islamaumaroc

بائعة الوقيد الصغير

  دعوة الحق

136 العدد

(كثيرا ما تتوالى أعياد الإنسان ومواسمه فيحتفل بذلك أيما احتفال، فغير بعيد مر عيد الفطر المبارك، وفي هذه الأيام يحتفل المسيحيون بأعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة، وعما قريب سيحتفل المسلمون بعيد الأضحى الأبرك، ولعل الكثير من الناس لا يفكرون – وهم يحتفلون بمراسيمهم – إلا في المنافع الذاتية وفي الملذات وإرضاء الشهوات، وفي التنعم بفاخر الملابس وثمين المآكل والمشارب، ولعل القليل منهم هم اللذين يدركون ويشعرون بأن هناك فيما حولهم وبين ظهرانيهم تعيش أرواح بشرية أخرى لا تجد ما تتفق، وتقاسي الأمرين من آلام الحرمان، ثم لعل أقل من القليل هم الذين يسارعون إلى الخيرات فيكفكفون دموع المحرومين، ويخففون – شيئا ما – من آلامهم.
منذ سنوات عديدة قرأت لشاعر أحمد الصافي النجفي قصيدة رائعة عن "اليتيم في العيد" فتأثرت لها كثيرا، وفي المدة الأخيرة أطلعت على أقصوصة في أصلها الإنجليزي فأعجبتني وأردت تعريبها ليعم النفع بها، تحمل الأقصوصة عنوان "بائعة الوقيد الصغيرة"، وهي تدور حول ليلة من ليالي رأس السنة الميلادية، وتبدأ هكذا...)
"كان البرد شديدا، والثلج يتساقط كنديف القطن، وكان الليل حالك السواد، لأن القمر كان في المحاق، والوقت آخر الشهر من السنة الميلادية التي بدت وكأنها أعيت في سيرها فقررت أن تنهي مطافها وتلقي عصا التسيار، لتخلي السبيل لسنة أخرى جديدة توشك أن تظهر على مسرح الأحداث الزمنية.
ووسط هذا البرد القارس، والظلام الحالك، كانت تتجول في الشوارع بنت صغيرة، عارية الرأس، حافية القدمين، حقيقة أنها كانت منتعلة حينما خرجت من المنزل، ولكن حذاءها الذي كانت تلبسه، لم يكن ذا فائدة كبيرة لها، لأنه كان أكبر حجما من قدميها، كما كان يعوقها عن الحركة الخفيفة، ومع ذلك كانت تعزه، وكيف لا وهو حذاء والدتها الذي تركته وراءها فورثته البنت وظلت تفخر به وتستخدمه !؟ غير أن المقادير لم ترحمها إذ سطت على الحذاء فأفقدتها إياه حينما جرت المسكينة مسرعة في أحد الشوارع لتتفادى الاصطدام بسيارتين كانتا تعبران الشارع بسرعة مذهلة.
لقد فقدت البنت حذاءها، بل ثروتها العزيزة، ففردة منه لم تعثر لها على أثر، أما الفردة الثانية فوقعت في يد صبي جرى بها قائلا "لعلها تنفعني في المستقبل عندما أبلغ من الكبر عتيا، ويكون لي أولاد من نسلي".
  وواصلت الطفلة سيرها بقدمين صغيرتين حافيتين تحمران حينا وتزرقان أحيانا بفعل البرد الشديد، وكانت تحمل في مئزر لها قديم، كمية من الوقيد، وتمسك بيدها حفنة منه، ولكن أحدا لم يشتر منها أية وقيدة طوال ذلك اليوم، كما أن أحدا لم يتفضل عليها فيمنحها أي فلس.
وبتت تدب مرتجفة من البرد والجوع، لقد كانت صورة مجسمة من البؤس والشقاء، مسكينة هذه الصغيرة ! لقد غطت ندفات الثلج شعرها الطويل الذي يشبه خيوط الكتان، والذي كانت خصلاته الرشيقة تتدلى حول عنقها في غير اكتراث منها.
كانت الأنوار تشع من جميع النوافذ، وكانت تشيع في الجو رائحة لذيذة تتصاعد من طبيخ الديك الرومي الذي اعتاد القوم ازدراده عشية رأس السنة الجديدة، وفي رحاب هذا الجو العبق، رأت البنت الصغيرة أن تتخذ لها موقعا، فانتحت ناحية وانزوت في ركن بين منزلين، وخرت على ركبتيها جالسة، ومفترشة في نفس الوقت ساقيها وأخمص قدميها، ثم سحبت رجليها الصغيرتين من تحتها، ولكنها شعرت ببرودة أكثر من ذي قبل.
