islamaumaroc

في الأسماء

  محمد كاضم سياق

16 العدد

يمتاز الإنسان عن الحيوان بالعلم، ووسيلة العلم الكبرى وآلته الضرورية هي «الأسماء» التي بها تدرك حقائق الأشياء ويعرف الأشخاص، فألف كلمة في صفة شيء من الأشياء لا تغني غناء كلمة واحدة هي علم على ذلك الشيء، صف زهرة نفتحت في الروض بأعلى ما أوتيت من بلاغة الوصف، فهيهات أن تدل على حقيقتها ما لم تقل إنها وردة أو ياسمين، كذلك إستفرغ بيانك في وصف شخصية إنسانية بارزة فلست بمفيد سامعك اليقين ما لم تسمها وتقل ـ مثلا ـ الإمام محمد عبده أو الأمير عبد القادر الجزائري.
لذلك قال بعض الحكماء : نصف علم ألطف في معرفة أسماء الأعضاء والعروق في الجسم الإنساني، من حفظها فقد استكمل نصف العلم، ولكون مدام العلوم والفنون كلها على معرفة الأسماء والمصطلحات جعل الله تعالى في الإنسان ولعا طبيعيا عجيبا بتسمية كل ما يأتي تحت مشاهدته أو يدخل تحت حس من حواسه، ومن عجابئه في هذا الباب أنه قد وضع الأسماء حتى تلك الأماكن القاصية من هذه الكرة الأرضية، التي لم تطأها قدماه بعد، ولا هي تصلح لحياته أبدا لشدة حرها أو بردها، وأنه يسمى في هذا العصر كل ما يتكبر من الاختراعات العلمية قبل أن يجره وينجح في تجربته، وأنا ما بلغنا أمر السيار المصنوع الذي أرسلته روسيا في الخلاء حتى سمعنا اسمه (سبوتنيك) وصارت ألسنتنا تردده، وكذلك لم يبلغنا خبر الصاروخ (Rocket) الذي وجهته أمريكا إلى القمر قبل أيام فانفجر في أول الطريق، حتى علمنا إن كان اسمه (توربيل) وأعجب منت هذا كله ما جاء في بعض الجرائد أخيرا من صورة جغرافية للقمر تبدي ما على صفحته من بحار وجبال، وإذا كل بحر أو بحيرة منها يحمل إسما خالصا له، هذا بحر البرد، وذاك بحر السكينة، وبجانب بحر الخصوبة، ومن ورائه بحر السحائب، فمن سمى يا ترى تلك البحار الواقعة في القمر ؟ ولماذا . سماها هذا الإنسان لذلك الولع الطبيعي المركب فيه بتسمية كل شيء يتناوله سمعه أو بصره أو خياله.
وإن «الأسماء هي أول ما علم الله تعالى أبا البشير قبل أن يهبط إلى الأرض، رد بذلك شبهة الملائكة ودحض حجتهم يوم أعلن في الملأ الأعلى : أني جاعل في الأرض خليفة. فالملائكة لما علموا أن المقصود لهذه الخلافة هو الإنسان، وقد أتى الحرية في الإدارة والعمل، وساورتهم المخاوف والشبهات، قالوا. أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ قال الله تعالى : إني أعلم من مزايا هذا المخلوق والقابليات المودعة فيه ما لا تعلمون، ثم عرض على الجميع بعض الأشياء، وأغلب الظن إن كانت من أشياء هذا العالم، وقال للملائكة : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم ـ في شبهتكم ـ صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، أي أن العلم الذي قد آتيتنا محدود لا يشتمل معرفة هذه الأسماء، ثم ألفت سبحانه إلى آدم فقال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم. فلما أنبأهم بأسماء تلك الأشياء المعرضة، بفضل العلم الذي قد وهب له الله من قبل، قال الله تعالى للملائكة : ألم أقل لكم أني أعلم غيب السماوات والأرض.
