islamaumaroc

لم يكن القرآن بلغة قريش فحسب -18-

  دعوة الحق

126 العدد

 قـبـيـلـة أنـمـار :
قال ابن منظور أنه « حي من أحياء خزاعة (1)» ولقد شاركت في القرآن الكريم بلفظتين وزعتا على الشكل الآتي :
لفظة «طائر» في قوله تعالى : «وكل إنسان ألزمناه في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا»(2) وفي قوله تعالى (3) : «قالوا أطيرنا بك وبمن معك، قال طائركم عند الله، بل أنتم قوم تفتنون». وفي قوله عز وجل : « قالوا طائركم معكم ألن ذكرتم، بل أنتم قوم مسرفون (4)». وفي قوله تعالى : «فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه، إلا إنما طائرهم عند الله، ولكن أكثرهم لا يعلمون (5)» فهي، كما نرى، واردة في القرآن الكريم أربع مرات وتدل في لغة قبيلة على العمل(6)، العمل الذي يقدمه الإنسان لآخرته (7).
أما الزمخشري فيؤولها اعتمادا على ما نعرف من عادة العرب في تشاؤمهم وتفاؤلهم من نتيجة زجر طائر. فيقول مفسرا آية النمل المشار ليها أعلاه : «وكان الرجل يخرج مسافرا فيمر بطائر فيزجره، فإن مر سانحا تيمن وإن مر بارحا تشاءم، فلما نسبوا
الخير والشر إلى الطائر أستعير لما كان سببها من قدر الله وقسمته أو من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة ». وهذه هي الفكرة التي رددها في تفسيره لبعض هذه الآيات (9).
  وأفضل تأويل في هذا الباب هو ما أورده العلامة أبو القاسم الحسين بن محمد حين قال مفسرا «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه»(10) : أي عمله الذي طار عنه من خير وشر» فجمع بين الأصل المعنوي للفظة في لمحة قبيلة أنمار وبين الاعتقاد السائد عند باقي العرب وعلماء لغتنا.
وأفضل من ذلك كله ما صرح به الفراء حين قال (11) : «الطائر معناه عندهم العمل وطائر الإنسان عمله الذي قلده». وهذا ما نحب ولا شك أن نسمعه، وقد سمعناه والحمد لله من أحد أكابر محققي اللغة العربية.
  واعتقد أن كل الذين فروا هذه المفردة بغير ما فسر بها الفراء مجتهدين غير موفقين تمام التوفيق في اجتهادهم وإن لم يبتعدوا كثيرا عن المعنى الأصلي لهذه اللفظة وهكذا يذهب أبو عبيدة إلى الاعتقاد أن الطائر هنا عند العرب الحظ.
اللفظة الثانية : « أغطش» الواردة في قوله تعالى : «وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (12)». جعلها أبو القاسم بن سلام (13) من لغة قبيلة أنمار وهمذان وتبعه في ذلك الإمام جلال الدين السيوطي (14)، مفسرانها بأظلم، ولم ترد هذه المفردة إلا مرة واحدة في القرآن الكريم مما يبين غرابتها عن لغة قريش.

