islamaumaroc

النقد في الأدب العربي

  دعوة الحق

136 العدد

ولد النقد في الآداب جميعا يوم ولدت هذه الآداب، لأن الفنون كلها مدعاة إلى إبداء الرأي فيها من جانب الناس والناس جميعا مجبولون على الاختلاف، منطبعون على التناخر في كل شيء يعرض لهم، لأن الطبيعة إراداتهم على هذا الشكل، ولأن الخالق جل علا قال في كتابه العزيز: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة)، وهو سبحانه وتعالى إنما أراد بآيته الكريمة أن يدلك على أن كل شيء في هذه الحياة نسبي، فاتت قد تحب شيئا وغيرك يكرهه وقد يكون معك الحق، كما يكون الحق مع غيرك في كثير من الأحيان ومع ذلك فأنتما مختلفان تتناقشان وتتلاحيان دون أن تصلا إلى نتيجة ترضى أو نهاية تقنع.
والنقد في المعجم مأخوذ من فعل "نقد" وهو تمييز الدراهم والنظر إليها لمعرفة جيدها من رديئها، وقد استعبر هذا اللفظ للكلام فقيل: نقد الكلام بمعنى أظهر ما فيه من العيب ويدخل في بابه: نقد وتناقد وانتقد وكلها تؤدي إلى معنى واحد، هو التفريق بين الغث والسمين.
فالناقد إذن هو الذي ينظر للأثر الأدبي فيتفحصه ويظهر ما فيه من عيب ويترك ما فيه من حسن فيدل بذلك القارئ على مواطن الجمال وتعاونه على فهم الأثر تفهما سريعا لا يحتاج إلى جهد كبير أو عناء خطير.
 عرف العرب النقد منذ القديم فصنعوا الشعراء حسبما جاؤوا وحددوا لكل منهم صنفه وبينوا له مكانه من جماعته، فزهير إذا رغب وامرؤ القيس إذا طرب والأعشي إذا شرب وعنترة إذا غضب إلى آخر هذه التعابير التي التزم فيها السجع، ولكنها مع هذا اللون من التكلف، تدل على أن هنالك تفريقا بين ألوان الشعر المختلفة، وأن هنالك نقدا بدائيا لا يلبث أن يصبح نقدا فيما يعمل فيه الفكر لا الغريزة وحدها ويشتغل به العقل لا الفطرة فقط.
 وتقدم النقد بعض التقدم حين شعر الناس بالحاجة إليه لتعزيز الشعر وتكريمه والدلالة على ما فيه من مزايا ولإيجاد التنافس والتنافس والتوازن بين الشعراء، فأخذ شكلا فنيا، وأصبحت تقام له الأسواق ويختار الحكم من بين الشعراء الناقدين فيأتي الشعراء في الموسم فيعرضون شعرهم على الحكم المقصود فينظر في تفضيل الشاعر من بين الشعراء الذين يتقدمون بإنتاجهم خلال هذا الموسم، وذلك نوع من التباري كهذه المباريات التي نشاهدها اليوم في الفنون والرياضة والصناعة وغيرها، وكانت أشهر سوق في الجاهلية هي سوق عكاظ بظاهر مكة، وكان أشهر الناقدين فيها الشاعر الكبير النابغة الذبياتي، كان يأتي الشاعر فيقرأ قصيده على الحكم فيستمع إليه ثم يستمع إلى غيره ويأخذ فكرة عن كل قصيدة، وكان للحكم هذا أعوان يجلسون إلى جانبه يقيدون ملاحظاته ويساعدونه على إعطاء الرأي الأخير الذي يخرج به الشاعر الفائز وهو أكبر شعراء الموسم بالنسبة لجميع القبائل العربية التي كانت تجتمع في هذه الأسواق أياما معدودات من كل عام.
 ولكي نلم بطريقة هذا النقد المرتجل الذي يدل على الذكاء المتوقد؛ وإن لم يدل على الدراسة الصحيحة المنظمة؛ فإني سأعرض عليك حكاية من هذا النقد تعطيك صورة تقريبية عنه.