هذا على تفسير جمهور العلماء المفسرين من السلف والخلف للضمير المتصل في قوله تعالى : ثم عرضهم على الملائكة، وهو أن مرجعه أشياء عرضها الله على جميع الحضور في ذلك المشهد ليمتحن علمهم بأسمائها، ولكن هناك مذهب آخر في تفسير هذا الضمير، نريد أن نسترعي إليه الأنظار، هو ما ذهب إليه ولعله انفرد به المفسر الكبير الأستاذ أمين أحسن الإصلاحي في هذا العصر، وذلك أن الضمير في هذا السياق راجع إلى أشخاص ـ لا إلى أشياء ـ هم صفوة الإنسانية من الرسل والأنبياء والصلحاء والمجددين، وقد يبن الأستاذ مذهبه هذا في محاضرته القيمة (تصور الدولة في الإسلام) التي ألقاها في مؤتمر الدراسات الإسلامية المنعقد بلاهور في مفتتح هذه السنة.
فقال الأستاذ : «... قال الله عز وجل للملائكة: أنكم تخشون هذا الفساد من قبل الإنسان لأنكم لم تطلعوا على تدبيري ـ في استخلافه ـ من جميع نواحيه، ثم عرض عليهم رجالا من ذرية آدم وسألهم إن صح ما تظنون بآدم وذريته وما تخشون منهم، فقولوا لي من هؤلاء ؟ أهؤلاء كلهم مفسدون في الأرض ؟ أم فيهم من عسى أن ينشر فيها البر والمعدلة، فاعترف الملائكة بعدم عليهم من الأمر شيئا. ثم أمر الله تعالى آدم ـ وقد كان عمله أسماء ذريته من قبل ـ أن يخبر الملائكة بأسمائهم، فأخبرهم آدم يمن كان سيبعث في ذريته من الأنبياء والصلحاء والمجددين لهدي الإنسان صراط الله السوي. وعندئذ تبين للملائكة أن الخلافة التي يريد الله تعالى أن يجعلها لآدم في الأرض، وإن كانت تصحبها الحرية في الإرادة والعمل، مما يخشى أن يسيء استعماله الإنسان فيفسد في الأرض، إلا أن الله تعالى قد اقتضت حكمته مع ذلك أن ينزل في الأرض كتابه وشريعته ويبعث فيها رسله وأنباؤه، حتى يحددوا من تلك الحرية ويجعلوها تابعة لمرضاة الله، وما أن تبين لهم هذا حتى أدركوا التدبير الإلهي السامي بجميع نواحيه، واطمأنت إليه نفوسهم».
ومهما كان من الوجه في تفسير الضمير في الآيات المذكور آنفا، فمما لاشك فيه أن معرفة الأسماء هي الأمر البارزة الأهم في هذا الحادث العظيم الذي حدث في الغلس قبل فجر التاريخ الإنساني، ويؤخذ منه أن ميزة العلم التي أراد الله تعالى أن يخص بها آدم وذريته دون سائر الخلق جعل مبدأها وأساسها معرفة الأسماء والإعلام، وإلهم الإنسان الأول هذه المعرفة ببديع قدرته
من هذه الخطورة للأسماء في حياة الإنسان وقدم عهده بها جاءت عناية الإنسان بتسمية أولاده وأحفاده، فكان تخير الأسماء للبنين والبنات من واجهات الآباء التي يقدمون بها منذ القديم بكل شوق وعناية، بل كان الأمر عند بعض الملل من الواجبات المقدسة التي لا يقوم بها الآباء الدينيون في الكنائس ضمن تقليد ديني معروف يدعى المعمودية.
