islamaumaroc

حول [كتاب] الكامل للمبرد -2-

  دعوة الحق

136 العدد

  "قال المبرد وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بأحبكم إلي، وأقربكم مني مجالس يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون إلا أخبركم بأبغضكم إلي وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة الثرثارون المتفيهقون".
هذا الحديث أخرجه الترمذي في السنن عن جابر بن عبد الله بعنوان باب ما جاء في معالي الأخلاق وقال هذا حديث حسن غريب، العارضة ج 8 ص 174.
  وروى البخاري شطره الأول عن عبد الله بم مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ: أن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا، ج 7 فتح الباري ص 80 ط بولاق، ورواه أحمد عن أبي ثعلبة الخشني وروائه رواة الصحيح قال الحافظ المنذري والمتفيهق في الحديث أصله من الفهق وهو الامتلاء وهو بمعنى المتمشدق لأنه الذي يملأ فمه بالكلام، وتوسع فيه إظهارا لفصاحته وفضله واستعلاء على غيره، لهذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالمتكبر (الترغيب والترهيب – ص 489 – ط الهند).
وأخرج أحمد وأبو داوود عن رافع بن مكيث وكان من شهداء الحديبية أن رسول الله (ص) قال: حسن الخلق نماء وسوء الخلق شؤم وفي إسنادهما رأوا لم يسم وبقية إسناده ثقات.
  وكلمة إحسانكم الواردة في الحديث جاءت بلفظ الجمع، وأفعل التفصيل إذا كان مضافا إلى معرفة جاز فيه أن يطابق موصوفه وألا يطابقه، أما إذا لم يقصد به التفضيل فتجب فيه المطابقة، وهو هنا جاء بلفظ الجمع إحسانكم واحدة أحسن قال في المنجد الأحسن تفضيل الحسن ج أحاسن م حسنى وقد صغروه شذوذه فقالوا ما أحيسن فلانا وأحاسن القوم حسانهم أهـ... وهم حسنو الأخلاق الموطئو الأكناف ممن بشرهم النبي (ص) أنهم سيكونون أحب أصحابه إليه وأقربهم مجالس منه في الدار الآخرة.
  ولا يهم من كلمة أحاسن هنا ما تفيده صيغة أفعل من التفضيل بل يراد به من اتصف بكريم الأخلاق وحسنها بدليل قوله الموطئون أكنافا فليس أحب إلى رسول الله (ص) وأقرب إلى مجلسه من كان أحسن أخلاقا وأكثر زيادة فيها فقط بل تشمل الصفتان العليتان من هذه صفته، ومن كان حسن الأخلاق كريمها موطأ الأكناف كريم المعشر سهلا لينا، وقد وصف الله تعالى أصحاب النبي (ص) في القرآن فقال عنهم: "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم"... ووصفهم بالجد واليقظة والصلابة في الدين فقال: "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار".
ووصف هند بن أبي هالة الحسن بن علي أبن فاطمة رضي الله عنهم مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه فقال:
كان مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تثنى فلناته، متعادلين متفاضلون فه بالتقوى متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير يؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغريب إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير وإذا سكت تكلموا لا يتنازعوا عنده الحديث يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه.
أخرجه الترمذي في الشمائل عن الحسن بن علي قال سألت خالي فذكره.
قال ابن الأثير مادة وطأ من كتاب النهاية قوله صلى الله عليه وسلم الموطئون أكنافا مثل وحقيقته من التوطئة وهي التمهيد والتذليل، وفراش وطيء لا يؤذي جنب النائم، والأكناف الجوانب، أراد الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحبهم ولا يتأذى.
وتقول وطؤ يوطؤ وطأة ووطؤة صار وطيئا سهلا، ووطأة هيأه وسهاه، واستوطأ المركب وجده وطيئا، والطئة والطأة كالجعة والجعة ومنه قال الكميث:
أغشى المكاره أحيانا ويحملني
منه على طئة والدهر ذو نوب
أي على حالة لينة وهو مجاز.
ويقال للمضياف على سبيل المجاز رجل موطأ الأكناف إذا كان كريما دمث الأخلاق وهو في عيش وطيء، وأنا أحب وطأة العيش.