قبيلة أهل اليمامة
قال الجوهري (14): «واليمامة بلاد كان إسمها الجو، فسميت باسم هذه الجارية لكثرة ما أضيف إليها، وقيل جو اليمامة، والنسبة إلى اليمامة يمامي». ويحدد أبو الفضل جمال الدين محمد ابن مكرم بلاد اليمامة فيقول : «وفي الحديث ذكر اليمامة وهي الصقع المعروف شرقي الحجاز ومدينتها العظمى حجر اليمامة»(16).
  ولقد شاركت هذه القبيلة في القرآن الكريم بلفظة بيانها كما يلي :
اللفظة «حصرت» في قوله تعالى : إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم، حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم، ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم، فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا (17)». وهي هنا معنى ضاقت في لغة أهل اليمامة كما أورد ذلك العلامة أبو القاسم بن سلام(18) والإمام جلال الدين السيوطي(19) ولهذا المعنى ذهب الإمام أبو القاسم الحسين بن محمد معمما حين قال(20) : «والحصر التضييق» وبهذا المعنى وردت في الآيات، «فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم
وأحصروهم وأقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم(21) ». معنى أحصروهم هنا قيدوهم وأمنعوهم من التصرف في البلاد وإن كان بعض المفسرين أول ذلك تأويلا آخر حيث ذهب إلى أن معناه الحيلولة بينهم وبين المسجد الحرام (22). ومعناها عند أبي الفداء اسماعيل ابن كثير «حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام (23)»
  ونعرف لهذا الفعل مصدرين حصر وإحصار، وضح معناهما جميع أصحاب المطولات دون أن يبينوا الفرق الدقيق بينهما ما عدا الراغب الأصفهاني الذي أصاب الهدف حين قال : «والحصر والإحصار المنع من طريق البيت، فالإحصار يقال في المنع الظاهر كالعدو والمنع الباطن كالمرض، والحصر لا يقال إلا في المنع الباطن وعلى ما تقدم جاءت معنى الآية : «وأتموا الحد والعمرة لله، فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي، ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله، فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة، ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، واتقوا الله، واعلموا أن الله شديد العقاب(24)» والآية 283 من سورة البقرة.
  أما لفظة «حصور» الموجودة في قوله تعالى : «قتادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيئا من الصالحين(25)» فقد سبق أن تحدثت عنها في الحلقة الثالثة حين تعرضت للكلام عن لهجة قبيلة كنانة(26) لأنها منها، وعلقت عليها آنذاك بما اعتقد أنه يشفي الغليل، فليتفضل بالعودة إليها من أراد.
ولعل قرائي الكرام لاحظوا أن القبائل التي نتحدث عنها الآن لم يكن لها حظ كبير فتشارك بألفاظها في القرآن الكريم كما شاركت هذيل وكنانة وغيرهما : ولأنني لأحاول جهد المستطاع أن أثبت في هذا البحث المتواضع كل قبيلة ساهمت ولو بقسط زهيد في القرآن الكريم. وغني عن البيان أن هذا يحتاج إلى وقت طويل، ومطالعات متواصلة، وبحث وتنقيب لا يتأتيان لمكن سلبت مهام الإدارة منه كل أوقاته. ومع ذلك فإنني والحمد لله، بإلهام منه، ولاشك، أعثر على بغيتي في مراجع يلهمني الله لقراءتها وإن كان الاتجاه الذي أسير فيه لا يسمح لها بالوقوع في طريقي.
  لقد عشت زمنا طويلا على ظن أن ألفاظ قبيلة قضاعة التي دخلت القرآن قد انتهينا منها إلى أن قرأت كتاب تجديد ذكرى أبي العلاء» للدكتور طه حسين الذي أورد، أن الحديث عن شعر أبي العلاء المعري الذي يقول فيه :
                           لمن جيرة سيموا النوال فلم ينطوا
                                                   يظلـلــهم ما ظــل ينبثــه الخـــط
                           رجوت لهم أن يغربـوا فتباعدوا
                                                   وألا يشطوا في المزار فقد شطوا

 فوجدته يقول فيه : « بل لم يكف أبا العلاء أن يتخير من الألفاظ ما لم يألف أهل عصره، حتى استعمل غريب اللغة ونادرها، فوضع الطي في أول القصيدة موضع أعطى، وهي لغة قضاعية قريء بها في القرآن (27)».
 
فاتضح من هذا كله أن لفظة أنطى قضاعية وأنها موجودة في إحدى القراءات، ومما يزيد الأمر روعة أن الذي يقرأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى ذلك الطبراني والدارقطني والحاكم وابن مراويه والثعلبي. وقال الزمخشري « في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أنطيناك بالنون (28)».
 ولا شك أن معنى أنطى القضاعية أقوى من أعطى القرشية لأن الكوثر كما أخرجه مسلم من رواية بن فلفل عن أنس «نهر في الجنة وعدنيه ربي فيه خير كثير» كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.


                                               

1 ) لسان العرب الجزء السابع صفحة 94.
2) الإسراء الآية 13.
3) النمل الآية 47.
4) يس الآية 19.
5) الأعراف الآية 131.
6) أبو القاسم بن سلام. رسالة تتضمن ما ورد في القرآن الكريم من لغات قبائل العرب منشورة بذيل تفسير الجلالين.
7) الإتقان في علوم القرآن الجزء الأول صفحة 136.
8) الكشاف الجزء الثالث صفحة 292.
9 ) آية الأعراف مثلا الكشاف الجزء الثاني صفحة 114.
10) المفردات في غريب القرآن. صفحة 310.
11) لسان العرب لابن منظور الجزء السادس صفحة 183 من الطبعة الأولى ببولاق سنة 1300 هـ.
12) النازعات الآية 29.
13) ذيل تفسير الجلالين صفحة 274 من الجزء الثاني.
14) الإتقان في علوم القرآن الجزء الأول صفحة 136.
15) الصحاح الجزء الخامس صفحة 2065.
16) لسان العرب الجزء السادس عشر صفحة 135 من الطبعة الأولى ببولاق سنة 1303هـ.
17) الآية 90 من سورة النساء.
18) رسالة جليلة تتضمن ما ورد في القرآن الكريم من لغات قبائل العرب بذيل التفسير المعروف بالجلالين صفحة 88 من الجزء الأول طبعة القاهرة بدون تاريخ.
19) الإتقان في علوم القرآن الجزء الأول صفحة 136.
20) المفردات في غريب القرآن صفحة 121.
21 ) الآية من سورة التوبة.
22) وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه كما أورده جل المفسرين.
23) تفسير ابن كثير صفحة 336 من الجزء الثاني.
24) البقرة 196.
25) الآية 39 من سورة آل عمران.
26) دعوة الحق العدد الخامس، السنة التاسعة و القعدة 1385 صفحة 26.
27) تجديد ذكرى أبي العلاء الطبعة السادسة صفحة 187.
28) الكشاف الجزء الرابع صفحة 646.


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here