والطابع الذي بقى غالبا على أسماء الأفراد الإنسانيين قديما وحديثا هو طابع العقيدة والإيمان، فالأسماء في الغالب أما تأتي بعد أسماء الأنبياء والصلحاء تبركا بشخصياتهم السامية، أو تتركب من جزئين أحدهما يضاف إلى الآخر ، وهو اسم اله أو معبود، أو تكون مشتملة على معان طيبة أو صفات مرضية قد جاءت الأديان تنشرها وتحض الناس عليها، وإن أسامي الأنبياء ـ عليهم صلوات الله ـ كإبراهيم وإسماعيل وإسرائيل ـ وهو اسم يعقوب عليه السلام ـ ويوسف وموسى وداود وسليمان ويحيى وعيسى، وتضمن كلها معاني الإيمان والفضيلة والتفاؤل، وأكثرها وضعت بوحي الله تعالى، ففي التوراة أن إبراهيم عليه السلام سماه الله تعالى بنفسه يوم كلمه وقلده رسالته فقال له : «فلا يدعى اسمك بعد أبرام، بل يكون اسمك إبراهيم، لأني أجعلك أبا لجمهور الأمم» وإسماعيل معناه سمع الله، وقد كان الله تعالى سمع دعوة إبراهيم في أن يرزق ولدا، فرزقه إسماعيل، وإسرائيل معناه عبد الله، وكل كلمة تختتم بـ (» وإسماعيل معناه سمع الله، وقد كان الله تعالى سمع دعوة إبراهيم في أن يرزق ولدا، فرزقه إسماعيل، وإسرائيل معناه عبد الله، وكل كلمة تختتم بـ (إيل) تضمن إضافة إلى الله في شكل من الأشكال، كعمانوئيل، وتفسيره الله معنا، وهذا اسم سمي به عيسى عليه السلام قبل أن يدعى يسوع بوحي من الله تعالى، كما يفيد الإنجيل. وأما يحيى عليه السلام فسماه الله تعالى بنفسه كما يصرح به القرآن الكريم : يا زكرياء نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا. فكان يحيى عليه السلام أول من دعي بهذا الاسم.
ولما جاء خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ليكمل الله على يده دين الإسلام، كان الشرك غالبا على عقائد العرب، ظاهرا في أسمائهم، فأبطل النبي الشرك وأبطل معه تلك الأسماء التي تنسب عبودية الإنسان إلى غير الله، كعبد اللات وعبد العزى وعبد يغوث وعبد شمس، واستبدل بها لإتباعه من الأسماء ما يصرح بعبودية المرء لله الواحد الأحد، كعبد الله وعبد الرحمان والاسم الأخير خاصة نال قبولا زائدا بين المسلمين ولاسيما قريش، فروى الجاحظ في بعض رسائله عن الشعبي قال : لو ولد لي مائة ابن لسميتهم كلهم عبد الرحمان للذي رأيت في قريش من أصحاب هذا الاسم.
ولهذا القبول لاسم عبد الرحمان اسما من أسماء الباري تعالي يعرف بين أهل الإسلام خاصة ولا يعرفه من الكفار المشركين إلا الأقل، فكان بذلك علما على اله المسلمين بوجه خاصة، وقد جاء في القرآن : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان، قالوا وما الرحمان ؟ انسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا. فذهب أكثر المفسرين إلى أن العرب لم تعرف هذا الاسم، فاستفهموا عن مسماه عندها دعوا إلى عبادته، ولكن عدد غير قليل من المفسرين لم يروا هذا الرأي وقالوا : إن العرب عرفت هذا الاسم للرب تعالى، وإنما كان أذكارهم للرحمان أذكار تهكم وخبث، ومن حججهم في هذا الباب قول الله تعالى عن المشركين: وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم، فنقل عن المشركين هذا الاسم، ولو لم ينطقوا به لما فعل.
وقول أعشى قيس:
ولا جعل الرحمان بيتك في العلا 
                        باجياد غربي الصفا والمحرم
وقول حاتم الطائي:
كلوا الآن من رزق الاله وايسروا
                        فإن على الرحمان رزقكم غدا
والسبب الآخر هو كون عبد الرحمان من الأسماء الجديدة على سمع العرب اذ ذاك، وذلك أنا وجدنا عبد الله علما على غير واحد من الجاهليين، ولكن لم نجد فيهم من سمي  عبد الرحمان، والمرء مولع أبدا بكل جديد.