"قال أبو العباس المبرد: والثرثارون يعني الذين يكثرون الكلام تكلفا وتجاوزا وخروجا عن الحق" أهـ... ويقال رجل ثر، وثرثار متشدق كثير الكلام، والأنثى ثرة وثرثارة، والثرثرة في الكلام الكثرة والترديد، وفي الأكل الإكثار في تخليط قال المبرد: والثرثار نهر بعينه وإنما سمي به لكثرة مائه، قال البلاذري في الأنساب هو نهر ينزع من هرماس نصيبين ويفرغ في دجلة بين الكحيل ورأس الإبل وله يوم معروف:
قال الأخطل:
لعمري لقد لاقت سليم وعامــر
على جانب الثرثار راغية البكر
قال الزمخشري في أساس البلاغة مادة "رغا" وكانت عليهم كراغية البكر أي اشتدت عليهم كروغاء سقب ناقة صالح ثم أنشد البيت قال أي الشدة والشؤم.
وقال سيد علي المرصفي في شرح الكامل ص 21 ج أ يريد براغية البكر رغاء البكر توضع راغية موضع المصدر وهذه إحدى كلمات توضع موضع المصدر جاءت على فاعلة منها: لاغية، وثاغية، وعاقبة، وعافية، وخاتمة، والرغاء صوت الإبل يقال رغا البعير، ورغت الناقة يرغو إذا صوت، ومن المجاز أتاك خير له رغاء إذا كان كثيرا، وفلان يرغينا الحديث يقل منه كالرغوة ومنه قول الشاعر:
من البيض ترغينا سقاط حديثها
وتنكدنا لهو الحديــــث الممنــع
أي تستخرج منا الحديث الذي تمنعه إلا منها.
"قال المبرد قولة راغية البكر أراد أن بكر ثمود رغا فيهم فأهلكوا فضربته العرب مثلا وأكثرت فيه"
وراغية البكر من أمثال العرب، وعن أبي عمرو قولهم كانت عليهم كراغية البكر أي استؤصلوا استئصال، ويقال أيضا: كانت عليهم كراغية السقب يعنون رغاء بكر ثمود حين عقر الناقة قداد، وهو أحمر ثمود قال علقمة بن عبدة: رغا فوقهم سقب السماء فداحض والداحض والفاحص والماحص سواء يقال للشاة إذا ذبحت دحصت برجلها أي ضربت بها وقال الجعدي:
رأيت البكر بنــي ثمـــود
وأنت أراك بكر الأشعرينا
قاله لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وقال أيضا:
ورغا لهم سقب السماء وخنقت
مهج النفوس بكارب متزلـــــق
كارب يملأ النفوس كربا، ومتزلف دان، وقال أوس بن حجر:
رغا البكر فيهم رغوة حين أدبروا
فما كان عنهم رغوة البكــر تقلــع
"وثمار القلوب في المصاف والمنسوب" لأبي منصور الثعالبي ص 282.
وثمود قبيلة صالح نبي الله ورسوله، وكانت مسكنها بالحجر وموقعها بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، ومدائن صالح ظاهرة إلى اليوم، والمكان الذي فيه ديارهم يعرف إلى اليوم بفج الناقة، ويزعم أهل حضر موت أن ديار ثمود كانت من مستعمرات عاد وقد يؤيده قول الله تعالى حكاية لقول صالح لقومه: "واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا".
  وكانت ثمود قبل زمن موسى، وكان دينها عبادة الأصنام يتركونها مع الله تعالى فأرسل الله إليهم صالحا واعظا ومذكرا لهم ينعم الله عليهم وآياته، وأقام لهم الأدلة القاطعة على ضلالهم في عبادتهم، وعلى أن الله هو الذي تجب عبادته، وكانت آيته التي أيده الله بها فتنة لهم هي الناقة، وأنهم سيبقون سالمين على حال حسنة ما دامت سليمة لم يمسوها بسوء فإذا خالفوا أمر الله فيها حلت بهم نقمته قال تعالى في سورة الأعراف:
"وإلى ثمود أخاهم صالحا، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من الله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم، هذه ناقة الله لكم آية، فذروها تأكل في أرض الله، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم".
