في النوادر) وهي جلي، إلا في مثل ما إذا قضى الحاكم بأن الخيار طلقة فإنه مبني على أن الحاكم إذا قضى بأمر يعتقد ذلك وكان المحكوم عليه لا يرى ذلك الحكم، حيث لا يحل، وعليه ابن شاس وابن الحاجب وابن عرفة، أنه إذا حكم بأمر يعتقد صحته وكان المحكوم له لا يرى حليته لكونه مجتهدا، أو ليس هو قول مقلده، فإن ذلك يرفع الخلاف ويحل ما حكم به، قال وهو مقتضي المذهب وتعقب ما لابن شاس وابن الحاجب بأنهما تبعا وجيز الغزالي وما قاله ابن عرفة أميل والنصوص السالفة تعضده وإن كان الشيخ قال في كلام ابن عرفة أنه قصور لوجوده في النوادر تنبيهات الأول حكم الحاكم يرفع الخلاف في النازلة التي حكم فيها بعينها ومعناه اتفاقا في الأموال وخلافا مع الحنفية في الفروج، فقد قالوا إن لم تستأذن البكر ولم تزوج فاحتال رجل فأقام شاهدين زورا أنه تزوجها برضاها فأتيت القاضي نكاحها والزوج يعلم أن الشهادة باطلة فلا بأس أن يطأها وهو تزويج صحيح قال ابن رشد وشبهة الحنفية أن الحكم باللعان ثابت بالشرع، وقد علم أحد المتلاعنين كاذب اللعان يوجب الفرقة ويحرم المرأة على زوجها الملاعن لها ويحلها لغيره، فإن كان هو الكاذب فلم تحرم عليه إلا بحكم الحاكم، وكذلك إن كانت هي الكاذبة فلم تحرم عليه لأن زناها لا يوجب فرقتها على قول أكثر الفقهاء، قال والجمهور أن الفرقة هاهنا إنما وقعت عقبة للعلم بأن أحدهما كاذب ومصدر الجمهور في أن حكم الحاكم لا يحل حراما مطلقا عموم قوله صلى الله وسلم إنما أنا بشر وأنكم تختصمون، ولعل بعضكم إن يكون ألحن بحجته من بعض، وأفضى له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعة من النار، أخرجه البخاري هذا وتحرير الفقه المالكي في هذه المسألة أن الأقسام ثلاثة: ما ظاهره بخلاف باطنه وهذا لا يحله حكم القاضي اتفاقا، وما ظاهره كباطنه وهو قسمان ما حكم فيه الحاكم بقول غير شاذ وهذا يرتفع فيه الخلاف وما حكم فيه بشاذ، وهذا عند ابن شاس حكمه كالأول وعند ابن عرفة حكمه كالثاني، وسبق البحث في ذلك، ثم أنه لا يعزب عن فكرك كما استثناه الأصوليون والفقهاء من كون حكم الحاكم يرفع الخلاف ولا يسوغ نقضه الثالث الأصح ومذهب الجمهور، أنه يجب على العامي وغيره ممن لم يبلغ رتبة الاجتهاد التزام مذهب معين، واقتداء الشيخ المتفق على علمه وصلاحه عز الدين بن عبد السلام أنه لا يتعين على العامي إذا، فلا حاجة في مسألة أن يقلده في سائر مسائل الخلاف، لأن الناس من لدن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يسألون فيما يبيح لهم العلماء المختلفون من غير تكرمة أحد، وسواء اتبع الرخص في ذلك والعزائم لأن من جعل المصيب واحدا لم يعنيه ومن قال كل مجتهد مصيب فلا إنكار على من قلد في الصواب، وقال القرافي انعقد الإجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من يشاء من العلماء بغير حجر، وأجمع الصحابة أن من استفتى أبا بكر وعمر فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما من غير نكير، فمن ادعى رفع هذين الإجماعين عليه الدليل وزاد في شرح التنقيح بشرط أن لا يجمع بين الأقوال على صفة تخالف الإجماع، وبشرط أن يعقد ما يقلده الفضل هم الثالث في حكم الانتقال إلى مذهب المخالف، قال البرزلي وأما الانتقال من مذهب إمام إلى غيره ففي ذلك ثلاثة أقوال بالجواز والمنع والثالث أن وقعت حادثة فقلده فيها فليس له الرجوع، وقال القرافي في شرح المحصول قال سيف الدين إذا اتبع العامي مجتهدا في حكم حادثة وعمل لقوله اتفقوا على أنه ليس له الرجوع في ذلك الحكم واختلفوا في رجوعه إلى غيره في ذلك الحكم واتباع غيره فيه فمنع وأجيز، وهو الحق نظرا على إجماع الصحابة في تسويفهم العامي الاستفتاء لكل عالم في مسألة ولم ينقل عن السلف الحجر في ذلك على العامة ولو كان ذلك ممتنعا لما جاز للصحابة إهماله والسكوت عن الإنكار عليه، ولأن كل مسألة لها حكم نفسها فكما لا يتعين الأول للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله، فكذلك في المسألة الأخرى وأما إذا عين العامي مذهبا معينا كمذهب الشافعي وأبي حنيفة، وقال أنا على مذهبه وملتزم له فيجوز قوم اتباع غيره في مسألة من المسائل نظرا إلى أن التزام ذلك المذهب غير ملزوم له، ومنعه آخرون لأن التزامه ملزوم له كما لو التزمه في حكم حادثة معينة والمختار التفصيل وهو أن كل مسألة من مذهب الأول أن اتصل عمله بها فليس له تقليد الغير فيها وما لم يتصل عمله بها فلا مانع من اتباع غيره، وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يذكر في هذه المسألة إجماعين أحدهما إجماع الصحابة المتقدم ذكره والثاني إجماع الأمة على أن من أسلم لا يجب عليه اتباع إمام معين بل هو مخير، فإذا قلد معينا وجب أن يبقى ذلك التخيير الجمع عليه حتى يحصل دليل على رفعه، لاسيما الإجماع لا يدفع إلا بما هو مثله من القوة (انتهى كلام القرافي) نقله الحطاب في شرح المختصر (الربع الخامس) قال الشيخ زروق في القاعدة الرابعة والأربعين من قواعده ما دون كلام الأئمة في كل فن حجة لثبوته، فتداوله، ومعرفة أصله وصحة معناه، واتضاح مبناه وتداوله واشتهار مسائله عند أئمته مع اتصال كل عمن قبله، فلذلك صح اتباعها ولزم وأن انقرضت الروايات في إفرادها، وغير المرونة ليست كذلك فلا يصح الأخذ بها لانقراض حملتها واحتمال جعلتها وقد يخص ذلك ويعم كانقراض مذهب الليثي والسفياني عموما وسائر المذاهب سوى المالكي من المغرب والشافعي بالعجم والحنفي بالروم فأما الحنبلي فلا يوجد إلا مع غيره، فلزم كل ما تمكن معرفة صحة نقله إلا ما احتمل ولهذا أفتى سحنون بأنه لا يفتي بالمغرب بغير مذهب مالك ونحوه لابن الكاتب عند أهل مصر إذا العامي لا مذهب له لتوفر المذاهب في حقه عندهم، حتى رأيت لهم على ذلك فروعا جمة وفتاوى والله أعلم، وهنا انتهى ما رمنا إيراده والله تعلى أعلم، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وكتبه العبد الفقير إلى الله محمد ابن عبد السلام كان الله له وتولاه.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here