هكذا رضي الإسلام لاتباعه اسماء وكره اسماء، راج من ذلك بين المسلمين وضع خاص من الأسماء التزموه على طول القرون، حتى عرفوا به عرف بهم، وذلك أن يكون اسم امرىء منهم مركبا من أجزاء بعضها مقدس والآخر غير مقدس، والجزء المقدس إما يكون اسما من أسماء الله الحسنى، أو يكون كلمة (الدين) أو اسما من أسامي الأنبياء والمرسلين، وخاصة أسماء نبينا العربي محمد صلى الله عليه وسلم، أو أسماء الصحابة والتابعين، التي تقدست بقداسة النفوس الزكية المتسمية بها. ـ ثم يكون هذا الاسم عربيا في جميع أجزائه وذا معنى مفهوم.
وبقي هذا الوضع قائما معمولا به زمنا طويلا، حتى اتسعت رقعة الفتوحات الإسلامية، وشمل الإسلام بلاد العجم، هنالك تغير هذا الوضع قليلا بما سرت الأعجمية في الأسماء التي كانت فيما قبل تكون عربية في جميع أجزائها، فشاعت بيم المسلمين أسماء هي عربية في جزئها المقدس أعجمية في غيره، وهذا في الأمم الأعجمية التي فتحها دين الإسلام، ولم يفتحها لسان العرب، فبقيت لغاتها الأعجمية على حالها كإيران وباكستان والهند واندونيسيا والصين، على أن الهند وباكستان قل فيهما جدا رواج هذه الأسماء المختلطة، ولم ينسم بها فيهما إلا أبناء الطبقات الممعنة في التخلف والجهل، ولعل الحال كذلك في باقي الأقطار الأعجمية، أما الأقطار التي فتحها المسلمون العرب بدينهم وبلغتهم كليهما، كأقطار الشمال الإفريقي، فهناك جاءت اللغات المحلية أو العامية تبسط نفوذها على الأسماء، وأصبحت أسماء المسلمين تتألف من أجزاء حروفها عربية وكلماتها غير عربية، وإذا أردنا بالعربية هذه اللغة الفصحى، ولا نستطيع أن نقول بالضبط متى وكيف ابتدأ هذا التأثير للعامية في الأسماء العربية، ولكنا نعلم أن هذا التأثير باق إلى يومنا، بل هو ـ إن لم نكن مخطئين في التقدير ـ إلى زيارة وانتشار، فان استعرضت اليوم أسماء المسلمين في الجزائر ـ مثلا ـ أو ما حواليها من الأقطار، وجدت معظمها على نحو : كحلة محمد ، وجندلي محمد، وتغليسية محمد، ومحمد كسوري، فالجزء المقدس باق على عربيته ولكن الآخر غلبت عليه العامية أو المحلية، فضاقت بذلك معاني الأسماء وعاد فهمها مقصورا على المحليين.