  وكان لها شرب ولقومه شرب يوم معلوم ومجموع الآيات الواردة في القرآن بشأن الناقة تدل على أن آية الله فيها إلا يتعرض لها أحد من ثمود بسوء في نفسها ولا في أكلها وشربها في الماء الخاص بها والذي كان قسمة بينهم وبينها، وأراد أشرافهم أن يؤمنوا بصالح فمنعهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم وكاهنهم، ولم يزالوا في سعة ورغد وكانت الناقة تصيف إذا جاء الحر يظهر الوادي فتهرب منها مواشيهم وتهبط إلى بطن الوادي في حره وجدبه، وتشتو في بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره في برد وجدب فأضر ذلك بمواشيهم للأمر الذي يريده الله بهم من البلاء والاختبار، فكبر ذلك عليهم فعنوا عن أمر ربهم فأجمعوا على عقرها فعقروها وذهبوا وراء سقيها ففر منهم إلى الحبل ورغا ثلاثا فرماه أحدهم بسهم فأصاب قلبه ثم وضعوا لحمه على لحم أمه واقتسموا لحمهما، فأنذرهم صالح بأن العذاب يحل بهم بعد ثلاث لما انتهكوا من حرمة الله، فكانوا يهزؤون منه، وستنجزونه ما أوعدهم به من العذاب، ثم استقر رأيهم على أن يقتلوه قبل مرور الثلاثة أيام ويفرغوا منه ومن أهله قبل أن يفرغ منهم، "فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، ولكن لا تحبون الناصحين" – "فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ، إن ربك هو القوي العزيز، وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كان لم يفنوا فيها، إلا أن ثمودا كفروا ربهم ألا بعد لثمود".
(قصص الأنبياء) للنجار ص 59 وما بعدها
وكان هلاك قوم صالح بالصاعقة أرسلت عليهم فدمرتهم، وقد عبر الله تعالى عنها تارة بالرجفة وأخرى بالطاغية وتارة بالصيحة.
أما صالح والذين معه فقد نجو قومهم إلى ناحية الرملة بفلسطين وأقاموا بها، وكانوا مائة وعشرين، أما الهالكون فكانوا خمسة آلاف بيت.
وقد أخرج "عبد الله بن حميد" في مسنده عن ابن أبي شيبة بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: اجتمع قريش يوما فقالوا انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ما يرد عليه، فقالوا ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة فقالوا أنت يا أبا الوليد فأتاه عتبة فقال يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، أنا والله ما رأينا سنحلة قط أشام على قومه منك، فرقت جماعتنا وشتتت أمرنا وعبت ديننا وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وان في قريش كاهنا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلتزجك عشرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرغت؟... قال: نعم !... فقال رسول الله (ص): "بسم الله الرحمن الرحيم حم، تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرأنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا، فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون، وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل أننا عاملون... إلى قوله تعالى: فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود".
فقال عتبة: حسبك ! ما عندك غير هذا؟ قال لا ! فرجع إلى قريش فقالوا: ما رواءك؟... قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته ! قالوا: فهل أجابك؟ فقال نعم ! ثم قال لا والذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، وقالوا ويلك ! يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال !... قال لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير الصاعقة.
رواه البيهقي وغيره عن الحاكم بزيادة قال الحافظ الهيثمي وفيه الأجلح الكندي وثقه يحيى بن معين وغيره وضعفه النسائي وبقية رجاله ثقات "حياة الصحابة ج 1 ص 30"
"الكامل للمبرد" قال علقمة بن عبدة الفحل:
رغا فوفهم سقب السماء فداحض
بشكتــه لــم يستلــب وسليـــــب
هذا علقمة التميمي ينتهي نسبه إلى نزار، ويقال له الفحل لأنه عارض أمرا القيس بشعره فغلبه، وكل شاعر غلب من هاجاه من الشعراء يلقب بالفحل.
وكان من خبره أن أمرا القيس تزوج امرأة من طي فنزل بهم علقمة فقال كل واحد منهما لصاحبه أنا أشعر منك فتحاكما إليها فأنشدها امرؤ القيس قوله:
خليلي مرا بي على أم جندب
لنقضي لبانات الفؤاد المعذب
حتى مر بقوله منها:
فللسوط الهدب وللساق درة (1)
وللزجر منه وقع أهوج متعب
وأنشدها علقمة قوله:
ذهبت من الهجران في غير مذهب
...... حتى انتهى إلى قوله:
فأدركهن ثانيا من عنانــــه
يمر كغيث رائح متخلب (2)
فقالت له: علقمة أشعر منك ! قالت لأنك زجرت فرسك وحركته بساقك وضربته بسوطك، وجاء هذا للصيد ثانيا من عنان، فغضب امرؤ القيس وقال ليس كما قلت ولكنك هويته، فطلقها فتزوجها علقمة بعد ذلك فسمي علقمة الفحل، وما زالت العرب تسميه بذبك.