لم تجرؤ المسكينة على العودة على المنزل، لأنها لم تبع فلس واحد... إن أباها سينهال عليها ضربا إن هي فعلت، ثم إن البرد ما فتئ شديدا بين جدران ذلك المنزل الذي لا يظلله إلا سقف هو أوهي من بيت العنكبوت، فالريح تصفر من خلال فتحات السقف الصغيرة، أما الكبيرة فقد سدت بأطراف من الحصر والقش كان مفروضا أن تقي ساكني البيت من البرد، ولكن هيهات !
كادت يدا البنت الصغيرة تتجمدان، واحسرتاه ! ثم أن وقيدة واحدة يمكن أن تكون ذات جدوى في هذا السبيل، فلو أخذت وقيدة واحدة من الرزمة، وحكتها مع الحائط، لدفأت أصابعها التي أمست مخدرة من أثر الصقيع الذي لا يرحم.
 وأخيرا، أخذت واحدة وأصغت إلى صوت إشعالها، ويست ! ويست ! عجبا لها كيف تنشر شعاعها وكيف تحترق؟... لقد أحدثت الوقيدة دفئا بلهيبها اللامع الذي يشبه قنديلا صغيرا ودفئت يدا البنت حينما وضعتهما حول اللهب لقد كان اللهب في الواقع ضوءا صغيرا لكنه مدهش، فقد استطاع أن يثير في الطفلة أحلام يقظة، فبدأ لها وكأنها جالسة أمام مدفأة حديدية كبيرة ذات أقدام نحاسية لامعة، ومعها محراك وملقط من نحاس أيضا.
 واشتعلت الوقيدة بقوة وكان نورها يؤذن بالرحيل، وشعرت المخلوقة الصغيرة بأنها قد دفئت نوعا ما، وخطر لها أن تخرج رجليها لتدفئهما كذلك، وحينما انطفأ اللهب، - اختفت بانطفائه – المدفأة، ولم يترك اللهب في يدها أثرا غير عقب الوقيدة الصغيرة الذي لم يتقد.
اشتعلت وقيدة أخرى، وجلست هذه المرة تحت شجرة من أشجار عيد الميلاد، كانت أكبر وأفخم زينة من الشجرة التي كانت رأتها آخر مرة من خلال باب زجاجي بدار أحد الأثرياء، وكانت تشتعل على أغصانها ألف شمعة صغيرة، وبدت الشجرة لعينيها وكان فوقها صورا مرحة تطل عليها، ثم انطفأت الوقيدة.
 وباتت أنوار أعياد الميلاد والسنة الجديدة متلألئة ومحتفظة بارتفاعها، فبدت وكأنها نجوم تتراقص أضواؤها في السماء، وسقط من بين النجوم اللامعة أحد المذنبات تاركا وراءه عمودا طويلا من نور، فظنت الصغيرة أن أحد العظماء يحتضر، ويعاني حشرجة الموت، فالمغفور لها جدتها – وهي الوحيدة التي أحبتها – كانت قد أخبرتها بأنه إذا سقط نجم من السماء، فتلك علامة على أن روحا بشرية تصعد إلى بارئها.
ومرة أخرى حكت الصغيرة وقيدة مع الحائط، فانبثق منها نور أضاء ما حوله، وفي الضياء بدت جدتها العجوز واقفة، واضحة الملامح، لامعة كالروح الطاهرة، ومع ذلك بدت وديعة، هادئة، حنونا.
 وظهرت على الصغيرة لهفة، بدرت منها على أثرها صيحة "جدتي ! خذيني معك ! إني أعرف أنك ستفرين مني حينما تنطفئ الوقيدة، وستختفين مثلما اختفت المدفأة من قبل، وشجرة عيد الميلاد الكبيرة البديعة".
 قالت هذا وأسرعت لتشعل رزمة كاملة من الوقيدة، لأنها كانت راغبة في أن تحتفظ بجدتها إلى جوارها أطول مدة ممكنة... وأعطت الوقيدات نورا أسطع من رابعة النهار، ولم تظهر جدتها جميلة أو كبيرة كما بدت من قبل، بل احتضنت الجدة حفيدتها بين ذراعيها وطارت بها تجاه السماء، وكلتاهما يغمرها المرح والانشراح، طارتا بعيدا، بعيدا، فوق منتهى البصر البشري، حيث لم يكن لا برد، ولا جوع، ولا حذر من أن يوجد برد أو جوع، لأنهما طارتا على الأرض الخصبة الدافئة، إلى الدار الآخرة.
 وفي صباح أول يوم من السنة الجديد، وجدت المسكينة مستندة على الحائط بخديها الأحمرين، وفمها الباسم، وكان الابتسامة تجمدت على شفتيها بفعل الزمهرير... وجدت الطفلة جالسة في جمود الموت وتصلبه، وهي لا تزال ممسكة بحزمة الوقيدات التي كانت أشعلتها.
قال الناس وهم سكارى من نشوة العيد والشبع والمرح: "لقد حاولت أن تدفئ نفسها"، نعم قالوا هذا ولكن أحدا منهم لم يحلم بالأشياء الجميلة التي رأتها بائعة الوقيد الصغيرة، ولا خطر بباله ذلك البهاء والرونق الذي دخلت به أفراح السنة الجديدة".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here