ولم يقف نفوذ اللغات المحلية في الأسماء عند هذا الحد، بل جاوزه إلى أن استولى على الجزء العربي المقدس فيها ومحى آثاره محوا، حتى أصبحت الأسماء أسماء ـ أسماء المسلمين بحقك ـ لا يرى بين أجزائها جزء مقدس ولا جزء عربي فصيح، وأنا نذكر إن كنا نطالع قبل أعوام في بعض الجرائد العربية الصادرة من الجزائر أسماء من أمثال : عمامرة معمر، ورابح عمامرة ، ونجار رشد، والمنور مروش، وامساقم السائح، فلا نستدل على كونها أسماء لأبناء المسلمين إلا بأنها وردت في ثبت من الطلبة المتعلقين بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
أما مصر، مثابة العروبة ومركز العربية، فصحب النهضة العلمية والسياسية فيها اتجاه جديد في الأسماء أصبح عنوانا على التقدم والرقي، ومن مظاهر هذا الاتجاه البارزة:
الميل إلى تفخيم الأسماء وجعلها ذات ثلاثة أجزاء، بعد أن كانت تتخذ أكثرها من جزئين في العصور المتوسطة أو من جزء واحد فقط في القرون الأولى، وهذا الميل إلى التطويل في الأسماء أيضا غدا ينمو ويزكو حتى صرنا نطلع أخيرا على أسماء رباعية ذات أربعة أجزاء، ولا شك أن هذه الأسماء الثلاثية أو الرباعية لا مغمز فيها لطاعن من جهة الدين أو الخلق، لأن الدين لا يعنيه طول الأسماء وقصرها، وإنما تهمه معانيها وان لا تكون متناقضة مع عقائده وتعاليمه، ولكن يخيل إلى الناظر في هذه الأسماء أن من ورائها نوعا من النزعة البورجوازية يحمل المرء على أن يجمع له من يزيد على حاجته من  أسماء، فالاسم الواحد من مثل (أحمد محمود بكر هلال) (1)لو وجد في القرون الأولى لكان كفى اسما لأربعة أشخاص مختلفين، ولو كان في القرون الوسطى لدل على رجلين على الأقل، ولكنه في هذا العصر لا يشير إلا إلى رجل واحد، فهذا إسراف في الأسماء، وياليت شعري بم يحلل علماء النفس هذه الظاهرة في الأسماء، أهم يردونها إلى شعور بالنقص على النفوس، فيراد تلافيه بالتوسيع في الأسماء وما إليها من المظاهر، أم يردونها إلى طبيعة العصر، ولكل عصر لا شك طبيعة ومزاج لا مندوحة عنه لمن أراد أن يجاريه ويمشي في ركبه.
من تلك المظاهر استعمال الألقاب التركية كثيرا في الأسماء مثل مدحت وعزت وطلعت وبهجت ونشأت مكان الجزء المقدس أو غير المقدس فيها، فيقال أحمد عزت وطلعت وبهجت ونشأت مكان الجزء المقدس أو غير المقدس فيها، فيقال أحمد عزت ومحمد مدحت وبدر نشأت، وكل هذه الأسماء وما لف لفها تدل على روح عصرية في أصحابها.
ومنها الاستكثار من استعمال صيغة النسبة الأسماء كفوزي ووجدي وشكري وفتحي ورمزي وفهمي مع تنكير المنسوب بتجريد من (أل) التعريف على خلاف قواعد النحو، فيقال : أحمد فوزي ومحمد شكري ومحمود رمزي، وكان الوجه ان يقال الفوزي والشكري والرمزي باثبات (ال) التعريف، كما عهدناه في الأسماء القديمة نحو الشريف الرضي وياقوت الحموي وأبي حيان التوحيدي، وتأملنا كثيرا في اجتناب أخواتنا المصريين لأداة التعريف هذه، فلم نعلله إلا بتوخيهم الخفة والسهولة في النطق بالأسماء، وأداة التعريف لاشك تورث الأسماء بعض النقل والاسترخاء، والفرق بين النطق بكامل كيلاني وبكامل الكيلاني ظاهر.
ومن الأسماء العربية في مصر ما هو ذو ثلاثة أجزاء ويأتي جزؤه الثالث الأخير من تلك الأسماء أنه من لوازمها لا من كمالياتها، لأنه يفيد إحدى الفائدتين : اما يدل على المهنة التي عرف بها أسلاف المرء الأقدمين فيكون علما على اسرته ويبين النسب، كما في أحمد حسن الزيات، وعباس محمود العقاد ـ على حد تخميننا ـ أو يتضمن معنى ساميا تستخرج منه العزائم والهمم، فيفيد عندئذ فائدة التأثير النفسي كما في عبد الوهاب عزام وعبد الوهاب خلاف، على أن لهذه الأسماء المختتمة بصيغة المبالغة من التناسب والانسجام الصوتي ما يجعلها من أحسن الصيغ للأسماء.