وسقب السماء ولد الناقة الذكر يريد أصابهم حادث عظيم من جهة السماء لا تصل أيديهم إلى دفعه، والداحض الساقط، ومنه قول الله تعالى "حجتهم داحضة".
قال سيد علي المرصفي: والأجود رواية فداحض بالصاد وهو الذي يفحص بيديه ورجليه وهو يجود بنفسه، والشكة اسم لما يلبس من السلاح من شك في ثيابه يشك شكا لبسه، وكل شيء أدخلته في شيء فقد شككته، لم يستلب: لم يؤخذ ما عليه من سلاح، وسلب قد أخذ سلاحه.
وهذا البيت:
رغا فوقهم سقب السماء فداحض
بشكتــه لــــم يستلــب وسليــــب
من قصيدة له طويلة يمدح بها الحرث بن جبلة الغساني، وكان أسر أخاه شاسا فرحل إليه يطلب فكه ومطلعها:
طحا بك قلب في الحسان طروب
بعيد الشباب عصر حـان مشيــب
يكلفني ليلــى وقد شــط وليــــها
وعادت عواد بيننـــا وخطـــوب
إلى أن يقول:
فإن تسألوني بالنــــــاء فإننـــــي
خبيــــر بأدواء النســاء كيـــــب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله
فلبس له مــن ودهــن نصيـــــب
يردن ثراء المال حيث علمتــــه
وشرح شباب عندهن عجيـــــب
"الكامل للمبرد: وكذلك عين ثرة فإنما معناها غزيرة واسعة، قال عنترة:
جادت عليها كل عين ثرة
فتركن كل حديقة كالدرهم
وليست الثرة عند النحويين البصريين من فظة الثرثار ولكنها في معناها، ويجب أن يكون من الثرة ثرثارة"
يقول أبو العباس: أن العين من عيون الماء إذا كانت واسعة كما يقال لها ثرثارة يقال لها ثرة، وكلمة الثرثار مأخوذة منها لأنها لفظ ثلاثي وثرثار مزيد فيه.
وعنترة بن عمرو بن شداد، كانت أمه حبشية يقال لها زبيبة وهو أحد أغربة العرب الثلاثة الذين كانت أمهاتهم سوداوات، وثانيهم خفاف بن ندبة، والثالث السليك بين السلكة، وهذا البيت من قصيدته الطويلة المشهورة.
هل غادر الشعراء من متردم
أم هل عرفن الدار بعد توهـم
والضمير في جادت عليها يعود إلى الروضة المذكورة في البيت قبله، والضمير في تركن كل حديقة كالدرهم يعود إلى "كل عين ثرة" وتشبيه الحديقة التي غمرها الماء بالدرهم تشبيه لبياض ذلك الماء ببياض ذلك الدرهم، وفسره الأصمغي بأن الماء لما اجتمع استدار أعلاه فصار كدور الدرهم.
شرح القصائد العشر للخطيب التبريزي ص 190.
"الكامل للمبرد: وقوله صلى الله عليه وسلم المتفيهقون إنما هو بمنزلة قوله الثرثارون توكيد له، ومتفيهق متفعيل من قولهم فهق الغدير بفهق إذا امتلأ ماء فلم يكن فيه موضع مزيد".
هذا ما قاله المبرد، والذي في نص الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والتفيهقون قالوا قد علمنا الثرثارون فما المتفيهقون قال المتكبرون، قال الحافظ المندري هو المتكلم بملء شدقه تفاصحا وتعاظما واستعلاء على غيره وهو معنى التشدق، وقد ورد لفظه في الحديث كذلك، (الترغيب والترهيب ص 525 ط الهند)
وقال في ص 489 المتفيهق أصله من الفهق وهو الامتلاء وهو بمعنى المتشدق لأنه الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه إظهارا لفصاحته وفضله واستعلاء على غيره ولهذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالمتكبر.