أنشدت الشاعرة الخنساء قصيدة من شعرها، فأعجب بها الحكم وقال لها: لقد كنت شاعرة الموسم لو لم يكن فيه حسان بن ثابت الأنصاري، فهاجت هذه الكلمة حفيظة الخنساء وجبهت الحكم بقولها: أنا أشعر منك ومنه، فانبرى لها مهتاجا كاهتياجها وقال تعالى نرى قصيدتك لتعلمي ما بها من عيب غير خفي، لقد قلت:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى
                     وأسيافنا يقطرن من نجدة دمJا
 قلت: "الجفنات" وهي ما دون العشر وكان عليك أن تقولي الجفان لأنها تدل على الكثرة، وقلت: "الغر" وكان يجب أن تقولي "البيض" لأن البياض أدل على الظهور، وقلت "يلمعن" وكان عليك أن تقولي "يسطعن" لأن السطوع أقوى من اللمعان، وقلت في "الضحى" وكان عليك أن تقولي في "الدجى" لأن الضيف أكثر طروقا في الليل، وقلت "أسيافنا" و"سيوفنا" تدل على الكثرة الكاثرة، ولقد سكتت الخنساء لأن هذه الآراء كانت تناسب ذلك العصر الذي كان يعنى أهله بالمبالغات، ولو كانت في هذه الأيام لكانت أقرب إلى الواقع وأوزن في ميزان الشعر عندنا، ولكنني أحببت أن أقدم لك لونا من هذا النقد البسيط الساذج لتطلع عليه اطلاعا يعينك على تفهم الفكر الشعرية في ذلك الزمن.
 وتدرج النقد بعد ذلك، وكان يتميز بطابعين اثنين أولهما أنه كان يتناول الشعر فحسب لأن النثر لم يكن بالشيء المتداول المعروف لولا بعض أسجاع الكهان وبعض الكتب الحربية أو السياسية، فلما جاء القرآن الكريم وجد حديث جديد وكلام لا سابقة له، فكان أرفع من النقد وكان أسمى من أن يتناوله فكر أو يجرؤ على نقده عقل، ولكن المشركين حاولوا بعض التقليد لآياته فأخفقوا إخفاقا ذريعا وكانوا أضحوكة أنفسهم وموضع نقمة واحتقار المسلمين مما زادهم تمسكا بالقرآن وعناية بجمعه وتحفظه.
 وجاء العصر الإسلامي فسكت الشعر إلا أقله وسكت معه النقد سكوتا طويلا لم يتحرك بعده حتى جاء صدر العهد الأموي حين تناحر الشعراء الثلاثة جرير والفرزدق والأخطل، وكانت الغلبة متنقلة بينهم والانتصار متبادلا، وكان الناقدون يلحون في تأريث الثأر وإيقادها حتى تقع المعارك الشعرية وتلتحم الجبهات الفنية فيتولد عن ذلك تله شعر هو في غاية الجودة لولا ما كان فيه من هجاء وفسوق قد يخرجان أحيانا عن الأدب الذي يصلح لكل قارئ.
 وتقدم الشعر والنقد يمشيان حثيثا نحو العصر العباسي؟، وهذا عصر لا يشبه ما سبق من عصور، فلقد دخلت فيه ثقافة جديدة كانت عنصرا غريبا أول الأمر، ثم اندغمت به وتمثلتها النفس العربية القريبة منها فصارت بعضها وأصبحت هذه الثقافة الإسلامية لونا آخر بالنسبة لما كان، وأصبحت ترى في الشعر كلمات ومعاني وصورا وأخيلة ممتاز من غيرها بالطرافة والجدة، عرف الناس الرسالة الأولى في النقد وهي التي كتبها قدامة وبحث بها مختلف وجوه الشعر في أول عهده الجديد، وجاء الإسلام الجمحي فعين طبقات الشعراء، ثم الطبري وابن الأثير، ثم الجاحظ وابن قتيبة.
كما ظهر في المغرب ابن رشيق القيرواني صاحب العمدة وهو أول الكتب التي يرجع غليها في نقد الأدب القديم.
 إذن فإن النقد في هذا الطور قد تناول الكتاب إلى جانب الشعراء، لأن الكتابة قد باتت فنا مستقلا له ملكته واختصاصه، وجماعته والمدافعون عنه، كما أن هذا النقد قد جعل من نفسه فنا مستقلا عن الكتابة والشعر الفنيين الخالصين.
 وانقطع الحبل بين النقد والشعر بعد ذلك لأن الشعر قد تدنى فبعد عن مكانه الأول وأصبح لا يزيد على أن يكون مجموعة من المحسنات البديعة المكرورة المملولة، وأصبح النقد منحطا تبعا للشعر وبات بحثا يقتصر على هذه المحسنات وهي ليست بذات غناء.
وظل الأدب العربي على جموده هذا في عصر الطوائف والعصر التركي إلى أن جاء العهد الأخير، وكانت شرارة الفن قد انبثقت في مصر، وبدأ الشعر في أول الأمر على يد البارودي وصبري وتبعهما شوقي وحافظ ومطران فكان لهذا الثالوث الفضل الأول في تركيز الفكرة الشعرية وجعلها في مكان معلوم الحدود والمعالم.