التفاؤل بالأسماء قديم في المجتمع البشري، وقد تفاءل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بالأسماء الطيبة المعاني وكره من الأسماء ما يضمن معنى غير مقبول، قال سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي ذهب المخزومي : قدم جدي حزن بن أبي وهب على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له : كيف اسمك ؟ قال : حزن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل سهل ، قال : ما كنت لادع اسما سمتني به أمي، قال سعيد : فأنا لنجد تلك الحزونة في اختلاقنا إلى اليوم، وروى سفيان عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير قال كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرائه : لا تبردوا بريدا الا حسن الوجه حسن الاسم وروى الرياشي عن الأصمعي قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نزل على رجل من الأنصار فصاح الرجل بغلاميه : يا سالم وبا يسار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلمت لنا الدار في يسر. وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا أراد أن يستعين به على عمل عن اسمه واسم أبيه، فقال ظالم بن سراقة، فقال : تظلم أنت ويسرق أبوك، ولم يستعن به في شيء.
وهذا التفاؤل بالأسماء الحسنة والتشاؤم بالأسماء القبيحة أمر معقول لا ينكره العقل السليم، وذلك أن اسما حسنا إذا دعى به رجل ما مرارا متكررة على الأيام والأشهر والسنين فلا يستبعد أن يستقر معناه في وأعينه الباطنة ويغلب على أفكاره، ثم يسرى منها إلى أخلاقه وأعماله، وكذلك إن اسما قبيحا إذا تكرر على سمع مسماه عشرات من المرات في كل يوم، فإنه أدنى أن تهون معانيها عند المرء وتألفها نفسه وتستأنس بها، ومثل هذا التأثير النفسي من مقررات على النفس، ولا نكران لفعله في أفكار الناس وأعمالهم.
أما غير المعقول الذي لا يقبله الطبع السليم فهو المذاهب العجيبة التي جاء بها بعض الفضوليين في البحث عن دلالات الأسماء وتأثير معانيها في أخلاق المرء وعاداته، من هذه المذاهب قول بعضهم أن للأسماء خصائص لابد أن تظهر في شخصيات أصحابها، ولا علاقة لهذه الخصائص بمعاني تلك الأسماء ودلالاتها بل هي منوطة بتلك الأسماء على سبيل المصادفة والاتفاق، سمعنا من أحد القائمين بهذا المذهب أن اسم (محمد علي) ـ مثلا ـ من خصائصه النباهة وعلو المنزلة، فكل من سمي محمد على لابد أن يكون بارزا في بيئته أو مجتمعه منزلة ونباهة وساق لتأييد مذهبه هذا أمثله من محمد علي جناح، زعيم باكستان الأول، قائد حركتها ومؤسس دولتها، ومحمد علي جناح، زعيم باكستان الأول، قائد حركتها ومؤسس دولتها، ومحمد علي بوجرا رئيس وزراء باكستان سابقا وسفير باكستان في أمريكا حالا، والتشودري محمد علي الذي كان رئيس الوزراء يومذاك وهو اليوم رئيس حزب سياسي، وأضاف على هذه الأمثلة الوطنية أمثلة من خارج باكستان فذكر محمد علي علوبة باشا أول سفراء مصر لدى باكستان، ومحمد علي الزعيم الهندي الأكبر إبان حركة الخلافة في الهند، الذي مات ودفن بالقدس فرناه شوقي أبلغ رثاء. قال أمثلة خمسة من المدعوين باسم محمد علي. ما منهم إلا من تسامى إلى عليا منازل الشرف وذيوع الصيت، حتى أصبح رئيسا لوزارة أو زعيما لأمة أو سفيرا لدولة، وكل ذلك بفضل خصائص هذا الاسم، هنالك سأله بعض من حضر المجلس : وما قولك يا أستاذ في الكثرة الكاثرة من أصحاب هذا الاسم الذين نشأوا في الطبقات المتوسطة أو الفقيرة من المجتمع ابن نباهتهم وعلو منزلتهم ؟ قال : لابد أن يكونوا بارزين على غيرهم سمعة ونباهة في بيئتهم المحدودة التي هم فيها، فأرجعوا إلى بيئاتهم وابحثوا عن أحوالهم يتحقق لكم الأمر، وجاء جوابه بالغا من السخافة بحيث أضحك جميع السامعين.