فليس الثرثارون بمنزلة: "المتفيهقون" ذلك بمعنى كثير الكلام المتكلف المتجاوز للحق، وهذا معناه المتشدق المتكبر الممتلئ عجبا بنفسه المنتفخ زهوا بامتلاء شدقيه بالكلام اعتدادا بنفسه أنه من ذوي البيان والفصاحة والمنطق.
"الكامل للمبرد: قال الأعشى:
نفى الذم عن رهط المحلق جفنة
كجابية الشيخ العراقي تفهق"
الأعشى: هو الأعشى الأكبر، واسمه ميمون ابن قيس، وكان يقال لأبيه قتيل الجوع، سمي بذلك لأنه دخل غارا ليستظل به من الحر فوقعت صخرة من الجبل فسدت فم الغار فمات فيه جوعا، وهو أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولها، وهو أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد، وكان يغني بشعره فكانت العرب تسميه صناجة (3)
العرب وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ومدحه بقصيدته التي أولها:
ألم تكتحل عيناك ليلة أرمدا
وعادك ما عاد السليم المهدا
وفيها يقول لناقته:
فألبت لا أوتي لها مــن كلالـــــة
ولا من حفي حتى تزور محمـدا
نبي يرى ما لا يـــرون وذكـــره
أغار لعمري في البلاد وانجــــدا
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم
تراحي وتلفي من فواضــله يــــدا
فبلغ خبره قريشا وحاولوا صده، وما زال به أبو سفيان بن حرب حتى رده عن قصده ووفادته فجمعت له قريش مائة من الإبل بتحريض من أبي سفيان قالوا له ارجع إلى بلدك سنتك هذه حتى تنظر ما يصير إليه أمره فإن ظهرنا عليه كنت قد كسبت المائة الناقة، وإن ظهر علينا أتيته فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان في طريقه إليها رماه بعيره فقتله، وكان فتيان العرب إذا أرادوا أن يشربوا الخمر خرجوا إلى قبره فشربوا عنده وصبوا عليه فضلات أقداحهم.
وأما بيت الأعشى الذي استشهد به المبرد فقد أنشده الجوهري هكذا:
تروح على آل المحلق جفنة
كجابية الشيخ العراقي تفهق
قال الراغب: يقال جبيت الماء في الحوض جمعته، والحوض الجامع له جابية وجمعها جواب قال الله تعالى: "وجفان كالجوابي ومنه أستعير جبيت الخراج جباية، ومنه قول الله تعالى: "تجبى إليه ثمرات كل شيء" أ هـ
والجابية الحوض الذي يجبي فيه الماء للإبل، والجابية الحوض الضخم ويقال لفلان قدر كالخابية، وجفنة كالجابية ومن المجاز فلان يجنبي جبى المجد أي يقوم بالمجد ويجمعه لنفسه قال ذو الرمة:
وما زالت تسمو بالمعالي وتجتبي
جبى المجد قد شدت عليك المآزر
والجفنة في بيت الأعشى القصعة الكبيرة خصت بوعاء الأطعمة، وقيل للبئر الصغير جفنة تشبيها بها.
والمحلق على وزن معظم كما في القاموس لقب عبد العزي بن ختم لأن حصانا له عضه في خده وكانت العضة كالحلقة، هذا قول أبي عبيدة وفي لسان العرب أنه بكسر اللام ممدوح الأعشى وإياه عنى بقوله:
فشــب لمقرورين بصطليانهــــا
وبات على النار الندى والمحلـق
وقال أيضا:
تروج على آل المحــلق جفنـــة
كجابية الشيخ العراقــي تفهــــق
"الكامل للمبرد: قال أبو العباس: وذلك أن العراقي إذا تمكن من الماء ملأ جابيته لأنه حضري فلا يعرف مواقع الماء ولا محالة، وسمعت أعرابية تنشد: كجابية السيح تريد النهر الذي يجري على جابيته فماؤها لا ينقطع لأن النهر يحده، ومثل قول البصريين فيما ذكروا به الشيخ العراقي قول الشاعر:
لها ذنب ضاف وذفرى أسيلة
وخد كمرآة الغربيــة أسجــع
الشاعر هو ذو الرمة أبو الحارث غيلان بن عقبة، ينتهي نسبه لنزار وهو أحد فحول الشعراء، وأحد عشاق العرب المشهورين، وصاحبته مية ابنة مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم المنفري، وقيس ن عاصم هو الذي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم فأكرمه وقال له أنت سيد أهل الوبر (4)، وكان ذو الرمة كثيرالتثبيت بها في شعره، ومكثت زمانا تسمع شعره ولا تراه، فجعلت لله إذا رأته أن تنحر بدنة، فلما رأته رأت رجلا أسود ذميما وكانت من أهل الجمال فقالت وأسوءتاه وأبؤساه فقال ذو الرمة:
على وجه في مسحة من ملاحــة
ونح الثياب العار لو كان باديـــــا
ألم تـر أن المــاء يخبــث طعمــه
وإن كان لون الماء أبيض صافيـا
فيا ضيعة الشعر الذي نج فانقضى
بمى فلم أملـــتك ضــلال فؤاديــا
ثم شبب بخرفاء من بني البطاء بن عامر، والخرقاء التي لا تعمل شيئا لكرامتها على أهلها.
