islamaumaroc

منهج الصوفية في نظر محي الدين بن عربي

  دعوة الحق

126 العدد

  يفرق محيي الدين بن عربي بصفة مطردة بين المنهج العقلي الاستدلالي الذي يستخدمه الفلاسفة، والمتكلمون أحيانا كثيرة، وبين منهج الصوفية في المعرفة، ويطلق عليه اسم الذوق، ولذا نراه يصف الأولين بأنهم أصحاب فكر لا ذوق، في حين يصف الآخرين بأنهم أصحاب أذواق وأحوال، لا أهل فكر واستدلال.
  ونريد أن نعرض هنا لفكرته عن الذوق الصوفي، الذي يسميه أيضا علم النظرة أو الضربة أو الرمية، وهو يشبه ما يطلق عليه المحدثون اسم الحدس العقلي أو الحسي (Intuition)، وفيه يسهم الخيال بأكبر نصيب.
  وهو يعرف لنا هذا الذوق الصوفي، في كتابه الفتوحات المكية، تعريفا رائعا، فيقول : أنه « ... أول مبادئ التجلي. وهو حال يفجأ العبد في قلبه، فإن أقام نفسين فصاعدا كان شربا». ثم أنه يخبرنا أن علمه إنما جاءه عن طريق الذوق، إذ يقول : «ورزقنا من هذا الفن ذوق النظرة»، ولكي يمكن فهم ما يريده بذوق النظرة، أو علم النظرة، فلنا أن نقارن بينه وبين العلم المفاجئ الذي يشرق في الخيال فجأة. وإنما سماه علم النظرة لأن العلم الذي يكتسب في مثل هذه الحال يشبه إدراك العين للأشياء المرئية التي يكشف عنها نور الشمس، رغم كثرة هذه المرئيات وبعدها عن العين، ويكون ذلك «في غير زمان مطول، بل في عين زمان اللمحة»، أي أنه يتم دون فاصل زمني، فالذوق إذن مشاهدة مفاجئة، أو تفكير لحظي تنمحي فيه أي فجوة زمنية تتسع لأي ضرب من ضروب الاستدلال العقلي. ويشبه وصف ابن عربي للذوق ما نجده عند كبار المفكرين الذين يرون أن الخيال العلمي يشبه النور الذي يسطع فجأة كلمح البصر، فيغمر الأشياء دفعة واحدة، ويكشف عن العلاقات بينها، ويفسرها على نحو مخالف لتفسيرنا إياها من قبل. وهذا هو ما عبر عنه «كلود برنار» فيما بعد، عندما قال : «قد يتفق أن تظل إحدى الظواهر أو الملاحظات فترة طويلة أمام ناظري العالم، دون أن توحي إليه بشيء ما، ثم يسطع النور فجأة فيفسر العقل الظاهرة نفسها على نحو مخالف تماما عن تفسيره إياها من قبل، وحينئذ تظهر الفكرة الجديدة كخطف البصر كما لو كانت وحيا مفاجئا ... » كذلك يشبه ذوق النظرة عند ابن عربي ما قاله «نيوتن» فيما بعد : «إذا كانت أبحاثي قد أدت إلى بعض النتائج المفيدة فذلك لأنها وليدة العمل والتفكير الوليد، إنني أجعل موضوع البحث نصب عيني دائم ثم أنتظر حتى تبدو الأشعة الأولى، وتسطع شيئا فشيئا حتى تنقلب ضوءا مفعما كاملا».
  كذلك نجد في فكرة ابن عربي عن انمحاء الفترة الزمنية بين الإشراق والمعرفة، أو بين السبب والمسبب، ما يمكن أن يتخذ أساسا لفكرة القانون العلمي بمعناها الحديث بل المعاصر، وهو القانون الذي يطلق عليه اسم العلامة الوظيفة Relation
Tonctionnelle حيث يحدث التأثير والتأثر في آن واحد، كما هي الحال في القوانين العلمية التي يعبر عنها بصيغ رياضية، والتي لا تصدق على فكرة السببية حتى بمعناها الحديث (1). ونحن نعلم أن فكرة القانون الوظيفي من أحدث الكشوف العلمية.