والمذهب الآخر الذي يماثله في السخافة والاضطراب قولهم بأن لمعاني الأسماء تأثيرا في أخلاق المتسمين بها ضربة لازب، وهذا المذهب يقتضي أن يكون كل (محمود) في هذه الدنيا طيب السيرة ممدوحا لدي الناس، وكل (جميل) صاحب جمال ووسامة وكل (أمين) رجل أمانة ونزاهة، وهذا يكذبه الواقع في حياتنا أغلط التكذيب. ولو كانت صفات الإنسان وأخلاقه تطابق هذه المطابقة الكاملة لمعاني الأسماء ودلالاتها أبدا، لهان والله كثرا عمل المصلحين الأخلاقيين من الأنبياء والصلحاء والمرشدين، وامتلأت الدنيا رشدا وصلاحا وجمالا وكمالا لأن معظم الأسماء التي ما زال يدعى بها بنو آدم في كل زمان ومكان تحوي على معان طيبة مرضية.
ومن الأسماء ما استهدف لكثير من النقد والطعن من هذه الجهة أو تلك، وقد كاد الناقدون أو يضيقوا على صاحبه الخناق لأجله، ولكن كان من صبره ونباته في وجههم ما بدد اعتراضاتهم وأبقى عليه اسمه كما هو. وقد ذكر المغفور له الأستاذ محمد كرد علي في كتابه (المذكرات) : «إن حاول أحد خلص أصدقائي أن يبدل كنيتي (كرد علي) ويستعيض عنها بعلي فقط، وأخذ يقنعني بذلك زمنا، وحجته أن هذا الاسم من الألقاب المرعبة، وإذا أطلق على يؤخذ منه أن صاحب كردي فظ لا يعرف غير السلب والنهب. وكنت أحاجة في هذا المعنى وأريد أن يتفضل علي بكنية أسرتي يطلقها على في الكتاب والخطاب، وأقول له أن في كني الإفرنج والعرب انقل من كنيتي وأخوف منها، وإن في أجدادها الماضين من كانت كنيتهم أوحش وأسمج، مثل ابن بصاقة وابن كدية وابن كتاكت وابن كحينا...»
وأشد من ذلك وقع للأستاذ الكبير السيد أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان حينما تقدم بدعوته الإسلامية فجاوز مرحلة الفكر والقول إلى الجهد والعمل، فشكل الجماعة الإسلامية ودعا عامة المسلمين وخاصتهم إلى السعي وراء إقامة النظم الإسلامي فانبرى له طائفة من رجال الدين كانوا راضين عنه وهن دعوته ما دامت في حدود القول والفكر، فأخذوا يعيبون شخصيته ودعوته وكل ما يقوم به أعمال، ومما عابوا وأنكروا هو كنيته (أبو الأعلى) بحجة أن الأعلى من أسماء الله تعالى الخاصة، فلا يجوز أن تضاف إليه الأبوة، ويتكنى به مسلم عامي فضلا عن عالم يتصدى للدعوة والإصلاح، وشددوا نكيرهم على هذا الاسم ليسيئوا ظن الناس بالأستاذ وبجماعته، فكانت ضجة ومعمعة، ثم سكنت لأنها لم تكن تستند إلى علم أو برهان، وكانت الآية : وأنتم الأعلون أن كنتم مؤمنين. وحدها كافية في دحض حجتهم الباطلة، ومما لا شك فيه أنه لو تكن هذه الآية في القرآن لأضطر الأستاذ إلى أن يخوض مع منتقديه في معركة حامية الوطيس كانت شغلته عن شؤون الدعوة والإصلاح زمنا طويلا.

 (1)  اسم مفروض قسناه على غيره من أسماء الأشخاص المعروفين.      
         

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here