ومر بها المفضل الضبي فسألته هل حججت قط قال غير مرة قالت فما منعك من زيارتي أما علمت أني منسك من مناسك الحج قال وكيف ذلك قالت أما سمعت قول عمك ذي الرمة:
تمام الحج أن تقف المطايا
على خرقاء واضعة اللثام
ولما حضرته الوفاة قال:
يا قابض الروح عن نفسي إذا احتضرت
وغافر الذنب زحزحني عن التيار
وتوفي سنة سبع عشرة ومائة رحمه الله.

- معاهد التنصيص -
وبيت ذي الرمة الذي استشهد به المبرد من قصيدته الطويلة التي يشبب بها بمية ويصف ناقته "صيدحا" وسيره مع رفقة له ومطلعها:
أمنزلتي هي ســــلام عليكمتـــــا
على الناي والنائي يود وينصـــح
إلى أن قال في أواخرها:
إذا أرفض أطراف السياط وهللت
جروم المطايا عذبتهــن صــيـدح
لها إذن حشر وذفــرى أســيلـــة
ووجه كمرآة الغربيـــة أسجــــح
قال سيد علي المرصفي: رواية ذنب صاف غلط ورواية ديوانه له إذن حشر يصف ناقته صيدحا، وحشر بفتح وسكون دقيقة الطرف، وهو في الأصل مصدر حشر السكين والسنان يحشره أحده فارقه وألطفه، يوصف به الواحد والاثنان والجمع بلفظ واحد أهـ.
قال الزمخشري في الأساس: وإذن حشر وحشرة لطيفة مجتمعة، وفي لسان العرب قال ابن الأعرابي يستحب في البعير أن يكون حشر الإذن وكذلك يستحب في الناقة قال ذو الرمة:
لها إذن حشر وذفرى لطيفة
وخد كمرآة الغريبة أسجـح
قال الجوهري: آذان حشر لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر في الأصل مثل قولهم ماء غور وماء سكب وقد قيل إذن حشرة.
وأما الذفرى فهي من الناس ومن جميع الدواب من لدن المقد (5) إلى نصف القذال  وألفها للتأنيث، ومن العرب من يقول هذه ذفرى فيصرفها كأنهم يجعلون الألف فيها أصلية ويجمعونها على الذفاري.
وخذ الناقة كمرآة الغريبة البعيدة عن دارها ومجتمعها فهي في وسط غريب يقول المبرد في تفسير هذا التشبيه أن الغريبة لا ناصح لها في وجهها لبعدها عن أهلها فمرآتها دائما مجلوة لفرط حاجتها إليها، ولذلك جعل المبرد حرص الشيخ العراقي إذا تمكن من الماء أن يملأ جابيته مثل حرص المرأة الغريبة في هذا البيت على العناية بمرآتها والتعهد لها.