 وفي مطلع الحرب العامة قام نفر من الكتاب الناقدين ممن درسوا أصول النقد الأوربي الحديث فتعاونوا على إيجاد الفن النقدي الحديث وكان على رأس أولئك العقاد والمارني وطه حسين والرافعي وإسماعيل مظهر، هؤلاء هم الذين أدخلوا فكرة النقد الحديث على الأدب العربي وكان همهم أولا أن يهاجموا الفن الجامد، وكان هذا الفن مصدره شوقي وحافظ، ومطران كما قلنا، وكان للشعراء الثلاثة شيء من القداسة عند الناس، فإنما هوجمت هذه القداسة انقلب الهجوم إلى شهرة نالها الكتاب الشباب، إذ وجد الناس عندهم بعض الحق، ورأوا فيما يكتبون قضية علمية تدرس وتتناقل وتكتب كما تكتب النظريات العلمية والآراء الواقعية.
وسكت الشعراء الثلاثة فما يبدئون وما يعبدون، وقالوا أن السكوت من ذهب، ولكن شوقي ألمع إلى هذا النقد القاسي فقصد العقاد ببيت خالد من الشعر قال فيه:
ومن النقد والجــدال كــلام
             يشبه البغي والخنى والفضولا
وهو من قصيدته التي رنى بها صديقه أمين الرافعي ومطلعها:
مال أحبتـابه خليــلا خليــلا
             وتولــى اللــذات إلا قليــــلا
نصلوا أمس من غبار الليالي
              ومضى وحده يحث الرحيلا
 ولقد كان العقاد قاسيا على شوقي، وكان نقده مشوبا بهذا الحنق الشخصي والحسد الذي يعتري الشباب من رجال الفنون فيصرفهم عن كثير من المنطق والإنصاف، والعقاد أعرف الناس بمواطن الحسن في الشعر، أفليس عجيبا بعد هذا أن يذهل عن كل هذه المواطن عند شوقي؟؟؟
إذن فالنقد العربي الحديث مأخوذ في أكثره عن النقد الأفرنجي الذي اشتهر به ووضع أسسه سانت بوف وتين وجول لوميتر وأميل فاكيه وأناطول فرانس ولانسون من الفرنسيين، والدكتور جونسون وهازلت وغيرهما من الإنجليز.
 وهذه الأساليب النقدية المدروسة هي التي طبعت نقدنا الجديد بطابعها فأصبحت تعتمد على نقد الإحساس الشعري، وباتت تنظر إلى الفن كوحدة مستقلة توضع على منصة البحث لتلقي كل تحليل وتعليق وشرح.
 وخير النقد ما كان هدفه الواقع وميزاته التجرد والحياد لأن النظرة التي تميلها النفس قد تتأثر بكثير من العوامل على أن هذه الواقعية قد تكون غير ممكنة، والإنسان لا يستطيع أن يتجرد من دوافعه الشخصية، إلا أنه يمكن أن يحاول التقرب من هذا الهدف الأسمى وهو التجرد الكامل والواقعية المطلقة، وهذه أعلى درجات النقد، أما أيمنا هذه فتكاد تخلو من هذا الفن، الذي هو النقد، لأن الآثار الأدبية قد ضعفت قيمتها الفنية وأصبحت في مرتبة لا تستحق معها أن تنتقد وأن ينظر إليها بعين الناقد المثقب.
 وكيف تريد أن يكون هنالك نقد، وهذه الرزية الشعرية ما زالت تهيمن على الأدب، وما زالت فكرة التجديد الخاطئة تمعن في الفن تهديما وتخريبا، ولعمري أن المنصف الأديب ليحار في هذا الاتجاه وغيره من الاتجاهات الدخيلة، وطيف تسنى لها أن تدخل في أجوائها وأن تحول دون تطورنا التطور الطبيعي، ولقد تساؤل أحد الدعاة لهذه الطرائق الفنية الهدامة عن شاعرية بشارة الخوري مثلا أو بدوي الجبل فيقول لك أنهما أحسن شعراء هذا العصر وتعجب له فتسأله: لم لم يجر على منوال هذين الشاعرين فينظم أو يكتب على الطريقة العربية المألوفة التي لا تضيف عن تجديد ولا تعجز عن تطور، فيجيبك أن العصر الحديث يتطلب هذا، ولو كان هذا الذي يتطلبه العصر بعيدا عن الفن أو العبقرية.
 فالنقد الآن إذن مشلول بعض الشيء لأنه لا يجد أمامه موضوعا يعمل فيه، وكيف ننقد الأسلوب ولا أسلوب، أم كيف نتفحص القوافي وهي مشعشعة متفرقة، لا يربط بينهما روابط ولا يجمعها جامع.
لقد استهان الناظمون هذه الأيام بالقافية وما البحر والأسلوب، وأصبح هذا الشعر الجديد الذي تقرؤه مجرد محاولات، أو مخالفات، أن صح هذا التعبير.
 إذن فالنقد والقراء في محنة صعبة هذه الأيام، وأنا لنرجو أن تنجلي هذه المحنة فيعود الشعر والأدب إلى مجراهما الطبيعي ويعود معهما النقد أحسن ما كان.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here