  ويرى ابن عربي أن قليلا من الناس من يرزق هذه الموهبة، التي تعتمد أساسا على حدة الخيال، ثم ترتكز إلى القدرة على تفصيل ما تحتوي عليه هذه النظرة الخيالية الإجمالية. فالذوق عند ابن عربي يشبه إذن أن يكون شيئا من هذا القبيل. ذلك أن الضربة أو اللحظة أو الرمية تتضمن جميع العلوم التي أودعها الله فيها. فإذا وقعت من الضارب أو الملاحظ أدرك جميع ما في قوة تلك الضربة، «مثل ما أعطت الضربة بنور الشمس جميع ما في قوة تلك الضربة من المبصرات». فإذا اتفق أن كشفت هذه الضربة أو الرمية عن قليل أو كثير من العلم فليس القصور راجعا إليها، بل القصور في قلب صاحبها، كما نجد من قصور العين المبصرة عن إدراك جميع ما تشرق عليه الشمس. ويلاحظ أن محيي الدين ابن عربي يربط بين ذوق النظرة وبين فكرة الاختراع (2).
  ثم نجده يؤكد لنا مرة أخرى أن الذوق يتم في غير زمن، وذلك لأن الأرواح، التي تختص بهذا الضرب من المعرفة، لا تتقيد بالمكان، ومن ثم فهي تدرك، في غير زمان، ما يمكن إدراكه في زمان أو في غير زمان. وهو يستشهد لذلك بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم من أن «الحق ضربه بين كتفيه أو في ظهره فوجد برد الأنامل بين ثدييه أو في صدره فعلم علم الأولين والآخرين».
ويخبرنا هذا الصوفي أنه لم يجد شيئا قيل عن علم النظرة يشبه ما اهتدى إليه فيقول : «فانظر ما تضمنته تلك الرمية، وما تضمنته تلك النظرة. أما النظرة رأيتها من نفسي. فنظرت نظرة. فعلمت بها ما نظرت إليه من جميع ما تضمنته تلك النظرة من العلوم. وهذا هو علم الأذواق. ومن هنا يعلم قول من قال : يسمع بما به يبصر، بما به يتكلم».
  واعترف من جانبي أنني كثيرا ما تساءلت، قبل العثور على هذا النص الحاسم، كيف أتيح لابن عربي أن يجمع هذا الخصم الذي لا ساحل له من النسق الفكري العجيب والترابط المذهل بين تفاصيل ما كتبه في كتابيه «الفتوحات المكية» و «فصوص الحكم»، وغيرهما من روائعه التي تجاوزت المئات من الكتب والرسائل، مع ما حوته هذه الكتابات من أدق تفاصيل الثقافة الإسلامية وغيرها من الثقافات والفلسفات السابقة للإسلام، ولا أغلوا أن أضفت اللاحقة له حتى عصرنا هذا- أقول كيف أتيح لهذا الرجل أن يحشد هذا كله في نسق عجيب يبدو لمن يعرفه غاية في الوضوح، رغم ما يبدو في أوائل الأمر من غموضه وكثرة أسراره وألغازه، مع الحرص على التعمية وكتمان الأسرار؟ لقد كنت أعجب، قبل أن يكشف لي هو عن منهجه الصوفي، منهج الذوق أو علم النظرة، كيف استطاع أن يبني هذا البناء المحكم المنسق الذي تتجمع فيه تفاصيل الفكر الإسلامي الضخم وتفاصيل غيره في هذه الوحدة المتكاملة المتجانسة التي لا يكاد ينبو منها تفاصيل عن أخيه ؟!