وقال أبو منصور الثعالبي: مرآة الغريبة مثل يضرب به فيقال أنقى من مرآة الغريبة لأن المرآة الغريبة تتعهد مرآتها من الجلاء بما لا يتعهده غيرها وتتفقد من محاسنها ومحاسن وجهها ما لا يتفقده سواها، فمرآتها أبدا مجلوة نقية، ثم قال: قال ذو الرمة:
وخد كمرآة الغريبة أسجح
(ثمار القلوب في المضاف والمنسوب ص 255)
وقال ابن بري خص مرآة الغريبة وهي التي لم تتزوج في قومها فلا تجد في نساء ذلك الحي من يعنى بها ويبين لها ما تحتاج إلى إصلاحه من عيب ونحوه فهي محتاجة إلى مرآتها التي ترى فيها ما ينكره فيها من رآها، فمرآتها لا تزال أبدا مجلوة. – لسان العرب مادة سجح –
وأسجح في بيت ذي الرمة:
لها ذنب ضاف وذفرى أسيلة
وخد كمرآة الغريبة أسجـــح
من السجح وهو لين الخد، وخد أسجع سهل طويل قليل اللحم واسع، وقد سجح سجحا، وخلق سجيح لين سهل، ويقال مشى فلان منيا سجحا، ومشية سجح أي سهلة، وورد في حديث علي رضي الله عنه يحرض أصحابه على القتال: وامشوا إلى الموت مشية سجحا.
وأورد صاحب لسان العرب بيت ذي الرمة هكذا:
لها إذن حشر وذفري أسيلة
ووجه كمرآة الغريبة أسجح
فقال وجه أسجح بين السجح أي حسن معتدل ثم أنشد البيت قال وأورد الأزهري هذا البيت شاهدا على لين الخد، قال والرواية المشهورة في البيت وخد أسجح.
"الكامل للمبرد: وتصديق ما فسرناه من قول الرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يريد الصدق في المنطق والقصد وترك ما لا يحتاج إليه قوله لجرير بن عبد الله البجلي: يا جرير إذا قلت فأوجز، وإذا بلغت حاجتك فلا تتكلف".
يشير المبرد إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي فسرناه آنفا: ألا أحبركم بأبغضكم إلي وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة الثرثارون المتفيهقون، ويريد بالقصد التوسط في منطق المتكلم بين طرف الإفراط والثرثرة والتفهيق وطرف التفريط وهي العجز والعي.
وجرير هو سيد قبيلته بجيلة وهي اسم أمهم وكان لهم أمر عظيم في فتح القادسية وقدمه عمر في هذه الحرب، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني في الأوسط عن جرير إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وقال فيه الشاعر:
لولا جرير هلكت بجيلة
نعم الفتى وبئست القبيلة
فقال عمر ما مدح من هجي قومه، وكان رسول علي إلى معاوية فحبسه مدة طويلة ثم رده فاعتزلهما معا، وسكن قرقيسيا حتى مات سنة 51، وفي الصحيح عنه قال ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم، وكان طويلا جميلا يشبه بيوسف لفرط جماله، رآه عمر متجردا فقال ما أرى أحدا من الناس صور صورته هذا إلا ذكر عن يوسف.
والتكلف في حديثه المنسوب له صلى الله عليه وسلم: "إذا بلغت حاجتك فلا تتكلف" اسم لما يفعل بمشقة، أو تصنع أو تشبع، ولذلك صار التكلف على ضربين: محمود وهو ما يتحراه الإنسان ليتوصل به إلى أن يصير الفعل الذي يتعاطاه سهلا عليه، ويصير كلفا به ومحيا له، وبهذا النظر يستعمل التكليف في تكلف العبادات، والثاني وهو المراد من الحديث وهو المذموم: ما يتحراه الإنسان مراءاة وإياه عنى بقوله تعالى: "قل ما أسألكم عليه من أجر، وما أنا من المتكلفين"، وقو النبي صلى الله عليه وسلم: أنا وأمتي برءاء من التكلف،

- الراغب في مفرداته -
فالمراد به إذن التصنع والتشبع والمراءاة، وقد صارت الكلفة في التعارف اسما للمشقة، ومن المعنى المحمود قولهم من لم يصبر على الكلف لم يصل إلى الزلف، وبمعنى المشقة والمصاعب قول زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمــانيــن حـــولا لا أبا لك بـــأم
والمتكلف المتعرض لما لا يعنيه

ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السوط يضرب به ج درر
(2) مخادع(1) الصنج آلة للطرب لها أوتار، والصناجة صاحب الصنج.
(3) أهل الوبر أهل البدو.
(4) المقد أصل الأذن
(5) القذال ما بين الأذنين من مؤخرة الرأس.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here