  حقا لقد وصف إنتاج ابن عربي، لدى المختصين في دراسته، بأنه مضطرب وغير متجانس، وربما قيل وقد قيل بالفعل، إن صاحب هذا الإنتاج مغرم بإيراد المتناقضات بصورة تكاد تكون مفتعلة. لكن هذا لا يمنع أن يجد آخرون أن ابن عربي تغلب عليه مسحة الفن، نظرا لما يلمسه هؤلاء من اتساق عجيب في إنتاجه الضخم، ولما يشعرون به من أن هذا المفكر ظل جديدا، رغم تقادم فلسفات حديثة كفلسفة «برجون» الذي أطال الحديث عن الذوق أو الحدس، ولم يترك لنا شيئا يمكن أن يقارن بما قاله ابن عربي في هذا الصدد. وحقيقة لم أجد شيئا يثير الإعجاب في فلسفة «برجون» التي أحيطت بهالة من التقدير، ولم أجد فيها شيئا يمكن أن ينهض على ساقيه، حتى يمكن أن يكتب عنه شيء، فضلا عن أن يقارن الآن بينه وبين محيي الدين بن عربي. وربما كان هذا هو السبب في التي لم اكتب شيئا عن «برجون» برغم كثرة ما قرأت له، ورغم أنني ترجمت أحد كتبه. وأقول أنني لم أكتب عنه شيئا خاصا، دون الشعور بالمرارة أو
الكراهية بسبب ما أضعت من وقت وجهد، إذ قلت أن هذا هو مدى جهده وطاقته. وأيا كان الأمر فإنني لم أجد تلك النظرة أو اللمحة التي تحفزني إلى الكتابة عنه، وربما وجدها غيري.
  هذا، ونجد عند ابن عربي في مواطن أخرى من كتاب الفتوحات المكية تفسيرا عجيبا وبديهيا في الوقت نفسه لتناسق مذهبه، وهو تفسير يعرف المرء من صدق تجاربه الخاصة. فهو يرى أنه، بعد هذه الضربة أو الرمية، تأتي التفاصيل من تلقاء نفسها لكي تتخذ مكانها في ذلك الإطار العام الذي كشفت عنه لحظة من لحظات الإشراق أو التجلي، فيبدو الأمر كليا مجملا ثم تتضح تفاصيله. وقد يكون التجلي خياليا أو عقليا ولا نريد هنا أن ندخل في دقائق فكرته. ويكفي أن نقتصر على ما ذكره بصدد الذوق الخيالي لنجد أن التجلي في الصور الخيالية يتم على مرحلتين. ففي المرحلة الأولى تعرض الصورة الخيالية كلية وغامضة. وهذا هو التخيل المبدئي الذي يعرض لصاحبه دون فكر أو روية. أما في المرحلة الثانية فتبدأ عملية خيالية شبه شعورية ترمي إلى تفصيل ما تضمنته النظرة الخيالية الأولى من تفاصيل. وبقدر كمال الخيال الثاني يكون الاتساق بين هذه التفاصيل.
وقد عبر عن فكرة تفصيل الخيال فقال : « أن الذوق يخرج عن حالة الجمعية إلى حالة التفرق» وتظهر الأشياء دفعة واحدة «وتتعلق كل صورة منها بمن كان أصلا في وجودها. فأما له، وأما عليه، فتتعلق بعينه صور بصره، وبإذنه تتعلق صور سمعه، وكذلك سائر حواسه في ظاهره، وتتعلق بباطنه صور أعمال باطنة، من أعمال فكره وخياله وسائر قواه الباطنية». فإن كانت توجب فرحا فرح وكذلك في جميع أحواله الوجدانية وغيرها»... وهذا من أعجب المشاهد، وقليل وأجده في هذه الدار من أهل الطريق، لعدم كشفهم وتحققهم وعلمهم بذلك».
  ويفسر لنا هذا سبب الاضطراب والتفاوت في إنتاج بعض المفكرين. فهو يرجع في نظر ابن عربي إلى أن هؤلاء لم يرزقوا علم النظرة وهو يقول في ذلك : «إن أكثر الناس على خلاف هذا الذوق ولهذا لا ينتظم كلامهم» ولئن أراد المرء أن ينظر في نتاج ما يصلون إليه ليجد أصلا أو أساسا يمكن أن يرجع إليه جميع كلامهم وأقوالهم فلن يجد شيئا. أما ابن عربي فإنه يحدثنا عن نفسه حديث الواثق فيقول: «إنه يعرف كيف يفصل النظرة الخيالية التي تشرق في نفسه، وكيف يجمع لها كل تفاصيلها ويربطها ربطا محكما». ومن حق كل أمريء أن يتساءل كيف استطاع هذا الرجل أن يجمع هذه الكثرة الهائلة من التفاصيل، وأن ينسق بينها، فتبدو متجانسة وغير متضاربة؟ .. أنه يكفينا ملونة التساؤل أو البحث عن علة هذا الاتساق العجيب الذي نلحظه في تياره النفسي المتدفق فيقول: « وكل ما نأتي، بعد ذلك، في جميع كلامنا، إنما هو تفصيل لذلك الأمر الكلي الذي تضمنته تلك النظرة. وكلامنا مرتبط بعضه ببعض لأنه عين واحدة وهذا تفصيلها، ويعرف ما قلناه من يعرف مناسبة آي القرآن في نسق بعضها إلى بعض، فيعرف الجامع بين الآيتين، وإن كان بينهما بعد ظاهر. فذلك صحيح ولكن لابد من وجه جامع بين الآيتين مناسب، هو الذي أعطى أن تكون هذه الآية مناسبة لما جاورها، لأنه نظم إلهي».
  أن ابن عربي يصر، كما نرى، على أن منهج الصوفية أقرب ما يكون إلى الإلهام، بل نراه يشبه اتساق كلامه باتساق كلام آيات القرآن. أنه شديد الاعتداد بنفسه، حريص على كتمان سره، لكنا نستطيع أن نفاجئه بين حين وآخر، يرفع الستار قليلا عن سره. لأنه يقول: أنه لا يزيد كلمة أو ينقض أخرى إلا لمعنى، وأن كلامه خال من الحشو. فلئن وجد فيه أحد شيئا من اللغو فاللغو عنده، لا عند ابن عربي.

موقف محيي الدين بن عربي من الفلسفة والفلاسفة :
في كثير من كتابات ابن عربي نجد نزعة واضحة إلى الحظ من شأن الفلسفة والمشتقلين بها، كما نراه حريصا كل الحرص عندما تعرض له المناسبة- على أن يؤكد لنا أنه لا يأخذ شيئا عن الفلاسفة، أما فيما يتصل بنزعة الاستخفاف بالمفكرين من أصحاب الاستدلال العقلي فأنا نجد مثالا واضحا لها في القصة التي رواها بنفسه عن لقائه مع الفيلسوف الأندلسي الكبير ابن رشد، وهي القصة التي ذكرها في كتابه الفتوحات المكية، وهي تنطوي على مغزى بعيد. فان ابن رشد يعد في نظره خاتمة لفلسفة
أرسطو عند المسلمين، في حين يمكننا القول بأن رحلة ابن عربي إلى المشرق تعد هي الأخرى رمزا لبعث فلسفة أفلاطون وفلسفة الإشراق في المشرق، بعد أن ظن الناس أن الإمام الغزالي قد بين تهافتها. ومما يدعم صحة هذا الرمز أن ابن عربي كان يلقب أحيانا بالأفلاطوني، وأنه كان يدافع عن أفلاطون.
  أما عن قصة لقائه مع ابن رشد فإنه يصفها لنا فيقول (3) «ولقد دخلت يوما بقرطبة على قاضيها أبي الوليد بن رشد، وكان يرغب في لقائي لما سمع، وبلغه ما فتح الله به علي في خلوتي، فكان يظهر التعجب مما يسمع، فبعثني والدي إليه في حاجة، قصدا منه حتى يجتمع بي، فإنه كان من أصدقائه، وأنا صبي ما يقل وجهي ولا طر شاربي. فعندما دخلت عليه قام من مكانه إلي محبة وإعظاما، فعانقني وقال لي: نعم. قلت له : نعم. فزاد فرحه بي لفهمي عنه. ثم إني استشعرت بما أفرحه من ذلك، قلت: لا. فانقبض وتغير لونه، وشك فيما عنده، وقال : كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي؟ هل هو ما أعطاها لنا النظر؟ قلت له : نعم لا، وبين «نعم » و «لا» تطير الأرواح من موادها، والأعناق من أجسادها. فاصفر وجهه وأخذه الأفكل، وقعد يحوقل، وعرف ما أشرت به إليه ... وطلب بعد ذلك الاجتماع بنا ليعرض ما عنده علينا هل هو يوافق أو يخالف، فإنه كان من أرباب الفكر والنظر العقلي ... ثم أردت الاجتماع به مرة ثانية. فأقيم لي، رحمه الله في الواقعة (الرؤيا) في صورة ضرب بيني وبينه فيها حجاب رفيق، انظر إليه منه ولا يبصرني ولا يعرف مكاني، وقد شغل بنفسه عني. فقلت : أنه غير مراد لما نحن فيه. فما اجتمعت به حتى درج، وذلك في سنة 595 بمدينة مراكش، ونقل إلى قرطبة وبها قبره. ولما جعل التابوت الذي فيه جسده على الدابة جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر، وأنا واقف ومعي الفقيه الأديب أبو الحسن محمد بن جبير ... وصاحبي أبو الحكم عمرو بن السراج الناسخ. فالتفت أبو الحكم إلينا، وقال : إلا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه؟ هذا الإمام وهذه أعماله، يعني تواليفه. قال له ابن جبير : يا ولدي نعم ما نظرت ! لا فض فوك. فقيدتها عندي موعظة وتذكرة، رحم الله جميعهم. وما بقي من تلك الجماعة غيري. وقلنا في ذلك :
                           هذا الإمــام وهـذه أعمــاله
                                             يــا ليث شعري هـل أتت آماله؟
  وواضح أن في سياق القصة مزيجا من السخرية بالتفكير الفلسفي، وتمجيدا لعلم آخر يحصل دون قراءة أو بحث أو إطلاع، بل يحدث عن ألقاء إلهي كما يقول ابن عربي، كما نجد فيها، إلى جانب ذلك، اشفاقا على ضياع عمر ابن رشد وجهده في محاولته التوفيق بين الدين والعقل. لقد كان هناك ستار ضرب بينه وابن رشد. لكن لست أدري ما سمك الستار الذي قد يحجب عني أسرار ابن عربي التي يلوح بها حينا بعد حين، وسيسعدني أن لو استطعت أن أزيح، قدر طاقتي، طرفا من هذا الستار في دراسات أخرى.
  وإذن ينبغي أن نتجه إلى القضية الأخرى التي يؤكد لنا فيها أنه لا يأخذ شيئا عن الفلاسفة. لقد رأينا أنه شديد الحرص على تأكيد هذه القضية. وربما أمكننا تفسير هذا الحرص من جانبه بأننا نلمس في كتاباته آثار ثقافة فلسفية واسعة شاملة، ونريد القول بذلك أن نؤكد، نحن من جانبنا مرة واحدة، أنه قد إطلع على شتى ضروب الفلسفات والآراء والأهواء والنحل، ولكنه هضم ذلك كله، وأخرجه في صورة فريدة قل أن يدانيه فيها أحد، حسبما نعلم من قراءتنا هنا وهناك لفلاسفة القديم والحديث أيضا(4). وأكثر من ذلك فقد نجرؤ على التصريح بأنه يعرض علينا التصوف على انه ضرب من الحكمة أو الفلسفة، أي على أنه هو الفلسفة الإلهية. ومع ذلك، فمن الأنصاف له أن نعترف أن منهجه يختلف عن مناهج الفلاسفة، وربما عرضنا لهذا المنهج تفصيلا في بحث آخر. حقا أنه يقول أنه حصل ما حصل من علم عن طريق الذوق الصوفي، في حين أن الآخرين كانوا من أصحاب النظر والاستدلال العقلي، وشتان ما بين الذوق
والاستدلال. لكنا نراه يأخذ عن أفلاطون فكرته عن تقسيم مراتب الوجود وهو تقسيم رباعي. فأفلاطون يحدد هذه المراتب على النحو الآتي: الوحدة الأولى، والعقل، والنفس الكلية، والمادة، وهي الظل الأخير للوجود، قبل أن ينخرط في سلك العدم. أما عند ابن عربي فالمراتب الأربع هي أله، والعقل والنفس الكلية، والهباء. أحيانا اسم العنقاء، ويعترف أنه يقابل الهيولي عند الفلاسفة اليونان ويريدون به المادة الأولى. ثم يحاول أن ينسب فكرة الهباء أو العنقاء إلى الإمام علي بن أبي طالب مفسرا لماذا سماء بالعنقاء فيقول : «فإنه يسمع بذكره ويعقل، ولا وجود له في العين، ولا يعرف على الحقيقة إلا بالأمثلة المضروبة .. وتسمية الحكماء الهيولي، وهي مسألة مختلف فيها عندهم، ولسنا مما يحكي أقوالهم في أمر، ولا أقوال غيرهم. وإنما تعدد في كتابنا، وفي جميع كتبنا، ما يعطيه الكشف ويمليه الحق علينا».
  هذا هو ما يقوله محيي الدين بن عربي، ولا يتسع مقالنا لذكر عناصر فلسفية عديدة نعثر عليها في كتاباته، حتى نبرهن على صدق وجهة نظرنا. ذلك أن ابن عربي نفسه يكفينا ما لا يتسع له الوقت للبرهنة عليه، فإنه يقول: إن التصوف حكمة أو فلسفة إلهية، لكن كيف انتهى هذا الصوفي إلى رأيه هذا؟ لقد أراد أن يحدد لنا مسلك الصوفية في المعرفة، فقرر أول الأمر أن أهل التصوف لهم أصولهم التي يتفقون عليها، وإن اختلفت عباراتهم، واختلاف هذه العبارات أمر ضروري وذلك لاختلاف أذواقهم. فكل واحد منهم يعبر عما يشاهد، حسب ذوقه، وهو لا يتصنع ولا يتكلف، ولا يستمد شيئا من تفكيره لتحقيق هذه الغاية. فنطقهم لا يتعدى ذوقهم. أي أنهم صنف آخر يختلف تماما عن أصحاب النظر العقلي أو الفكر. وكان هناك صنفا وسطا بين الصوفية وأهل النظر العقلي أو الفلاسفة، ويريد به ابن عربي «أهل الاعتبار» وهؤلاء مختلفون فيما بينهم فإن فريقا منهم يكون اعتباره عن ذوق لا فكر، كما أن فريقا منهم يجمع بين الذوق و الفكر. وأيا كان الأمر فإنه يرى أن أهل الاعتبار أقرب إلى أهل الأذواق منهم إلى أهل الأذواق منهم إلى أصحاب الفكر.
  وإذا كان أهل الاعتبار يجمعون بين الذوق والفكر فليس ذلك شأن أهل النظر العقلي من الفلاسفة. غير أن ابن عربي يستثني من بين الفلاسفة فيلسوفا واحدا هو أفلاطون. والحق أن هذا الفيلسوف الإغريقي يحظى بمكانة كبيرة في قلب ابن عربي. فهو يمجده ويفضله على أرسطو الذي يصفه بأنه جاهل. كذلك يعيب على المسلمين كراهيتهم لأفلاطون. فإن هؤلاء ما كرهوه إلا لنسبته إلى الفلسفة، وبسبب جهلهم لدلالة هذا المصطلح. فالفلسفة هي محبة الحكمة، والحكماء« هم على الحقيقة العلماء بالله، وبكل الشيء ، ومنزلة ذلك الشيء المعلوم ، والله هو العليم الحكيم. ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، والحكمة هي علم النبوة... والفيلسوف معناه الحكمة لأن « سوفيا  » باللسان اليوناني هي الحكمة، وقيل هي المحبة . فالفلسفة معناها الحكمة، وكل عاقل يحب الحكمة». ثم يحاول ابن عربي الدفاع عن سمعة الفلاسفة، بمناسبة تمجيده لافلاطون  فيقول أن أصحاب الفكر والاستدلال العقلي ( من علماء الكلام) قد خطأوا الفلاسفة بسبب بعض ءارائهم في ألإلهيات، كما فعل الغزالي، وأن المسلمون ذموا الفلاسفة بصفة عامة. غير أن الفلاسفة لا يستحقون الذم لمجرد أنهم يسمون فلاسفة. وإنما ذموا بسبب ما أخطأوا فيه من العلم الإلهي، وبسبب ما أتوا به من ءاراء تتعارض مع ما جاءت به الرسل عليهم السلام. وسبب الخطأ لديهم أنهم اعتمدوا على ما أعطاهم الفكر القاسد في أصل النبوة والرسالات. ومن ثم تشوش الأمر عليهم. ولو أنهم طلبوا الحكمة من الله، لا عن طريق الفكر، لأصابوا الحق في كل شيء، كما هي الحال بالنسبة إلى الصوفية أصحاب الحكمة أو الفلسفة الإلهية.
  ويدخل محيي الدين بن عربي الاشاعرة والمعتزلة في طائفة الفلاسفة، أي يسلكهم في سلك الفارابي وابن سينا. غير أن فلاسفة الإسلام امتازوا على حد تعبير ابن عربي، بأنهم نشأوا في جو اسلامي، وبأنهم أرادوا الدفاع عن الدين بحسب ما فهموه منه. فهم إذن مصيبون بالأصالة مخطئون في بعض الفروع. وينحصر مكمن الخطأ عندهم في أنهم، وأن سلموا بأصول الدين ومبادئه، إلا أنهم تعسفوا في تأويل بعض الفروع بناء على ما أسلمهم إليه الفكر والدليل العقلي. وقد اعتقدوا أن الأخذ بظاهر بعض الآيات مما تشهد أدلة العقل باستحالته يعد كفرا. وهذا هو ما دفعهم إلى التأويل ناسين أن لله عبادا وهبهم القوة التي تسمو على العقل، فتقضي على خلاف ما يقرره هذا العقل أحيانا، وتتفق معه أحيانا. 
 
وكان ينبغي لهؤلاء أن يعلموا أن هناك طورا وراء العقل، وهو طور البصيرة، أو الكشف الصوفي، وكان من واجب العقل عندهم أن يعرف حدوده، وأن يعترف أنه يعجز عن إدراك ما يسمو عليه، فليس هذا العجز دليلا على استحالة ما استحالة ما يدركه أهل الكشف عن طريق العلم الموهوب، وراثة عن النبي صلى الله عليه وسلم . غير أننا نجد ابن عربي يؤول في مواطن عديدة ، رغم أنه يحاول البرهنة على ضرر التأويل.
  ثم يستدل ابن عربي على وجود طور أسمى من طور العقل على نحو قريب مما فعل الإمام الغزالي من قبل في كتابه المنقذ من الضلال وغيره من كتبه. لكنا نجد ابن عربي أكثر دقة وتفصيلا في استدلاله العقلي من أبي حامد الغزالي، ذلك أنه يخبرنا عن استقلال الحواس كل حاسة بمجال يخصها « فقوة السمع لو عرض عليها حكم البصر أحالته، والبصر كذلك مع غيره من القوى، والعقل من جملة القوى، بل هو المستفيد منها، ولا يفيد العقل سائر القوى شيئا».
أما أهل الله، ويعنى بهم الصوفية أو الفلاسفة الإلهيين، فإنهم يعرفون هذه المقامات كلها، وهم يحددون لكل مقام ما يخصه، فينسبون كل إدراك إلى القوة التي تناسبه، ويتجنبون أخطاء الفلاسفة والمتكلمين من أصحاب الاستدلال العقلي، ممن ينسبون الشيء إلى ما لا صلة له به. فوضع الشيء في موضعه هو الحكمة «وأهل الله من الرسل والأولياء، هم الحكماء على الحقيقة وهم أهل الخير الكثير.» 
  أن لابن عربي مذهبا فلسفيا خاصا به، يعتمد فيه على تأويل النصوص الدينية. ويمتاز هذا المذهب بأنه ينم عن عبقرية فلسفية نادرة. ذلك أنه مذهب فلسفي متقن قد ل نجد له مثيلا في اتساقه وترابط فروضه الفرعية مع الفرض العام الذي يدور حوله جملة وتفصيلا. كذلك تكشف لنا قدرته العجيبة على ربط كل هذه الفروض المتناثرة عن عقلية فريدة في جنسها، وعن قراءات واسعة، رغم أنه لا يفتأ يعلن سخريته من الفلسفة والتفكير النظري.
  ويبقى بعد ذلك كله أن تلك السخرية من الفلاسفة وغيرهم تنبيء عن عظيم ثقته بنفسه وإيمانه بسره العجيب الذي نثره وبدده في كتاباته وهو السر الذي ربما كشفنا الستار عن بعض جوانبه في مواطن أخرى.

1 ) انظر كتابنا المنطق الحديث ومناهج البحث- دار المعارف ط 5 سنة 1968.
2) انظر كتابنا الخيال في مذهب محيي الدين بن عربي. نشره معهد الدراسات العربية للجامعة العربية سنة 1969 ص 65- 69.
3 ) فتوحات 1 / 152- 154.
4 ) سننشر مقالات في مجلة « العربي» عن المقارنة بين محيي الدين بن عربي والفيلسوف الألماني الحديث ليبنتس.

                                                 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here